التاريخ: تشرين الثاني ٩, ٢٠١١
الكاتب:
المصدر: جريدة الوطن الان المغربية
عزيز قراقي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس السويسي: دسترة التوازن المالي سيكبح الأحزاب من تقديم الوعود المستحيلة

يشرح عزيز قراقي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس السويسي، السياق الذي قاد إلى دسترة مبدأ التوازن المالي في الدستور الجديد. وربط ذلك بكون الحكومة والبرلمان المقبلين سيكونان ذات سلطات واسعة ومنبثقين عن انتخابات قوامها تعاقد مع الناخبين، وهو التعاقد الذي يحتاج إلى نفقات عمومية. وبالتالي تمت دسترة التوازن المالي خوفا من أن تنزلق الأحزاب وراء إمطار الناخب بالأحلام

 

* نص المشرع على دسترة توازن مالية الدولة في الدستور الجديد، ما الذي حذا بالمشرع الدستوري إلى تبني هذا المبدأ؟
** منذ أن قبل المغرب الدخول في مسلسل التقويم الهيكلي، الذي ما زال يتذكره الكثير من المغاربة، بات التوازن المالي قاعدة مفروضة على معدي القانون المالي، مع إمكانية وجود نسبة ضعيفة من العجز تستطيع المالية المغربية تحملها. غير أننا اليوم أمام وضعية جديدة أبرز معالمها على المستوى المالي هو دسترة هذا المبدأ، حيث سعى المشرع الدستوري في الفصل 77 إلى تكليف الحكومة والبرلمان معا بذلك. ولعل تكليف السلطتين بهذا مرده كون الهندسة المؤسساتية الجديدة تقتضي أن الحكومة تكون منبثقة من البرلمان، وهو ما يفترض أن صناديق الاقتراع هي الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن توصل إلى ممارسة الشأن العام. وبذلك فالسلطتان من المفروض أن تكونا شديدتي الارتباط بالناخبين، بل متعاقدتين معهم بناء على برنامج يحتاج تحقيقه إلى نفقات عمومية. ومعروف أيضا أن الأحزاب السياسية عندما تعد برامجها يكون همها الوحيد هو الحصول على ثقة الناخبين حتى ولو كان ذلك عبر تقديم وعود صعبة التحقيق. وعادة لا يقال للناخب إن الموارد المالية المغربية التقليدية غير قادرة على تمويل كل ذلك، لذا فخشية من أن تغامر الحكومة وتتمادى في سياسة الإنفاق إرضاء للناخبين، ومن أجل استبعاد اللجوء أكثر ما يمكن إلى الموارد المالية الاستثنائية التي من شأنها إرهاق كاهل مالية الدولة وإعادتها إلى الوضعية التي كانت عليها زمن الثمانينيات من القرن الماضي، حيث تم الضغط بشكل كبير بالأخص على النفقات الاجتماعية التي تراجعت إلى مستويات قياسية، حرص المشرع على تضمين الدستور هذا المبدأ الذي هو بمثابة قيد دستوري سيسهر على ضمان احترامه القضاء الدستوري، الذي سيعتبر أية ميزانية لا تحترم مبدأ التوازن المالي مخالفة للدستور. كل ذلك يؤكد أن المؤسسات التي ستنبثق من انتخابات 25 نونبر 2011، ستجد نفسها أمام تحديات حقيقية أبرزها مسألة تمويل البرنامج الذي ستنتخب على أساسه، والذي يفترض فيه أن يكون طموحا قادرا على إيجاد حل لمعضلات كبيرة من قبيل بطالة الخريجين.

 

* هل دسترة توازن المالية راجع إلى رغبة أجهزة معينة في كبح جماح البرلمان المقبل حتى لا تكون له السلطة المطلقة في القرار المالي؟
** لا أعتقد أن أحدا له الرغبة في العودة إلى مخلفات التقويم الهيكلي الذي مازالت بعض آثاره السلبية حاضرة إلى اليوم. فالموارد المالية للمغرب معروفة ومحدودة، وهي في جزء مهم منها مرتبطة بالخارج، ومعناه أنها خاضعة باستمرار للتقلبات، ثم إنه بلد غير منتج للطاقة، مما يزيد من عبئه المالي.. ولهذا إذا ما قرر تمويل مجهود التنمية بالاعتماد على الموراد العادية، فإنه لن يستطيع تحقيق معدل نمو مهم، وإذا ما أراد الزيادة في هذه الموارد فإن الاتجاه سيكون صوب الضرائب، وهو ما سيزيد في العبء الجبائي للمواطن المغربي، خاصة ذلك الذي لا يستطيع لا التملص ولا الغش الجبائي. كما أن القول الذي يذهب إلى ضرورة إخضاع الأغنياء للمزيد من الضرائب يصطدم بصعوبات متعددة، أبرزها قدرة هؤلاء على ممارسة الضعط على الحكومة عبر وسائل متعددة تجعل مصالحهم في الغالب الأعم بعيدة المنال. إذا ماذا تبقى؟ في هذه الحالة نبقى أمام حل واحد، وهو الإبداع والابتكار والبحث عن موارد مالية جديدة تمكن خزينة الدولة من تمويل التنمية. وفي هذه الحالة يبقى التوجه الأسلم هو الانفتاح على قطاع الاقتصاد غير المهيكل وإخضاعه للضريبة لكون الأموال التي يتم تداولها فيه كثيرة. ولهذا، أظن أن دسترة هذا المبدأ هو أولا الرغبة في إخراج البرلمان والحكومة من الخمول ودعوتهما إلى إحداث تغيير حقيقي على مستويات متعددة، خاصة وأن المواطن لن يقبل بأن يكون مستوى أداء المؤسسات المنبثقة عن دستور 2011 أقل مما سبق؛ وثانيا سن قواعد تجنب المغرب سيف التقويم الهيكلي وشبح المديونية.

 

* هذا التحديد الدستوري قد يحد اللجوء إلى القروض، مما جعل البعض يرى بأن المبدأ ستكون له تدابير سلبية على وتيرة النمو والاستثمار العمومي. هل هذا التخوف له ما يسنده؟
** إن اللجوء إلى القروض هو سيف ذو حدين، فقد يكون مفيدا إذا ما كان موجها نحو الاستثمار الذي تكون له مردودية مضمونة، فمثلا لا أحد يمكنه التقليل من أهمية القروض في تمويل استثمار عمومي ضخم مثل الطرق السيارة، أو مد خطوط السكك الحديدية إلى المناطق النائية. وعلى العكس من ذلك إذا وجهت نحو نفقات غير منتجة أو غير ذات جدوى أو نحو الاستهلاك، فقد تكون لذلك انعكاسات خطيرة ومضاعفات تتجاوز الإطار المالي إلى ما هو اجتماعي واقتصادي وسياسي. صحيح أن البرلمان والحكومة المقبلين لن يكون بوسعهما الاعتماد بشكل كبير على القروض لتمويل ميزانية الدولة، ولكن هذا لن يمنع من الاقتراض في حدود معقولة تنسجم مع قدرات المغرب الأدائية من أجل تمويل التنمية. ثم إن الحكومة المقبلة، سيكون عليها بذل مجهود كبير، واستثمار الاستقرار السياسي الذي ينعم به المغرب، قصد استقطاب المزيد من الاستثمارات الدولية لتمويل بعض المشاريع الكبرى ذات التأثير المباشر على التنمية. إذ إن الرأسمال بصفة عامة يبحث عن الاستقرار، وله حساسية خاصة إزاء التوترات الاجتماعية. وكثيرة هي الدول التي تنتمي إلى البحر الأبيض المتوسط والتي كانت تنافس المغرب في مجال استقطاب الاستثمار تمر الآن من أزمات، بعضها سياسي والبعض الآخر اجتماعي، وحتى بعض الدول الأوروبية تخيم عليها أجواء الأزمة الاقتصادية. فما على الحكومة المقبلة إلا أن تحسن تسويق منتوجها، وستكون في منأى.

 

* ما الذي سيجنيه المواطن من هذا التحديد الدستوري، علما أن الثقافة المالية غير حاضرة في نقاشات الصحف والتلفزة والحملات التعبوية للأحزاب؟
** لعل أبرز ما سيستفيده المواطن من هذا التحديد بشكل مباشر، هو أن الأحزاب السياسية بالمغرب بات مفروضا عليها اليوم صياغة برامج تعتمد الشفافية ومخاطبة المواطن بخطاب صريح على أساس أنه شريك متعاقد، ثم إن الحكومة عندما ستبدع في مجال البحث عن موارد مالية جديدة سيكون هو المستفيد منها عند توظيفها في التنمية، وسيكون متيقنا من أن السلطات التي انتخبها ليست لها إمكانية رهن مستقبله في قروض لم يلمس تأثيرها في حياته اليومية. صحيح أن النقاش المالي غير حاضر في النقاش العمومي، ويجب القول على أن نقاش ما هو مالي يبقى لحد الآن بالمغرب نخبويا. وسأصدقك القول وأؤكد لك أن مفاجأتي كانت كبيرة، عندما اكتشفت أن الكثيرين لا يميزون بين القانون المالي والقانون التنظيمي للمالية الذي هو جزء لا يتجزأ من الدستور. وإذا ما استثنينا فترة التقويم الهيكلي التي استطاعت بعض القوى السياسية آنذاك تحويلها إلى مواضيع أساسية للخطاب السياسي، مكنتها من التميز والاقتراب أكثر من المواطنين، فإن مواضيع المالية العامة تكاد تكون اليوم غائبة عن الخطاب السياسي. ولكن يجب القول إن الكثير من الناس مازالوا لم يفهموا تضمين هذا المبدأ في الدستور ويستوعبوا مغزاه.

 

* هل تتوفر الأحزاب السياسية المغربية اليوم على نخب قادرة على الدخول في مغامرة الابتكار والبحث عن الموارد المالية الجديدة؟
** أكيد أن المغرب يتوفر على الكثير من الكفاءات عدد منها خارج الأحزاب السياسية ولا يؤمن بثقافة المشاركة، وقد لاحظت كيف أن بعض الأحزاب المغربية عندما طلب منها إبداء ملاحظاتها حول التعديل الدستوري، راحت تتسابق على أساتذة القانون الدستوري ليمدوها ببعض أفكارهم، قصد تضمينها في مذكراتهم. وتجدر الإشارة إلى أن الحزب اليميني مثلا في إسبانيا يتوفر على مركز استراتيجي للدراسات تابع له، يضم العديد من الخبراء والباحثين، مهمته الأساسية هي التفكير وتزويد الحزب بالبرامج والأفكار التي من شأنها أن تبقيه في السلطة أو تعيده إليها عندما يغادرها. فكم من حزب في المغرب له مركز للدراسات يتكلف خبراؤه بإنجاز تقارير ودراسات تساعده في عمله؟ ولهذا فالأحزاب السياسية مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى لمراجعة الكثير من طرق عملها، والانفتاح أكثر ما يمكن على المجتمع، وإحداث آليات تسهل تداول النخب، مما قد يسمح ببروز قيادات جديدة يكون همها الوحيد الإبداع والابتكار وليس التشبث بالمواقع.

 

هكذا ولج التوازن المالي إلى دساتير الدول

 

* ما هو السياق التاريخي الذي أفرز هذا المبدأ؟ وكيف تطور حتى صار مبدأ دستوريا؟
** ارتبط هذا المبدأ بفترة المالية الكلاسيكية التي امتدت، مثلا في فرنسا، لمدة قرن من الزمن 1815ـ 1914، وعلى المستوى السياسي احتضنه النظام البرلماني الليبرالي. وفلسفة هذا النظام، آنذاك، لم يكن يحكمها البحث عن حسن التدبير المالي، بقدر ما يتحكم فيها ضبط ومراقبة السلطة التنفيذية، حيث تحولت الموارد والنفقات إلى آلية لضبط إيقاع الحكومة. وللتوضيح أكثر، كانت هناك قوتان اجتماعيتان تتنافسان، وكل واحدة تسعى إلى النيل من الأخرى. فهناك الأرستقراطية التي يؤازرها الفلاحون، وهناك البورجوازية التي يشد عضدها العمال. أما على المستوى المؤسساتي فكانت الأولى تهيمن على الجهاز الإداري، في حين فرضت الثانية وجودها بالبرلمان. وهذا الأخير سيسعى عبر المالية العامة إلى الحد أكثر ما يمكن من سلطة الحكومة التي تمثل، بالنسبة إليه، الفئة الأرستقراطية. وقد أفرز ذلك ثلاثة مبادئ أساسية: الأول، محدودية النفقات العمومية، أي أن الحكومة لم يكن مسموحا لها القيام إلا بالنفقات الضرورية لسير المرافق العامة الأساسية، كالأمن والقضاء والدفاع الوطني والدبلوماسية. وقد اعتبرت أية زيادة في الإنفاق بمثابة إرهاق للمواطنين عبر إخضاعهم للمزيد من الضرائب، ومن ثم فهي غير مرغوب فيها. أما المبدأ الثاني فهو توازن الميزانية، حيث بات على الحكومة تقديم توقعاتها المالية السنوية وتحديد النفقات التي تحتاجها، إلى جانب كيفية ومصدر تمويلها، ولهذا منعت المناورات النقدية لكون الفكر الليبرالي يعتبر النقود كظاهرة اقتصادية طبيعية، من شأن المس بها أن يحدث اختلالات متعددة، تؤدي حتما إلى الزيادة في الأسعار، وتنتج التضخم.. ونفس الشيء بالنسبة للقروض التي لا يسمح اللجوء إليها إلا بشكل استثنائي، خاصة القروض العامة التي يعتبرها الليبراليون ذات تأثير سيئ على الادخار، وحتى في الوقت الذي سمح فيه بذلك اشترط أن يكون موجها للاستثمار وليس للاستهلاك. في حين يركز المبدأ الثالث على حياد المالية العمومية، أي أن عمل الحكومة لا يتجاوز نطاق التحكيم بين الخواص والمحافظة على الأمن، دونما التدخل أو التأثير على علاقاتهم الاقتصادية. يضاف إلى ذلك أن الحجم المحدود للنفقات العمومية لا يستطيع التأثير بشكل كبير على الاقتصاد.


غير أن مواجهة الدول الليبرالية لعدد كبير من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أدى إلى تراجع النظام البرلماني الكلاسيكي، ليفرز نظاما برلمانيا جديدا تقوم فيه السلطة التنفيذية بدور محوري، وتوظف النفقات العمومية بشكل كبير في عملية التنمية، وباتت الدولة تتدخل عبر آلية الإنفاق في مجالات متعددة، بل الأكثر من هذا ظهرت نظرية أدولف فاكنير، التي تعتبر النفقات العمومية آلية لإحداث الثروة عن طريق ما يسمى بالتأثير المضاعف للنفقات effet multiplicateurl> الذي يفترض أن كل نفقة تنتج موارد أكبر منها.