يعيش لبنان مرحلة فراغ سياسي وسط تفجيرات أمنية متنقلة وبالغة الخطورة تهدد حياة اللبنانيين على اختلاف طوائفهم ومناطقهم، ما يطرح تساؤلات كبيرة حول مستقبل لبنان في ظل مواقف متشنجة وغير مسؤولة لقادة سياسيين تقاعسوا عن القيام بدورهم الوطني تجاه شعبهم ودولتهم، واكتفوا بالاستنكار وإدانة التفجيرات. وهي قيادات مذهبية تناحرت على قانون جديد للإنتخاب لم يبصر النور، ووقعت في الفراغ الدستوري والبرلماني، وعجزت عن تشكيل حكومة مصلحة وطنية جامعة. كيف يسمح سياسيو لبنان لأنفسهم بهذا الترف السياسي من خلال سجال يومي أشبه بالبحث عن جنس الملائكة، المستمر منذ تسعة أشهر من دون الوصول إلى تشكيل حكومة جامعة؟ هل لديهم ضمانات خارجية تحمي وطنهم وهو اليوم في قلب العاصفة التي تضرب منطقة الشرق الأوسط بأكملها، وتلعب فيها التحالفات الإقليمية والدولية دورا أساسيا من خلال المشاركة المباشرة في المعركة العسكرية الدائرة في سوريا؟ وهل حاولوا التخلي عن سياسة النأي بالنفس التي اعتمدوها تجاه الأزمة السورية، ما سمح بإدخال القوى التكفيرية والظلامية إلى لبنان التي تعمل الآن على تحويله إلى ساحة جهاد ديني على غرار ما يجري في العراق وسوريا؟ وما هي السيناريوات التي أعدّوها لحماية لبنان بعد فشل مؤتمر جنيف 2 في إيجاد حل سلمي للأزمة السورية فبات عرضة لإرهاب منظم يهدد نخبه السياسية والثقافية والإعلامية في حال بقيت الدولة اللبنانية عاجزة عن ضمان أمنها على أراضيها؟
لا شك في أن الإجابة عن هذه التساؤلات المنهجية التي تطال مستقبل لبنان واللبنانيين تحتاج إلى دراسات تفصلية كثيرة. لكننا نكتفي هنا ببعض الإشارات المكثفة.
أولا: إتساع رقعة التفجيرات تؤكد استهداف لبنان بجميع طوائفه ومناطقه فقد طالت التفجيرات مدن طرابلس، وبيروت وضاحيتها الجنوبية، وصيدا، ومناطق بعلبك والهرمل، والشويفات، وهي مرشحة لمزيد من الإتساع. وأودت الجرائم الارهابية التي تم تنفيذها عبر السيارات المفخخة والإنتحاريين بحياة عدد كبير من المواطنين الأبرياء، وأدخلت لبنان في دائرة الرعب اليومي والتوتر الشديد مع تراجع فرص قيام دولة مركزية على أسس ديموقراطية. وقد خلفت عشرات الضحايا الابرياء من اللبنانيين وتركت خسائر مادية جسيمة، ما شكل كارثة وطنية وإقتصادية كبيرة تؤكد أن لبنان بأكمله هو المستهدف، وان إندلاع الفتنة بين أبنائه يهز ركائز الوحدة الوطنية فيه ويسمح لإسرائيل بإمرار مخططها الإجرامي ضد لبنان. فحين امتدت يد الإجرام المنظم إلى قلب بيروت، حضر العامل الإسرائيلي بقوة. فإعمار بيروت شكّل ردا لبنانيا وعربيا صلبا على مخطط إسرائيل بتدمير إقتصاد لبنان، وشطبه من المعادلة الإقليمية. ولعب الشهيد رفيق الحريري دورا بارزا في إعمار وسط بيروت ليؤكد بقاء لبنان وطنا متجددا كطائر الفينيق. بيد أن اكتشاف كميات كبيرة من النفط والغاز على أراضي لبنان وفي مياهه الإقليمية، دفع إسرائيل إلى إبراز أطماعها في الهيمنة الكاملة على حصة لبنان من الثروات الطبيعية. واستفادت من الحرب المستمرة في سوريا لإعداد مخططات جهنمية لتفجير لبنان من الداخل، مع التهديد الدائم باجتياحه مجددا بالإستفادة من التفكك العربي والتنافس الدولي الذي يضع منطقة الشرق الأوسط بأكملها على حافة إنفجار شامل.
ثانيا: تفاقم الصراع السياسي اللبناني – اللبناني يعوق مواجهة مخطط التفجيرات كان من المتوقع أن يسارع اللبنانيون إلى تعزيز الوحدة الوطنية للمحافظة على لبنان في مواجهة من يستهدفون أمنه واستقراره. فهشاشة الوضع الأمني يتزامن مع شلل سياسي كبير بسبب الإنقسام العمودي بين اللبنانيين. ومع أن الجرائم السابقة دقت ناقوس الخطر منذ زمن بعيد إلا أن قادة لبنان لم يتوافقوا على تفعيل المؤسسات السياسية والدستورية، وعجزوا عن تشكيل حكومة المصلحة الوطنية لحل مشكلات لبنان الامنية والاقتصادية والاجتماعية، ما سمح للفتن الداخلية والتحريضات المذهبية بأن تتحول إلى كابوس يرعب اللبنانيين من خلال مسلسلات التفجير التي طالت معظم المناطق اللبنانية. يلاحظ في هذا المجال أن الإنقسام السياسي الحاد دفع بعض القوى اللبنانية إلى توجيه اصابع الإتهام ضد شركائهم في الوطن، من دون النظر إلى دور إسرائيل أو تحميلها أي مسؤولية عما يجري في لبنان. لكن جميع القوى السياسية لبنان تأكدت اليوم أن التفجيرات المتنقلة جزء من مخطط إجرامي لضرب الأمن والاستقرار والوحدة الوطنية فيه. وطالت التهديدات رئيس وزراء لبنان المستقيل وعددا من كبار القادة السياسيين والعسكريين. ودخل لبنان في صراع علني مدعوم من محاور إقليمية ودولية تعصف بمنطقة الشرق الأوسط. ويتخوف اللبنانيون من تحول التحريض المذهبي إلى صراع دموي يعم كل لبنان بعدما ضرب قلب بيروت حيث الحماية الأمنية في أعلى درجاتها.
ثالثا: التشنج المذهبي نتاج التحريض الداخلي المدعوم من الخارج بعدما طالت التفجيرات مختلف المناطق والطوائف اللبنانية، بات واضحا أن الإجرام الذي تمارسه قوى سياسية لبنانية وثيق الصلة بإستخبارات إقليمية ودولية تحرك قوى ارهابية دخلت لبنان بأعداد كبيرة. وهي تحضّر لتفجيرات وفتن مذهبية تُدخل لبنان في دائرة الإستقطاب الإقليمي والدولي الذي أعقب فشل مؤتمر جنيف 2. كما أن الانقسامات الحادة بين القوى السياسية اللبنانية ومشاركة بعض قواها العسكرية مباشرة في الصراع العسكري داخل سوريا أضعفت دور الجيش اللبناني وباقي مؤسسات الدولة المركزية، وخصوصاً مؤسسة القضاء، نظرا لهيمنة السياسة على قرارها العسكري.
رابعا: جدلية العلاقة بين فساد التمثيل البرلماني وفساد الممارسة السياسية أسست قوانين الإنتخاب في عهدي الانتداب والإستقلال لحياة برلمانية في لبنان أنتجت دولة طائفية رخوة وفاشلة بسبب فساد التمثيل الشعبي الذي بُني على التنوع الطائفي والمذهبي بالإستناد إلى قوانين غير عادلة. وأعقبتها قوانين إنتخابية أكثر سوءاً إبان الحرب الأهلية وإتفاق الطائف، وانحدر التمثيل البرلماني من الطائفية إلى المذهبية الميليشيوية. فترسخ منطق التسوية اللبنانية لعام 1958 على قاعدة "لا غالب ولا مغلوب" ليكتشف اللبنانيون جميعا غلبة الطبقة السياسية المسيطرة على حساب التمثيل السليم للشعب اللبناني من خلال الديموقراطية الشكلية. فهيمنت الأحزاب والمنظمات ذات القاعدة الميليشيوية القادرة على حماية مصالح الزعيم السياسي الذي يجيّش طائفة بأكملها دفاعا عن مصالحه، فعطّل الحياة السياسية داخل طائفته أولا لكي يكون قادراً على التحكم بالحياة السياسية على مستوى لبنان. كما أن أحزاب الحركة الوطنية لم تكن جادة في تحديث النظام الإنتخابي بل خضعت لضغوط إقليمية ودولية. وفي ظل الوصاية السورية على لبنان فقدت القوى الوطنية اللبنانية القدرة على التأثير المباشر في الحياة السياسية في وطنها، فباتت الانتخابات وتشكيل الحكومات يصنعان في الخارج. وتهمش دور الأحزاب العقائدية، وعاد بعضها إلى صفوف القوى التقليدية والطائفية. وتخلى قادتها عن شعارات التغيير الثوري، والإشتراكية والتقدمية والقومية العربية. وانصبّت جهودهم للمحافظة على دور متقدم لزعيم الطائفة وممثليه في الحكومة، واختيار أعوانه في برلمانات إتفاق الطائف.
خامسا: لمصلحة من لم تنفذ بنود إتفاق الطائف الإصلاحية؟
لم يؤسس إتفاق الطائف لحياة برلمانية أو سياسية وطنية. فبعدما عاد موقّعو إتفاق الدوحة إلى قانون 1960 لإجراء إنتخابات 2009، عجزوا عن التوافق على قانون جديد طوال سنوات 2009 - 2013، ثم مددوا لأنفسهم من دون أي مسوغ قانوني. ووقف قادة الأحزاب الطائفية والقيادات التقليدية ورجال الدين في غالبيتهم ضد أي قانون عصري جديد يؤسس لحياة ديموقراطية سليمة في لبنان. واعتبروا قانون الستين ضامناً للعيش المشترك عبر إعادة إنتخاب ممثلين لمختلف القوى التقليدية والنخب المرتبطة بها. وتفككت البنية السياسية اللبنانية مع صعود قوى طائفية ومذهبية جديدة كانت أسوأ بكثير من الإقطاع السياسي الطائفي القديم. وتم تغليب البرامج الطائفية على البرامج الإصلاحية والتنموية التي بشّر بها إتفاق الطائف. وشعر المواطن اللبناني بأن دوره بات مهمّشا للغاية لأن قانون الإنتخاب يصاغ بعناية فائقة لتحضير محادل إنتخابية تتحكم في نتائج الإنتخابات البرلمانية قبل إجرائها، ما أدى إلى شلل شبه تام في النظام السياسي وفي مؤسسات الدولة المركزية. وتمسكت القوى الطائفية والمذهبية بنظام التمثيل الأكثري، وتطييف العملية الإنتخابية، وتكريس زعامة القطب الطائفي على مستوى الدوائر الكبرى وتبعية مرشحي الطوائف الأقل وزنا إنتخابيا إلى الزعيم الطائفي الأكبر. وأفضت قوانين الإنتخاب والطريقة المعتمدة في العملية الإنتخابية إلى إعادة إنتاج الأزمة المستمرة في لبنان. ولم يعد هناك إمكان لتجديد الحياة السياسية على قاعدة قانون إنتخاب ينبني على محاصصة طائفية ثبت فشلها. وباتت قوى التغيير الديموقراطي مطالبة بالخروج من دائرة البحث عن نظام طائفي عادل. ومن أول واجباتها إنجاز قانون إنتخاب عصري يحقق المساواة بين اللبنانيين. فالتمثيل الشعبي السليم هو الضامن الأساسي لحياة سياسية عصرية تشجع الأحزاب الديموقراطية والعلمانية، وتخفف من وطأة التنظيمات الطائفية والقيادات الميليشيوية على النظام اللبناني، وذلك وفق نظام عادل للإقتراع يؤمّن التمثيل الصحيح لجميع اللبنانيين، على اختلاف طوائفهم.
سادسا: الجيش اللبناني من حماية نظام طائفي فاسد إلى حماية قوى التغيير الديموقراطي
على رغم شح الموازنة الضرورية لتجهيزه بالعتاد والسلاح، قدم الجيش اللبناني تضحيات كبيرة دفاعا عن وحدة لبنان، وسيادته، وأمنه، واستقراره. وعلى رغم فساد النظام السياسي الطائفي وشلل مؤسساته الكبرى بقي الجيش اللبناني موحدا وصامدا في مواجهة التحديات الداخلية والإقليمية، وبات الضمان الأول لوحدة لبنان ومنع تجدد الحرب الأهلية فيه. وفشلت جميع القوى السياسية اللبنانية التي حاولت تشويه صورته أو الزج به في نزاعات داخلية للتشكيك في حياده الإيجابي. علما أن موازنة تسليحه كانت هزيلة، وحرم من التسلح بالمعدات اللازمة لحماية الوطن طوال العهود السياسية المتعاقبة. بإمكانات متواضعة، لعب الجيش دوره الوطني بكفاءة عالية ونجح في حماية الوحدة الداخلية، والسلم الأهلي. ولا بد من تعزيز قدرات الجيش اللبناني لضمان توحيد المجتمع اللبناني واستعادة الدولة المركزية لدورها المفقود. فتجهيز الجيش والقوى الأمنية اللبنانية بأسلحة عصرية متطورة يساعد المؤسسات الشرعية اللبنانية على فرض سلطتها على كامل اراضيها.
وتتحمل المؤسسات اللبنانية، الرسمية منها والخاصة، الحريصة على السلم الأهلي في لبنان، مسؤولية تاريخية لبناء جيش قوي مزود أسلحة حديثة تلبي حاجاته وتطلعاته. وهي فرصة ذهبية لأمن لبنان عبر جيش وطني متماسك لم تخترقه النزاعات الطائفية والمذهبية، واثبت كفاءة عالية في تعزيز ما تبقى من سلطة الدولة. فدعم الجيش من خلال موازنات كافية ومتطورة إلى جانب هبات مالية كبيرة ومساعدات عينية من دول شقيقة أو صديقة تساهم جميعها في طمأنة اللبنانيين إلى غد أفضل، وتساهم في التنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية المستدامة وعودة الثقة بلبنان الوطن. فالقوى السياسية اللبنانية مطالبة بتقديم دعم حقيقي لتعزيز قدرات الجيش الوطني بصفته الضامن الأساسي لأمن جميع اللبنانيين على اختلاف طوائفهم ومناطقهم وميولهم السياسية، وتحالفاتهم الإقليمية.
ختاما، بعد الإعلان عن فشل جنيف 2، يواجه لبنان سيناريوات بالغة الخطورة، تستوجب تشكيل حكومة وحدة وطنية جامعة، وإجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها الدستوري، وتعزيز الثقة مجددا بين اللبنانيين، ووضع حد للفلتان الأمني المتنامي في معظم المناطق اللبنانية. فهل يرتقي اللبنانيون إلى بناء دولة مركزية قوية، ومؤسسات عسكرية وطنية جامعة وقادرة على حماية الاستقرار والسلم الأهلي في لبنان؟ وهل يرتقي دعاة التغيير الديموقراطي في لبنان إلى مستوى المطالبة بتطوير دستور الطائف لضمان المواطنة الكاملة، ومساواة اللبنانين أمام القانون في الحقوق والواجبات، ومحاكمة الفاسدين على مختلف الصعد السياسيية الإدارية والإقتصادية السياسيين على غرار ما قام به التونسيون والمصريون؟ وهل يثبت اللبنانيون أنهم قادرون على التغيير الديموقراطي السلمي من خلال فرض قانون عصري جديد للإنتخاب يساعد على بناء حياة برلمانية سليمة تقود إلى ممارسة ديموقراطية حقيقية وليس شكلية، تتلاءم مع نضالات الشعب اللبناني لبناء دولة المواطنة المتحررة من النزعة المذهبية والذهنية الميليشيوية؟
|