التاريخ: كانون الأول ١٢, ٢٠١٤
المصدر: جريدة الحياة
الطائفية السياسية بوصفها المشروع البديل للديموقراطية - حسن محمد شافعي
لا تزال الديموقراطية عصية على المجتمعات العربية حتى في مرحلة الربيع العربي، فهو إن أسقط بعض الأنظمة إلا أنه عبّر في شكل ما عن إشكاليات الديموقراطية المتعلقة ببنية المجتمع الداخلية نتيجة ظهور إعاقات اجتماعية وثقافية مستوطنة في الواقع. فما إن انهارت الأنظمة السلطوية، إما بالثورة السلمية أو المسلحة، حتى برزت هذه التحديات في الصراعات الداخلية أو التدخلات الخارجية.

وتعطل مشروع الديموقراطية في العالم العربي يعود إلى حقب عدة اختلفت في ما بينها باختلاف المبررات التي حالت دون حدوث التحول الديموقراطي، بداية من الاستعمار الذي ورث من الدولة العثمانية بعض البلاد العربية في حال تراجع حضاري وبسط هيمنته على مصر بعد أن ضرب مشروع التحرر الوطني الذي قاده أحمد عرابي عام 1882 لوقف الزحف البريطاني. وفي أعقاب تلك الفترة بدأت مشاريع إصلاحية تأسست على الدعوة للنهوض بالمجتمع وتأسيس الديموقراطية، إلا أن انتهاء مرحلة الاستعمار الغربي لم يفتتح آفاق التقدم الحضاري والتحول الديموقراطي.

فالاستعمار أعقبته حقبة المشروع القومي الذي عطل التحول الديموقراطي أيضاً. والحراك الفكري بين مسارات الإصلاح الواقعي العربي حسمه بعض الأنظمة العربية وعلى رأسها مصر بتبني مشروع القومية العربية والذي لم يكن بطابع ما نادى به بعض المصلحين أمثال عبدالرحمن الكواكبي الذي زاوج بين القومية والحرية. فلم تكن الديموقراطية ضمن مفرداته السياسية ولم يبن على مشروع الإصلاح الذي نظر اليه بعض رواد الإصلاح أمثال الإمام محمد عبده بتحرير العقل وتعميق ثقافة الديموقراطية من طريق التربية والتعليم، بل اتخذ مساراً مغايراً بدعوى استكمال مرحلة تحرر الأوطان، فتبنى سياسة شمولية أمَّمت الصناعة والتنوع السياسي والاجتماعي، فألغيت الأحزاب السياسية عام 1953 وجففت منابع التعددية الفكرية وتمت الاستعاضة عن ذلك بتنظيم أحادي للممارسة السياسية هو الاتحاد الاشتراكي. فحلت الأيديولوجية مكان الثقافة، والصراع مكان التنوع والطبقة مكان الفردية والتحرر الوطني في مقابل الحرية السياسية.

هذا الطابع المركزي أدى إلى ضعف الوعي بمفهوم الدولة التي اختزلت في التنظيم الذي أصبح له حقوق الدولة. ونتج من هذا النهج عزوف بعض التيارات السياسية عن المشاركة، الأمر الذي رسَّخ فكرة الطائفية السياسية بين التنظيم الذي يحتكر السلطة والآخرين الذين مورس عليهم الاضطهاد السياسي.

بيد أن هذا النهج لم يفلح في إنهاء النزاعات الإثنية والعرقية بل ساعد على تكريسها في البيئة الاجتماعية، فكل ما هو خارج حدود التنظيم راح يتوقع أكثر حول الذات، بل وتولد الشعور بالاغتراب عن الدولة الذي أدى إلى تعميق النزعة الطائفية على حساب المواطنة، إلى جانب توظيف الطائفية الدينية في بعض الأوقات لصالح الأنظمة السلطوية الحاكمة مثلما فعل النظام البعثي السوري في الدمج بين الطائفية المذهبية والتوجه القومي.

وتزامن هذا مع ضعف الثقافة الدينية التي لم تساهم في شكل فعال في حل الإشكالية الطائفية.

ولعل هذا يعود إلى تأثرها بالبيئة الفكرية في حقبة القومية العربية، فسعى بعض الخطابات إلى تحويلها إلى أيديولوجية تواجه المشروع القومي والعلماني الذي اتبع أحياناً سياسة إقصائية على مستوى بعض مظاهر التدين، كما حدث في تونس مثلاً.

وواكب سقوط أو تصدع بعض الأنظمة العربية مع الربيع العربي ظهور طائفية سياسية مؤسسة على عقيدة مذهبية كتحدٍ جديد للمشروع الديموقراطي أفرزته حالة الندرة في المشاريع البديلة، فانحياز العقل السياسي للطائفية الدينية كخلفية فكرية تبرر خياراته يعود إلى حال الفراغ التي يعيشها بغياب مشروع وطني بديل ويسعى إلى ملئها لتبرير سلوكه السياسي. وترتكز الطائفية السياسية على رغبة الفرد صاحب العقيدة في الخلاص والذي يتحقق بالتسامي من طريق جهاد العدو، وهو ما يمكن أن يسمى «التسامي الانفعالي» الذي يختزل الجهاد في جهاد العدو، وهو مخالف لقول الراغب في مفرداته الذي هو على ثلاثة أضراب، حسب عبارته: مجاهدة العدو الظاهر، مجاهدة الشيطان، مجاهدة النفس، وهي محاولة لاختزال مراحل التسامي التي حددها الدين وصولاً إلى منتهاه وهي تبدو لا واعية للهروب من تبعات التسامي التصاعدي المستمر، والذي يبدأ بجهاد النفس أولاً.

هذا التسامي الاختزالي هو ما ترتكز عليه التنظيمات الجهادية كتنظيم داعش في تصديره للشباب كحل للخروج من خواء الحياة لأصحاب الرفاهية أو خروجاً من معاناة الحياة بؤسها لأصحاب العوز للوصول سريعاً للوعد الحق المنشود هو المنشود.

ولعل أخطر ما في الطائفية السياسية أنها تستند إلى خلفية دينية مذهبية أنها توظف الدين لتحقيق أغراض سياسية ليست من مقاصد الدين. فنموذج النظام السوري الذي يمارس على الشعب انتهاكات مجردة من أدنى درجات الإنسانية في القتل تجاه الأطفال والنساء والشيوخ من دون تمييز بين مسلح ومدني تجاوز عددهم بحسب الأمم المتحدة 191 ألفاً منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011. هذه الطائفية قدمت الفرع على الأصل، فجعلت من المذهب أعلى قيمة من الدين، فحفظ النفس كمقصد من مقاصد الدين أصبح يستباح أمام أغراض المذهب والحفاظ عليه، في حين أن المذهب ما هو إلا محاولة لقراءة الدين في سياقه الاجتماعي والذي يسعى إلى الحفاظ على حيوية الدين في المجال العام من خلال التجدد المذهبي.

ويشكل النموذج الإيراني وذراعه اللبناني حزب الله أكبر داعم للطائفية السياسية، فهو رأس الحربة لدعم الصراع الطائفي في المنطقة العربية والذي جعل الانتماء إلى المذهب متجاوزاً لحدود الأوطان، متجهاً نحو دولة ولاية الفقيه الفارسية التي تدير صراعات أخرى في سورية بتوفير الدعم العسكري واللوجستي، إما من طريق الحرس الثوري الإيراني أو حزب الله اللبناني. وفي مجريات الأحداث في اليمن عملت تلك الدولة الصفوية على تحويل الحوثيين وهم شيعة زيدية، إلى شوكة لها في الجنوب.

ستظل الديموقراطية عصية على المجتمع في ظل توظيف الطائفية في التفاعلات السياسية، وهو أمر يحتاج لتجاوزه إلى إدراك أخطاره على الأطراف كافة، ومن ثم عقد اجتماعي مدني يستند إلى قيمة المواطنة. وبالطبع تشكل عودة الدين من حيز التوظيف السياسي إلى حيز الترشيد ذي النزعة القويمة أحد أبرز عناصر مواجهة الطائفية السياسية، فالدين أقوى إصلاحاً من السياسة، إلا أن التوظيف السياسي للدين يعد أكثر ضرراً من فساد السياسة.


* كاتب مصري