التاريخ: كانون الأول ٢١, ٢٠١٤
المصدر: جريدة الحياة
عن قتلة البوعزيزي العائدين بقوة- عمر قدور
قبل أربع سنوات، عندما أضرم البوعزيزي النار في نفسه، اكتشف القريبون منه الذين حاولوا إسعافه، أن أجهزة الإطفاء التي في متناولهم فارغة، اتصلوا بالشرطة فلم يأتِ أحد، أما سيارة الإسعاف فلم تصل إلا بعد ساعة ونصف. صحيح أن الصفعة التي تلقاها البوعزيزي، ربما عزز لا شعورياً من وقعها المهين تلقيها من شرطية «امرأة»، أصبحت في وقتها رمزاً للاستبداد، إلا أن استرجاع التفاصيل اللاحقة التي تسببت بمقتل البوعزيزي لا يقل أهمية، فهي توضّح كم أننا أمام «نظام» متكامل من الصفعة إلى أجهزة الإطفاء الفارغة وصولاً إلى سيارة الإسعاف التي تأتي بعد فوات الأوان.

من نافل القول، أن كل تفصيل مما أدى بالبوعزيزي إلى الانتحار قد يتسبب بفضيحة كبرى واستقالة حكومة منتخبة في بلد ديموقراطي، لكن اجتماعها كلها شبه مستحيل في بلد يحترم الحد الأدنى كرامةَ مواطنيه، وربما تكون تونس أفضل حالاً من قريناتها من بلاد «الربيع العربي». فوق ذلك، تلك التفاصيل وغيرها كثير كانت الدلالة على وصول أنظمة الحكم في بلدان «الربيع العربي» إلى مرحلة الانسداد التاريخي، ولو لم يكن الأمر كذلك لما أصبح البوعزيزي رمزاً أو شرارة للانتفاضات.

استعادة واقع ما قبل الثورات ستكون ضروريةً جداً بدءاً من مستهل السنة الرابعة التي نودعها الآن، لأنها شهدت أكبر انقلاب على مفهوم «الربيع العربي»، في البلدان المشاركة فيه وفي المحيط الإقليمي الأوسع.

السمة الغالبة للأنظمة الساقطة، على رغم المحاولات الدؤوبة لإنعاش السوري منها، هي سيرها الحثيث خلال عقود نحو أسوأ أنواع الاحتكار الشامل. الاستبداد هو المدخل والمنتهى لعملية الاحتكار المتصاعدة، الاستبداد لا بمعناه السياسي المباشر فحسب، إنما بمعانيه المحتملة كافة. لقد كنا طوال عقود إزاء أنظمة تمنع الحراك الاجتماعي بمفهومه الأعم، فاحتكار الثروة كان يتضمن، أكثر من التفاوت الطبقي الكلاسيكي، منع الحراك ضمن الطبقات نفسها إلى حدّ تقرره السلطة، لأن تجاوز حدّ معين يقتضي الانضمام إلى النخبة الأمنية والسياسية الحاكمة. ما دون الحد الذي تحتكره النخبة، لم تكن هناك عملية رسملة ممكنة على صعيد المجتمع ككل، وجرى سحل الطبقة المتوسطة التي تعدّ صمام أمان للحراك الاجتماعي. يُذكر أن البوعزيزي نفسه مثال نظري على الطبقة المتوسطة، من حيث الكفاءة ومستوى التعليم، وهو مثال على مآلها أيضاً، وربما لم نكن لنشهد انتحاره لولا إدراكه الفجوة الهائلة بين المستويين.

نحن نقارب الواقع فحسب إذا وصفنا ما حدث بأكبر عملية سطو مسلح في التاريخ الحديث، فالأنظمة العسكرية التي حكمت هذه البلدان تمخضت سريعاً عن عصابات سطت على الثروات الطبيعية والبشرية، والأهم سطوها على ممكنات المستقبل في بلدانها. كان محتماً على هذا الصعيد اصطدامها بالدين، بصفته رأسمالاً رمزياً عاماً، فاتبعت الطغمة العسكرية نهج الخلفاء والسلاطين للسيطرة على الدين واحتكاره أيضاً. وإذا تكلل السطو الاقتصادي والسياسي بالنجاح الســـاحق، فالسطو على رأس المال الرمزي الذي يشـــكل الدين غالبيته، كان أصعب لأن الســطو على «الوجدان العام» عملية لم تنجــح في أعتى الأنظمة التوتاليتارية.

لم يكن مصادفة أن نرى في جميع بلدان «الربيع العربي» أنظمة تحاول تطويع الدين من خلال مؤسسات دينية رسمية، وفي مقابلها حركات وتنظيمات دينية تمنح لنفسها أحقية احتكار الدين وتأويله. الدين، بهذا المعنى، أصبح حصن المقاومة الأخير تجاه أنظمة ابتلعت فعلاً المجال المادي للمجتمع، وتسعى إلى ابتلاع أكثر ما في رأس المال الرمزي قداسة. بهذا المعنى أيضاً، يختزن الصراع على الدين مجموعة متباينة من الصراعات والمصالح المادية التي غيبتها السلطات الحاكمة، ويضمر أيضاً عجزها عن إنتاج رأسمال رمزي «منافس». فالنظام الذي لا ينتج طبقة اجتماعية راسخة غير قادر على إنتاج رأسمال رمزي يُعتد به. نشير إلى أن أثرياء الفساد، وإن شكلوا طبقة اقتصادية رثة غير قادرين على تشكيل طبقة اجتماعية. البورقيبية وحدها، في عهدها الأول، حاولت استلهام الحداثة في شكل جدي، لكن أيضاً لم يخلُ ذلك من إكراهات مورست على رجال الإفتاء لإقرارها، بما يمكن وصفه بمحاولة السطو على الدين بدل تحييده.

خلال ستة عقود، بدا كأن الصراع الرئيسي في هذه البلدان استقر بين الطغم العسكرية والحركات الإسلامية فقط. اليسار في أوج قوته بقي هامشياً ويسهل التخلص منه. عدم انتصار أيّ من الحركات الإسلامية خلال تلك المدة أمر ينبغي التوقف عنده، لدلالته على ميزان القوى الراسخ لمصلحة الأنظمة، ولدلالته على أن مَن يتحكم فعلياً برأس المال المادي له الغلبة الحقيقية على الأرض. غير أن استقرار الصراع على هذا النحو يشير، من جهة أخرى، إلى أنه أصبح جزءاً من النظام السائد بمفهومه الأشمل، أي أنه صار في حد ذاته مصلحة لطرفيه، وصار مستقلاً عن مسبباته الأولى بحيث لا يُستبعد فيه تبادل المنافع عندما تقتضي الحاجة. ثمة قوة ثالثة نشأت على هامش الأنظمة، يمثلها مثقفون علمانويون لا يرون في المشهد كله سوى الخطر الإسلامي الآتي، وعطفاً على مزاج عالمي مناهض للإرهاب شكل هؤلاء الذراع الأيديولوجية للأنظمة في العقدين الأخيرين، وليست مصادفة أن يقفوا على العداء إزاء الثورات بسبب حساسيتهم من الديموقراطية. هذه الفئة أيضاً لا تمتلك رأسمالاً رمزياً خاصاً بها، لأنها تتعيش على معاداة الإسلام فحسب، وإذ تدعي الحداثة ترفض أهم أسسها ودعائمها متمثلة بالديموقراطية كمدخل لفتح باب الحراك الاجتماعي السلمي.

في السنة الأخيرة عاد النظام القديم بركائزه الثلاث، وعادت تلك الركائز الثلاث لتتبادل المنافع، موضوعياً إن لم يكن مباشرة. الإسلاميون تقدموا، بلا أقنعة، ليسطوا على نتائج التغيير وممكناته، منطلقين من أن أحقيتهم المزعومة برأس المال الرمزي تعطيهم الأحقية بالسطو على المجتمع كله، ومدججين هذه المرة بأكبر قوة عسكرية تتاح لهم في المنطقة منذ تأسيس حركات الإسلام السياسي. أما الأنظمة السابقة فهي تعود بقوة الإسلاميين نفسها، تماماً بعلب إطفائها الفارغة وسيارات إسعافها التي تصل بعد فوات الأوان، وربما أسوأ من قبل. العلمانويون صار في وسعهم الفرح بتقدم الإسلاميين، طالما أنه يخدم عودة الأنظمة، ولا تخفي أصواتهم العالية أخيراً إحساسهم بأنهم بلغوا أخيراً نصرهم المنشود.