التاريخ: تموز ٨, ٢٠١٧
المصدر: جريدة الحياة
إخفاقات ما قبل سقوط «الإخوان» في مصر - إبراهيم الصياد
ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013 واحدة من المنعطفات التاريخية في الحياة السياسية المصرية، لأنها كانت نتيجة طبيعية لأربعة متغيرات شهدها العام السابق عليها.

أولاً: إدراك المصريين حتمية التغيير، بعد فشل نظام جماعة «الإخوان» في كسب رصيد جماهيري، على رغم فوزها بالانتخابات التشريعية والرئاسية. فذلك الفوز جاء نتيجة وقوع الناخب بين خيارين، كلاهما مُر، إما ذلك النظام الذي يسوّق نفسه على أنه المعبر عن ثورة كانون الثاني (يناير)، أو نظام مبارك الذي كان له تأثير آنذاك في الإطار المرجعي لكثير من المصريين.

وأتصور أن تجربة الثلاثين عاماً التي أمضاها مبارك في الحكم ظلت حاضرة في أذهان الناس بكل ما فيها، وألقت بظلالها على قرار الاختيار ليصب في مصلحة «الإخوان»، وفي الوقت نفسه لم تقدم الثورة فصيلاً يعبر عنها وتم ترك الساحة خالية لتيار قادم من الماضي.

ثانياً: استشعار المصريين أن ثورتهم اختطفتها الجماعة التي ركبت الموجة واستغلت الفرصة وقدمت نفسها بديلاً لنظام مبارك الذي يفترض أنه توارى عن الصورة، لكن استمرت ممارساته وأسماء بعض رموزه متجذرة في النسيج الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. بل إن المنتمين إلى فكر حكم مبارك كانوا أول من أيَّد ثورة 30 حزيران لاقتناعهم بأنها قامت للقضاء على حكم «الإخوان»، وهي بالنسبة إليهم فرصة ذهبية ليتصدروا المشهد من جديد.

ثالثاً: لا يمكن إغفال دور الإعلام المصري بشقيه العام والخاص في كشف حقيقة حكم «الإخوان». وربما يقول قائل إنه إذا كان هذا مفهوماً بالنسبة إلى الإعلام الخاص، فكيف يصبح إعلام الدولة متناقضاً مع النظام السياسي؟

للإجابة عن هذا السؤال لا بد أن نشير إلى خطأ وقع فيه نظام «الإخوان»، وهو أن غالبية قيادات الإعلام الرسمي لم تكن تنتمي إلى فكرهم، وبالتالي كان استمرارهم في قلب دائرة اتخاذ القرار، سبباً في خلق حالة من التناقض بين إعلام الدولة بمفهومه الوطني والمهني والنظام الذي ثبت ولاؤه للتنظيم الدولي لـ «لإخوان» والذي ينكر فكره «القُطبي»– نسبة إلى سيد قطب- الانتماء إلى وطن.

وكان معروفاً أيضاً أنه لم يكن لدى «الإخوان» ما يكفي من الكوادر المؤهلة مهنياً، في مجال الإعلام، فضلاً عن أمر آخر أخطر وهو أن القوة الضاربة الناقلة للرسالة الإعلامية لم تكن منتمية أو مؤيدة لهذا النظام. ومن ثم سارعت قيادات «الإخوان» إلى إنشاء ما يمكن تسميته تلفزيوناً موازياً لتلفزيون الدولة، بحيث يُتَخذ القرار من خارج المبنى الذي يدار منه (ماسبيرو) مع محاولة تسخير الإمكانات الخاصة بذلك المبنى. ومع ذلك فشلوا في إقناع المتلقي المصري لأن قدرات العاملين في (ماسبيرو) كانت أقوى وأرسخ على المستوى الوطني والمهني.

رابعاً: خلال العام الذي تربع فيه «الإخوان» على السلطة وقعوا في كثير من الإخفاقات على المستوى السياسي والإعلامي والاقتصادي والاجتماعي، وقد شكّلت مجتمعة أسباباً موضوعية لفشل ذريع على المستويات كافة، الأمر الذي جعل البيئة ممهدة للثورة الشعبية التي لم تكن سوى ترجمة لفشل نظام «الإخوان» في إدارة شؤون البلاد. وبعد وقوعه في عدد من السقطات كانت مقدمة يستطيع كل ذي عقل أن يقرأ فيها بسهولة انحدار نظام «الإخوان» نحو السقوط الأخير. والبداية كانت عندما روَّج «الإخوان» لما سمّوه «إنجازات المئة يوم»، في إطار حملة إعلامية مفرَّغة من أي مضمون. وتجسدت المشكلة التي تورطوا فيها عندما تناولوا مشكلات اجتماعية واقتصادية لا يمكن حلها بسهولة في مئة يوم فقط، مثل سد العجز في الخبز والمحروقات والأمن والكهرباء. بعد انقضاء المئة يوم الأولى من سنة حكم «الإخوان»، استمر نقص الوقود وانقطاع التيار الكهربائي، ولم تحل مشكلة رغيف الخبز الذي زادت صعوبة الحصول عليه، ولم تتحقق أي سيولة في حركة السير في الشوارع، وازداد معدل التلوث البيئي نتيجة تراكم القمامة. وتضاف إلى ذلك مشكلات كانت تحتاج إلى خطط عملية لحلها وليس مجرد ترويج لشعارات «النهضة» والتي ثبتَ زيفها.

وفي اعتقادي أن أخطر سقطة كانت محاولة «الإخوان» أن يكون لديهم إعلامهم المنافس لإعلام الدولة الرسمي ما خلق الكثير من الإشكاليات، في مقدمها سوء استخدام التقنيات الحديثة في البث. وأهم دليل على ذلك، عندما وجَّه رئيس النظام الإخواني محمد مرسي كلمة مسجلة إلى أهالي بورسعيد بعد تداعيات حادث مباراة كرة القدم الشهيرة. كان الشريط بنظام «اتش دي» وتم البث من خلال أجهزة بنظام «ديجتال»، أو العكس، ما أدى إلى ظهوره بصورة كاريكاتورية أساءت إلى مقام رئيس الدولة.

كما لا ننسى المؤتمر (السري) عن سد النهضة الإثيوبي الذي أذيع من دون الرجوع إلى أيٍ من قيادات ماسبيرو. ترتبت على ذلك كارثة سياسية وإعلامية يتحمل مسؤوليتها مَن اتخذ قرار إذاعة المؤتمر على الهواء. وهناك إخفاق أخطر يتمثل في اقتراب إفلاس الخزانة العامة واللجوء إلى طبع أوراق بنكنوت غير مغطاة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع في معدلات التضخم وانخفاض حاد مقابل في معدلات النمو. وتضاف إلى ما تقدم صفقات مشبوهة مع أطراف إقليمية من بينها دولة قطر. أتصور أن هذه الإخفاقات، مع افتقاد النظام الانتماء الوطني والعروبي، عجَّلت بالسقوط بأسرع مما كان متوقعاً.