منذ اليوم الاول للانتفاضة المصرية، اتجهت الانظار صوب الجيش، وكثرت التكهنات هم نياته: الجيش سيحسم الامر... الجيش سيتدخل لحماية الامن القومي... الجيش يتعاطف مع المحتجين... الجيش يمسك بخيط الانقاذ... هناك من يراهن على نفاد صبر الجيش... طوال 17 يوماً، حيّر الجيش المصري المراقبين. ومع بيانه الرقم واحد أمس، زاد الغموض غموضاً باعلانه البحث في اجراءات "للحفاظ على الوطن وطموحات الشعب" لم يحدد ماهيتها وأثارت تساؤلات عن مصير السلطة والديموقراطية التي يطالب بها المحتجون. بعد أسبوعين من الانتفاضة، يبدو واضحاً أن الجيش، المؤسسة الاقوى في البلاد، أفاد من الأزمة لتعزيز سلطته، وذلك باعتماده استراتيجية فيها مزيج من الهيبة والعلاقات العامة، لتحقيق ما يشبه انقلاباً ناعماً في بلاد يعتبر فيه الضامن الاخير للمصالح الوطنية. ليس غريباً الغموض الذي يكتنف نيات الجيش المصري، ولا جديداً الحديث عن النفوذ الواسع للمؤسسة التي خرج منها الرؤساء الاربعة الذين حكموا مصر منذ انقلاب23 يوليو 1952 الذي أطاح الملكية. ومع انه اتخذ جانباً مخفوضاً في العقود الستة الاخيرة فقد، بقي باستمرار المؤسسة الاوسع نفوذا في البلاد. من الصعب التكهن بحجم امتدادات الجيش المصري، هو يحظى عموما بتنويه واسع لدوره في القتال ضد الاستعمار البريطاني ولاحقاً ضد الاسرائيليين. وعملياً، تساهم كل الاسر المصرية بجنود أو مجندين في صفوفه التي تعد نصف مليون رجل وعدد مماثل في الاحتياط. وهو أكبر بكثير من كونه مجرد مؤسسة تُعنى بشؤون الدفاع، ذلك انه يدير مجموعة واسعة من المصانع والفنادق والمشاريع التجارية، ويشكل جنرالاته طبقة من نُخَبِ مصر، ويرعى أكثر المنظمات الرياضية شعبية في البلاد. وخلال أزمات الخبز الاخيرة، ساهم في تبديد استياء الحشود بزيادته الانتاج في مخابزه الخاصة. ولكن على رغم دوره البارز في مجالات عدة، ليست المعلومات عن طريقة عمله كثيرة، ذلك أنه على غرار المؤسسات العسكرية عامة، يحيط نفسه بهالة من السرية. ففي ما يتعلق بموازنته التي تقدرها مجلة "جاينز" العسكرية بخمسة مليارات دولار، يقول باحثون مستقلون إنها أكبر من ذلك بأربع أو خمس مرات. وقد ارتفعت أصوات أميركية أخيراً مطالبة باعادة النظر في المساعدة الاميركية المقدرة بـ1،3 مليار دولار سنوياً لمصر والتي تشكل جزءا من الموازنة المخصصة لتمويل أنظمة التسلح. وفي برقية نشرها موقع ويكيليكس مؤرخة كانون الاول 2008، لفتت السفيرة الاميركية في القاهرة مارغريت سكوبي الى أن الجيش المصري الـ "مؤسسة تتراجع"، الا أنها تبقى "قوية" داخل البلاد من حيث "ضمانها استقرار النظام". وقالت إنه "منذ 1980، استثمرت الولايات المتحدة 36 مليار دولار في القوات العسكرية المصرية"، لكن المشكلة تكمن في أن الجيش لا يتوقف عن تعزيز قواته التقليدية (طائرات ودبابات)، ويرفض الاصلاحات الاستراتيجية التي تقترحها عليه واشنطن. ويقول خبراء ان مصر هي المشغل الرابع لمقاتلات "ف 16"، وأنها تملك نحو أربعة آلاف دبابة، الا أن البلاد تفتقر الى أنظمة الاتصالات الحديثة الضرورية لتنسيق هذه المعدات بما يتلاءم وساحات المعارك للقرن الحادي والعشرين.
وتلفت الديبلوماسية الى أن المسؤولية "تقع على وزير الدفاع منذ 1981 محمد حسين طنطاوي الذي كان ولا يزال العقبة الرئيسية أمام تحويل مهمات الجيش من أجل ان تأخذ في الاعتبار التهديدات الجديدة. ومنذ تعيينه، تراجع مستوى الاستعدادات التكتيكية والعملانية، الا أنه لا يزال يحظى بثقة (الرئيس حسني) مبارك ويمكن أن يبقى في منصبه سنوات".
الجيش والاقتصاد وعلى غرار الغموض الذي يكتنف الموازنة، ليس واضحاً تماماً دور الجيش في الاقتصاد. فالمصانع العسكرية في مصر تقليد قديم يعود الى العشرينات من القرن التاسع عشر إذ كانت تصنع البزات العسكرية والاسلحة الصغيرة. الا أن دور الجيش توسع مع تأميم الاقتصاد مطلع بخمسينات من القرن الماضي، وتعزز أكثر بعد اتفاقي كمب ديفيد وحاجة المؤسسة العسكرية الى تقليص عدد جنودها مئات الآلاف.
وحالياً، تحتل الشركات التي يديرها الجيش مواقع متقدمة في مجموعة واسعة من القطاعات الرئيسية. وفي برقية نشرها موقع ويكيليكس ومؤرخة 23 أيلول 2008، كتبت السفيرة الاميركية في القاهرة ان الجيش المصري يدير "شبكة واسعة من المؤسسات التجارية، وتحديداً الناشطة في قطاعات المياه وزيت الزيتون والاسمنت والبناء والفنادق ومحطات الوقود. كذلك، يملك الجيش "قطاعات واسعة من العقارات والاراضي في دلتا النيل وعلى شواطئ البحر الاحمر". وهو يتمتع بامتيازات أخرى، فأفراده لا يدفعون ضرائب.
وتختلف التقديرات لحجم امبراطورية الاعمال للجيش المصري. ونقلت مجلة "تايم" عن أنطوني كوردسمان من مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية إنها أصغر من تلك التي يتربع عليها الجيش الصيني، ويلفت الى أنها تقلصت في السنوات الاخيرة. أما بول سوليفان، الاستاذ الجامعي في الدفاع الوطني الذي أمضى سنوات في مصر، فيقول إنها ضخمة، وربما مثلث ما بين 10 و 15 في المئة من حجم الاقتصاد المصري المقدرة قيمته بـ 210 مليارات دولار.
لقد ساهمت العائدات التي تحققها هذه الاعمال في توفير حياة من الرفاه للضباط، بما فيها نواد اجتماعية فخمة وتقاعد مريح، وهو ما ساعد في ضمان ولاء هؤلاء. لا شك في أن هذه المصالح الاقتصادية للجيش واجهت خطراً في ظل محاولات نجل الرئيس جمال مبارك الذي كان الى وقت قريب وريثه المحتمل، لاجراء اصلاحات عبر قنوات لا تمر بالجنرالات. وقد أغضبت الجيش خصوصاً سيطرة أحمد عز، المقرب من جمال، على شركة الحديد والصلب التي كانت ملكا لللدولة. فالجيش لم يكن قد وضع عينه على الشركة فحسب، وإنما كمشتر رئيسي للصلب، لم يرقه أن يصير تحت رحمة عز الذي يحتكر تسعير هذه المادة. عموماً ولم يكن الجيش ينظر بعين الرضا الى ترشيح جمال الذي لم يمر عبر المؤسسة العسكرية...
وكتب السفير الاميركي فرانسيس ريتشاردوني في برقية سرية مؤرخة ايار 2007 ان "العديد من ابناء النخبة المصرية يعتبرون خلافته (جمال) ايجابية، لان استمرار الوضع الحالي على ما هو يخدم مصالحهم السياسية والتجارية"، لكن النخبة العسكرية قد لا تتفق مع ذلك. ورأى ان "الجيش يمكن ان يكون عقبة رئيسية في وجه ترشيح جمال"، مذكرا بأن الرؤساء المصريين الاربعة منذ ثورة 1952 التي أطاحت الملكية جاؤوا من صفوف الجيش، بمن فيهم حسني مبارك.
ولعل التطهير الذي طاول رجال الاعمال في حكومة أحمد نظيف، كما أركان الحزب الديموقراطي الوطني الحاكم،بمن فيهم أحمد عز، سمح للجيش بتصفية حسابات قديمة مع جمال وشركائه الذين أيدوا الخصخصة التي كانت جزءا من سياسات تحرير الاقتصاد المصري وهددت المصالح الاقتصادية للعسكر.
وبناء على كل هذا، يقول أستاذ الدراسات العربية في جامعة كولومبيا رشيد خالدي: "لا أعتقد أننا سنحصل على اصلاح اقتصادي نيوليبرالي على الطريقة الغربية في مصر.أعتقد أنه ستكون ثمة عودة الى تنمية تقودها الدولة بحيث تحظى الاعمال التي يسيطر عليها الجيش بالحماية بعض الوقت". الخلاصة انه أيا يكن النظام الذي سيخرج من رحم الثورة المصرية، من المؤكد أن الجيش سيكون عماده.
|