واشنطن – من هشام ملحم / القاهرة – الوكالات:
في اليوم الـ 16 للانتفاضة الشعبية ضد نظام الرئيس المصري حسني مبارك، امتدت الاحتجاجات جغرافياً وتخللها أعمال عنف أسفرت عن سقوط خمسة قتلى واصابة مئة آخرين برصاص الشرطة في مدينة الخارجة بمحافظة الوادي الجديد. وانضمت شرائح جديدة من المجتمع الى الاحتجاجات، إذ نفذت اضرابات عمالية للمطالبة بزيادة الأجور وتحسين ظروف العمل.
وفيما يتجه الوضع الميداني الى مزيد من التصعيد، برز سجال مصري – أميركي في شأن طريقة معالجة الأزمة المستمرة منذ 25 كانون الثاني، إذ رفضت القاهرة ما وصفته بالنصائح الاميركية واعتبرت ان واشنطن تحاول فرض ارادتها على مصر. وردت الادارة الاميركية بموقف ربما كان الأكثر انتقاداً للنظام المصري، مفاده ان الحكومة المصرية لم تلب حتى الآن الحد الأدنى مما يطالب به المتظاهرون، وكررت الاشادة بموقف الجيش من الاحتجاجات، اثر تحذير وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط من دور له في حال تدهور الأمور نحو الفوضى وغداة قول نائب الرئيس المصري عمر سليمان إنه لا يمكن تحمل الاحتجاجات وقتاً طويلاً.
ومع امتداد الاحتجاجات الى القطاعات العمالية وفئات عدة من الموظفين الحكوميين، والاستعدادات الجارية لتظاهرات أخرى حاشدة غداً، عبرت الحكومة المصرية عن استيائها من تكرار المطالبات الاميركية لها ببدء فوري وبخطوات ملموسة للاصلاح وانتقال السلطة. وقال أبو الغيط في مقابلة مع شبكة "بي بي اس" الاميركية للتلفزيون: "عندما تتحدثون عن تغييرات فورية مع دولة كبرى مثل مصر تقيمون معها أفضل العلاقات، فانكم تفرضون عليها إرادتكم".
ومع تصاعد كلام المسؤولين المصريين عن دور الجيش نسبت قناة "الجزيرة" الفضائية القطرية إلى مصادر غربية ان ثمة خلافات بين نائب الرئيس عمر سليمان ورئيس الأركان الفريق سامي عنان على دور الجيش في قمع التظاهرات. واستقبل الرئيس المصري حسني مبارك أمس المبعوث الروسي الخاص الى الشرق الأوسط نائب وزير الخارجية الكسندر سلطانوف.
الموقف الأميركي •في واشنطن صرح الناطق باسم البيت الابيض روبرت غيبس: "من الواضح أن ما طرحته الحكومة (المصرية) حتى الان لا يرقى الى الحد الادنى مما يتوقعه الشعب المصري"، وأشار في هذا السياق الى العدد الاكبر من المتظاهرين أول من أمس في مصر والذي فاق عدد المتظاهرين الجمعة.
وكان غيبس يجيب على سؤال عن تصريحات أبو الغيط التي أبدى فيها استياءه من المطالب التي وردت في اتصال مع نائب الرئيس الاميركي جو بايدن مع سليمان، ومنها الالغاء الفوري لقوانين الطوارئ، وتوسيع دائرة الحوار لتشمل مختلف قوى المعارضة ووقف الاغتيالات وأعمال التحرش بالمتظاهرين وعدم الانتقام منهم. وقال ان الجميع فوجئوا "بتنوع المتظاهرين (أول من أمس). تنوع في السنّ وفي أنماط العيش، وتنوع في الافكار وأعتقد انه من الواضح أن على الحكومة المصرية أن تتخذ بعض الخطوات الملموسة من أجل تلبية الحد الذي يتوقعه الشعب المصري من الحكومة، وأعتقد انه الى ان يتم تحقيق ذلك فاننا سنواصل رؤية الصورة عينها التي رأيناها من القاهرة وغيرها من المدن المصرية".
واعتبر إن افضل طريقة لسليمان بصفة كونه مسؤولا عن عملية تمثيل الحكومة كي يحقق ذلك هو ان "يوسع حجم ومدى النقاش والمفاوضات مع أولئك الموجودين خارج السلطة، وان يتخذ الكثير من الخطوات التي أوضحناها أمس، وإحداها الغاء قوانين الطوارئ.. والتغييرات الدستورية التي تؤدي الى الانتخابات الحرة والنزيهة. لكنني أعتقد انه من الواضح انهم لم يلبوا حتى الان الحد الأدنى الذي يرضي معظم الشعب" المصري. وسئل هل اتصل مسؤولون من الحكومة الاميركية بمسؤولين في جماعة "الاخوان المسلمين" في مصر، فأجاب: "أنا لا أعرف بذلك". وسئل هل تتفق رؤية سليمان للعملية الانتقالية كليا مع الرؤية الاميركية، فأجاب: " أعتقد ان العملية الانتقالية لا تبدو كأنها تنسجم مع الشعب المصري، ونحن نعتقد انهم يجب ان يقوموا بأكثر من ذلك. والاهم من ذلك ان الشعب المصري يعتقد ان عليهم ان يفعلوا اكثر من ذلك".
وعاد الى الاشارة الى الحجم المتزايد للمتظاهرين الذين يطالبون بالحرية والفرص. وأضاف ان بايدن "كان واضحا مع نائب الرئيس سليمان في شأن بعض الخطوات المطلوب اتخاذها لمعالجة المطالب". وعما اذا كان سليمان هو الشخص المناسب للقيام بهذه العملية، قال إن سليمان "هو المسؤول عن تمثيل الحكومة المصرية في المفاوضات مع المعارضة لوضع البلاد على طريق النقل المنظم الذي يؤدي الى انتخابات حرة ونزيهة. ولسنا نحن الذين نقرر من هو المسؤول عن هذه العملية في الحكومة المصرية. وليس نحن من يقرر من سيجلس في القاعة ليمثل المعارضة، لكننا ندرك انه عندما تنمو الاحتجاجات ويزداد حجم المتظاهرين، فانه من الواضح ان الحد الادنى من التوقعات التي يطالب بها ائتلاف واسع في المجتمع المدني لم تلبَّ حتى الان. وأعتقد ان هذه هي المشكلة المستمرة". وشدد على ان هذه المطالب تمثل الشعب المصري وما يوافق عليه المجتمع الدولي وليس واشنطن فقط".
وذكّر ان واشنطن كانت قد انتقدت في السابق قوانين الطوارئْ وأن حكومته أصدرت العام الماضي بيانا قالت فيه ان تجديد هذه القوانين لا يساعد. وعن تصريحات سليمان التي جاء فيها أن الحكومة لا تستطيع تحمل استمرار الوضع الراهن وقتا طويلا وأن عليها انهاءه قال ان حكومته تشدد دوما في الاتصالات مع الحكومة ومع المعارضة في مصر على أن "مطالب المتظاهرين لا يمكن معالجتها بالعنف، وهذا يجب ألا يحصل".
ومع ان غيبس لفت الى ان حكومته غير قادرة على ارغام المسؤولين المصريين على القيام بأي شيء، فانه قال ان سليمان يحاول دوما القول إن مصر غير مستعدة للتحرك في اتجاه الديموقراطية او إحداث التغيير السريع، الا انه "من الواضح كما قال الرئيس ان مصر لن تعود الى ما كانت في السابق. لا احد يصدق ذلك. والى ان توسع الحكومة المفاوضات مع المعارضة، واذا لم يحصل ذلك، سوف يزداد الضغط عليهم كي يحققوا ذلك".
وشدد على انه اذا كانت لدى الحكومة المصرية أوهام أنها قادرة "على اعادة الجني الى القنينة، أعتقد ان وقت ذلك قد فات منذ زمن طويل، وبكل صراحة، رأينا ما حدث منتصف الاسبوع الماضي عندما دخل العنف في هذه المعادلة، ولهذا تحدث رئيس الوزراء في اليوم التالي عن الخطأ المميت الذي حدث... ولا أحد يعتقد هنا ان شكاوى (المصريين) ستعالج برد عنيف يمكن ان يساهم في التغيير". عما اذا كانت واشنطن قد أبلغت سليمان ان العنف سيؤدي الى قطع المساعدات، قال: "أوضحنا منذ البداية أننا سنقوّم موقفنا وفقا لمستوى ضبط النفس لديهم". وكرر الحديث أكثر من مرة عن الأعداد المتزايدة للمتظاهرين وحماستهم الجديدة وخصوصا بعدما خاطبهم المسؤول في شركة "غوغل" وائل غنيم الذي اعتقلته السلطات أكثر من عشرة أيام من غير أن تعلن ذلك. وردا على تحذير أبو الغيط من ان الجيش قد يتدخل اذا تدهور الوضع نحو الفوضى، صرح الناطق باسم وزارة الخارجية الاميركية فيليب كراولي: "نحترم الدور الذي اضطلع به الجيش المصري حتى الآن، ونشجعه على مواصلة التحلي بضبط النفس الذي تحلى به في الايام الاخيرة".
باراك في غضون ذلك، بدأ وزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك اجتماعات في واشنطن في إطار درس الدولتين الحليفتين تأثير الازمة السياسية في مصر على الاستقرار في الشرق الاوسط. وقالت السفارة الاسرائيلية في بيان ان من المقرر ان يجتمع باراك مع وزير الدفاع الاميركي روبرت غيتس ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ومستشار الرئيس اوباما للامن القومي توماس دونيلون.
|