بدا أمس أن الانتفاضة المصرية عازمة على استعادة المبادرة في معركتها ضد نظام الرئيس حسني مبارك، مظهرة غداة تظاهرات هي الاضخم منذ بدء "ثورة 25 يناير"، قدرة جديدة على التعبئة، من الاعتصام في ميدان التحرير وصولاً الى محاصرة مقري البرلمان ومجلس الوزراء، مع توسع التظاهرات فئوياً لتشمل موظفين وعمالاً حكوميين يطالبون بتحسين شروط عملهم، وجغرافياً لتتمدد الى جنوب البلاد حيث قتل خمسة أشخاص في اشتباكات مع الشرطة في مدينة الخارجة. وتكتسب الاحتجاجات زخماً جديداً على رغم تحذير وزير الخارجية المصري احمد ابو الغيط من اضطرار الجيش الى "التدخل للحفاظ على الدستور" في حال حصول فوضى، وذلك غداة قول نائب الرئيس المصري اللواء عمر سليمان إنه لا يمكن تحمل استمرار الاعتصام طويلاً. وفي ضربة من الداخل، استقال وزير الثقافة المصري جابر عصفور بعد عشرة أيام من توليه المسؤولية في الحكومة التي تألفت عقب بدء الاحتجاجات. وأفاد مسؤول رفيع في وزارة الثقافة أن عصفور "استقال لأسباب صحية".
إلا أن الموقع الالكتروني لصحيفة "الأهرام" نقل عن وكيل الوزير المستقيل أحمد صبري أبو الفتوح "ان عصفور قبل منصب وزير الثقافة باعتبار أن الوزارة ستكون حكومة إنقاذ وطني، ولكن عندما اكتشف العكس وعلم أنها حكومة في ظل حكم النظام الحالي للرئيس مبارك اضطر إلى أن يقدم استقالته". وكان مثقفون مصريون وعرب نددوا بقبول عصفور وزارة الثقافة في نظام قالوا إنه غير شرعي "ويترنح تحت ضربات المصريين الثائرين".
سلطانوف في غضون ذلك، استقبل الرئيس المصري حسني مبارك المبعوث الروسي للشرق الاوسط الكسندر سلطانوف في ثاني لقاء يعقده مع مسؤول رسمي اجنبي منذ بدء الاحتجاجات المطالبة برحيله، بعد استقباله الثلثاء وزير خارجية دولة الامارات العربية المتحدة الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان. ولم تشر وكالة أنباء الشرق الاوسط "أ ش أ" التي أوردت خبر اللقاء، الى ما دار خلاله، الا أن المسؤول الروسي أبلغ الصحافيين ان بلاده "لم ولن تتدخل في الشؤون الداخلية لمصر". وقال إن الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف والحكومة الروسية يتابعان باهتمام بالغ التطورات على الساحة المصرية، وأن هذه المتابعة تعد مسألة طبيعية نظراً الى الدور المحوري والمهم لمصر باعتبارها دولة رئيسية في منطقة الشرق الأوسط. وأضاف: "لا نريد في روسيا أن نقدم أية توصية أو وصفات، لأن بلادنا تثق في حكمة الشعب المصري وحكمة جميع المصريين والقيادات المصرية، وكذلك بحكمة الحكومة المصرية". وأعرب عن اعتقاده أن "مصر ستنجح في نهاية المطاف في تجاوز الأزمة الحالية في إطار الإجراءات الشرعية وطريقة الحوار والتوافق".
سليمان ولم تحرز جهود عمر سليمان لفتح حوار مع المحتجين في شأن الاصلاحات أي تقدم، مع تشكيك المنظمين الشباب للتظاهرات في أنه يخطط لتغييرات شكلية بعيدة كل البعد من ديموقراطية حقيقية. وتمسكوا برحيل مبارك شرطاً لاجراء أي حوار، وهو ما دفعه على ما يبدو الى توجيه انذار حاد اليهم أثار مخاوف من قمع جديد للتظاهرات. فقد أبلغ رؤساء تحرير الصحف المصرية الثلثاء أن الرئيس "باق في مصر وسيدير خريطة الطريق" للخروج من الازمة وتحقيق "انتقال حقيقي للسلطة". وقال ان "الحوار والتفاهم هما الطريقة الاولى لتحقيق الاستقرار في مصر والخروج من الازمة الحالية"، وان "البديل الثاني للتعامل مع هذه الازمة هو حدوث انقلاب". واضاف: "نحن نريد أن نتجنب الوصول الى هذا الانقلاب... حفاظا على مصر وعلى ما تحقق من مكتسبات وانجازات". وعمق الشكوك في نياته، بقوله إن مصر ليست مستعدة للديموقراطية، وإن اللجنة الحكومية للتعديلات الدستورية التي تضم قضاة ستدفع من أجل عرض تعديلاتها على استفتاء.
وعلق الناطق باسم "هيئة دعم الثورة" التي تضم خمس جماعات شبابية رئيسية تقف وراء الاحتجاجات في ميدان التحرير، عبدالرحمن سمير، على كلام سليمان بأنه "يحذر من تطبيق قانون الطوارئ، وهو ما يعني أن الجميع في الميدان سيُقمعون...ولكن ماذا يفعل مع 70 مليون مصري آخرين سيتبعوننا بعد ذلك؟". وقال إن سليمان يقدم "سيناريو كارثيا...نحن ننفذ اضرابات وسنواصل الاحتجاجات ولن نفاوض الى أن يتنحى مبارك".
أبو الغيط وكرر أبو الغيط في حديث الى قناة "العربية" السعودية ومقرها دبي أمس تحذيرات سليمان، داعياً الى الحفاظ على الدستور لحماية البلاد من الفوضى، ومحذراً في الوقت عينه من فوضى وتدخل الجيش لاستعادة زمام الأمور، مما يفضي الى وضع في غاية الخطورة. وقال: "يجب أن نحافظ على الدستور حتى لو عدل، لأنه عندما نسير في عملية دستورية نحمي البلد من محاولة بعض المغامرين الأخذ بالسلطة والإشراف على العملية الانتقالية، واذا حدث، فإن الدستور ليس في اطار العمل، وبالتالي سنجد القوات المسلحة مضطرة الى الدفاع عن الدستور والامن القومي المصري طبقا للقسم (الذي التزمته) ونجد انفسنا في وضع غاية في الخطورة". الى ذلك، لاحظ أن جماعة "الإخوان المسلمين" حصلت على دعم ضمني من النظام بمشاركتها في الحوار مع نائب رئيس الجمهورية. ورفض دعوات أميركية للإنهاء الفوري لحال الطوارئ ، قائلاً لقناة "بي بي أس" إن واشنطن تحاول على ما يبدو فرض إرادتها على القاهرة، وإن النصائح السياسية الأميركية لا تساعد.
احتجاجات وفي اليوم السادس عشر للاحتجاجات، تجمّع نحو عشرة آلاف شخص في ميدان التحرير،وتمكن المئات من سد مدخل مبنى مجلس الشعب المصري وسط القاهرة، وأطلقوا هتافات مطالبين بحله. ولم تسجل اعمال عنف بين قوى الامن والمتظاهرين الذين اكتفوا بالاعتصام امام مدخل المبنى، على غرار زملائهم المرابطين في ميدان التحرير القريب الذي صار معقلاً للانتفاضة الشعبية. ولكن، أعلن رسمياً ان جلسة مجلس الوزراء نقلت من مقر الحكومة في شارع القصر العيني الى مقر وزارة الطيران المدني في مدينة نصر. وقال محمد عبد الله: "جئنا لمنع اعضاء الحزب الوطني الديموقراطي من الدخول، وسنبقى الى ان تتحقق مطالبنا او ان نموت هنا"، بينما ردد فيه المتظاهرون هتافات تطالب برحيل مبارك وتلوح بالعلم المصري.
وفي ميدان التحرير الذي تحول منطقة خيم محصنة، لا يزال الآلاف يصرون على عدم التراجع الى ان يرحل مبارك . وصباحاً، صاح احد الناشطين موجها حديثه الى المتظاهرين الذين ينامون في الميدان على رغم الليالي الباردة والارهاق: "لا تتعبوا... لا تتعبوا، فالحرية لم تتحقق بعد". وفي توسع جغرافي للاحتجاجات، قتل ثلاثة متظاهرين واصيب نحو 100 آخرين في مدينة الخارجة بمحافظة الوادي الجديد في جنوب مصر، اثر اشتباكات مع الشرطة التي استخدمت الرصاص الحي في مواجهة المحتجين.
وأفاد مصدر أمني ان تظاهرات بدأت مساء الاثنين في الخارجة واستمرت الثلثاء، غير ان احد ضباط الشرطة شتم المتظاهرين، فحصلت اشتباكات استخدم خلالها رجال الامن الرصاص، مما ادى الى اصابة 100 شخص تقريباً توفي خمسة منهم متأثرين بجروحهم، الامر الذي اثار غضب الاهالي الذين اشعلوا النار في مبان حكومية عدة، بينها مقر المرور ومركز الشرطة ومقر الدفاع المدني والمبنى السكني لأمناء الشرطة، اضافة الى مقر الحزب الديموقراطي الوطني الحاكم.
إضرابات وللمرة الاولى، دعا المتظاهرون الى اضرابات عمالية، وسجلت حول البلاد اضطرابات في الاعمال الحكومية، نفذها المئات للمطالبة بزيادة الاجور وتحسين ظروف العمل. ففي مطار القاهرة، تظاهر العشرات من موظفي شركة الميناء للمطالبة بتحسين اوضاعهم، غداة تظاهرة اخرى نظمها العشرات من رجال الامن في شركة "مصر للطيران" احتجاجاً على سياسة رئيس قطاع الامن في الشركة. كذلك، وقف مئات من الموظفين الحكوميين أمام شركة "كهرباء جنوب القاهرة" للمطالبة باقالة مدير الشركة. ونظم عشرات من موظفي المتاحف المطالبين بزيادة رواتبهم، احتجاجاً أمام المجلس الاعلى للتراث. وفي مدينة نصر شرق القاهرة، تظاهر موظفو الجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء للمطالبة ايضا بتحسين شروط العمل. وأشعل محتجون النار في مبنى الديوان العام لمحافظة بورسعيد في شرق البلاد أيضاً.
وقطع نحو أربعة آلاف متظاهر خط السكة الحديد الذي يمر في محاذاة مدينة اسيوط بصعيد مصر والذي يربط شمال مصر بجنوبها. وفي السويس، دخلت الاضرابات يومها الثاني، مع تنظيم نحو خمسة آلاف عامل في شركات حكومية تابعة لهيئة قناة السويس اضرابا عن العمل، بينهم عمال نسيج وموظفون في مصانع لزجاجات الادوية وآخرون يعملون في اصلاح السفن، ومع ذلك، لم تتأثر الملاحة في القناة التي تشكل مصدراً رئيسياً لمداخيل مصر.
منع للفلسطينيين الى ذلك، أفاد مسؤول في الجوازات المصرية أنه تقرر منع الفلسطينيين من دخول مصر، موضحاً أن "12 فلسطينياً رحلوا الى الجهات التي أتوا منها تنفيذاً لهذه التعليمات". وقال مصدر في السفارة الفلسطينية في القاهرة إنه غير مسموح للفلسطينيين بدخول مصر في الوقت الحاضر "باستثناء من يحمل تأشيرة اقامة في مصر او الفلسطينيات المتزوجات من مصريين او من يحملون جوازات سفر ديبلوماسية"، لافتاً الى ان "هذا الاجراء موقت". وفي شمال سيناء، افادت مصادر امنية ان تحقيقات بدأت مع فلسطينيين يقيمون في مدن العريش ورفح والشيخ زويد للاشتباه في تورطهم في تفجير خط انابيب الغاز الذي يستخدم لتصدير الغاز الى الاردن واسرائيل.
حياة طبيعية وخسائر! في غضون ذلك، تسعى السلطات المصرية الى الايحاء بحياة طبيعية في البلاد. ففي القاهرة، أعيد فتح أهرامات الجيزة أمام السياح، فيما فتح مزيد من المطاعم والمتاجر ابوابه، على رغم استمرار حظر التجول المفروض على العاصمة والاسكندرية والسويس من الساعة 20:00 الى السادسة صباحا (18:00 الى 4:00 بتوقيت غرينيتش).
وتهدد الازمة في مصر بخسائر كبيرة لاقتصاد اكبر دولة في الشرق الاوسط، مع فرار السياح وانخفاض الاستثمارات الاجنبية. وقالت شركة "حديد عز" كبرى شركات الصلب في مصر، إن مصانعها تعمل بأقل من طاقتها الكاملة، لكنها أضافت الى أن التحقيقات الجارية مع رئيسها أحمد عز الذي كان قياديا في الحزب الحاكم لن تؤثر على نشاط الشركة.
وأورد موقع الكتروني حكومي أن إيرادات مصر من قناة السويس تراجعت بنسبة 1,6 في المئة إلى 416,6 مليون دولار في كانون الثاني من 423,4 مليوناً في كانون الأول 2010، لكنها ارتفعت بنسبة 8,6 في المئة عن مستواها لما قبل سنة. وفي باريس، صرح الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى بان تخوف الغرب من قيام دولة اسلامية في مصر لا اساس له، وان الانتفاضة الشعبية التي تشهدها بلاده لن يخف زخمها. و ص ف، رويترز، أ ب، أ ش أ، ي ب أ
|