لم يبدأ اليوم السابع عشر للثورة المصرية عادياً، مع انضمام اطباء بمراويلهم البيض ومحامين بأثوابهم السود الى المعتصمين في ميدان التحرير، وتضامن عمال حكوميين مع المحتجين المعارضين للنظام، مما أكسب النداءات المطالبة باطاحة الرئيس حسني مبارك بعداً جديداً وزخماً اضافيا، وكما بدأ استثنائيا، انتهى اليوم استثنائياً أيضاً مع اصدار الجيش البيان الرقم واحد، وقوله انه يبحث في اجراءات "للحفاظ على الوطن وطموحات شعب مصر"، وصولاً الى بث التلفزيون المصري خبراً مفاده أن الرئيس سيلقي كلمة، مما أثار تكهنات بأنه سيتنحى، سرعان ما بددتها العبارات الاولى من الخطاب.
ساعات عدة تعددت فيها السيناريوات في شأن الصيغ المحتملة لانتقال السلطة: هل يعلن مبارك تفويض صلاحياته الى نائبه اللواء عمر سليمان، مما يعني تولي الاخير زمام الامور الى حين موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، أم يعلن التنحي؟
البيان الرقم 1 وخرجت هذه السيناريوات الى العلن، مع اذاعة المجلس الاعلى للقوات المسلحة ما سماه "البيان الرقم 1" بعد اجتماع غاب عنه مبارك ورأسه وزير الدفاع المشير حسين طنطاوي. وقطع التلفزيون المصري برامجه وتلا البيان الذي جاء فيه انه "انطلاقا من مسؤولية القوات المسلحة والتزاما لحماية الشعب... وتأييداً لمطالبه المشروعة، انعقد اليوم المجلس الاعلى للقوات المسلحة للبحث في تطورات الموقف... وقرر الاستمرار في الانعقاد على نحو متواصل للبحث في ما يمكن اتخاذه من اجراءات للحفاظ على الوطن ومكتسباته وطموحات شعب مصر العظيم". ولم يسبق للمجلس الاعلى للقوات المسلحة المصرية أن أصدر اية بيانات واعطاها ارقاما منذ حرب تشرين الاول 1973. وفي أول تعليق على بيان الجيش، صرح العضو البارز في جماعة "الاخوان المسلمين" عصام العريان بانه يخشى ان يكون الجيش يقوم بانقلاب عسكري، وقال لـ"رويترز": "يبدو كأنه انقلاب عسكري... أشعر بالقلق، المشكلة ليست مع الرئيس انها مع النظام".
لكنه قال لاحقاً: "لن نعلق الى ان يتضح الموقف". وبعد وقت قصير، بث التلفزيون المصري ان الرئيس مبارك سيوجه "بيانا الى الامة"، ثم عاد واعلن بعد فترة قصيرة انه "مجتمع الان" مع نائبه عمر سليمان، وانه استقبل بعد ذلك رئيس الوزراء الفريق احمد شفيق، في ما بدا نفيا ضمنيا لتكهنات واسعة عن مغادرته البلاد رددها على التلفزيون الرسمي نفسه بعض السياسيين والمحللين. وكانت شبكة "فوكس نيوز" الأميركية بثت ان الرئيس المصري سيتنحّى بعد وقت قصير ويسلّم صلاحياته الى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وسط أنباء عن انه سيسلم هذه الصلاحيات إلى نائبه.
بدراوي وزاد التكهنات تصريح الامين العام الجديد للحزب الديموقراطي الوطني حسام بدراوي لهيئة الاذاعة البريطانية "بي بي سي" بانه سيندهش إذا ظل الرئيس حسني مبارك رئيسا حتى اليوم. وقال في مقابلة هاتفية على الهواء مباشرة انه يعتقد ان الشيء الصحيح الذي ينبغي القيام به الآن هو اتخاذ الإجراء الذي يرضي المحتجين، واضاف بدراوي إنه يرى فرصة في هذه الأزمة، لأن أولئك الشبان وابناء الطبقة المتوسطة المتعلمين نجحوا في ما فشل جميع السياسيين في تحقيقه مدى سنوات مضت، ونفى شائعات عن أن مبارك قد يظل يمارس دوراً من وراء الستار خلف نائبه. لكن رئيس الوزراء احمد شفيق قال للتلفزيون المصري:"الامر (لا يزال) بيد الرئيس مبارك" وانه يجري "اخطاره" بصفة كونه قائداً اعلى للقوات المسلحة بكل ما يدرس في المجلس الاعلى للقوات المسلحة،
ميدان التحرير وفي ميدان التحرير، سادت اجواء حماسية مشوبة بالترقب بين المتظاهرين، منذ اعلان الجيش تأييده مطالبهم، وبلغ عدد المحتشدين اكثر من 200 الف شخص، استناداً الى صحافيين، ومع توالي التكهنات عن احتمال تنحي مبارك في غضون ساعات، وامساك الجيش بمقاليد الامور، ازدادت حماسة المتظاهرين في الساحة، واخذوا يهتفون "الجيش والشعب يد واحدة"، فيما لم يسجل اي تحرك لقوات الجيش المتمركزة بدباباتها حول الميدان.
وكتب وائل غنيم مفجر "ثورة 25 يناير" في موقع "تويتر": "ميشن اكومبليشد"، أي "المهمة انجزت"، الا أنه سرعان ما دعا المتظاهرين الى توخي الحذر، وقال لهم عبر الموقع ذاته": "ايها الشباب لا تستسلموا للتكهنات من الان انتظروا حتى تروا، تحيا مصر". وكان وائل غنيم كشف انه هو صاحب صفحة "كلنا خالد سعيد"في موقع "فايسبوك" والتي اطلقت مع "حركة 6 ابريل" شرارة الاحتجاج الشعبي غير المسبوق ضد مبارك في 25 كانون الثاني .
إضرابات واعتصامات وكانت الاحتجاجات توسعت في يومها السابع عشر، وزادت الضغط على النظام مع تنظيم آلاف العمال المصريين إضرابات واعتصامات واحتجاجات للمطالبة بتحسين الأجور وظروف المعيشة. وتتسم الإضطرابات العمالية حتى الآن بملامح من الانتهازية، إذ يضغط العمال لتنفيذ مطالبهم بينما تنشغل الحكومة بالاحتجاجات المناهضة لمبارك. وقال جمال سلطان من مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية إن هذه قد تكون الموجة الثانية لهذه الثورة، ومن المؤكد أنها ستوجد واقعاً جديداً ينبغي أن تتعامل اية حكومة مستقبلية معه. وقال ناشطون يدعون للديموقراطية ويأملون في إقامة علاقات مع العمال الغاضبين، إنهم يشكلون لجاناً هدفها تنظيم إضرابات ومسيرات وعمليات سيطرة سلمية على بعض المباني الحكومية، من دون دفع السلطات الى اتخاذ إجراءات انتقامية عنيفة.
وأثرت الاحتجاجات الأخيرة على شركات وهيئات حكومية تعمل في مجالات النقل العام والسكك الحديد وإنتاج الأغذية والمنسوجات، فضلا عن قطاعي الكهرباء والنفط وقطاعات أخرى. وأقفل عشرات من عمال الأنفاق نفق صلاح سالم قرابة الساعة الثانية عشرة، حاملين لافتات تطالب بتحسين عقودهم. وأضرب ما يصل الى ثلاثة آلاف من العاملين في شركة حكومية للنفط والغاز في مدينة الاسكندرية بسبب الرواتب والأوضاع. كما نظم موظفو الشركة المصرية للاتصالات تظاهرات. وطالب نحو 150 من العمال الموقتين في مطار القاهرة بعقود ثابتة وتحسين ظروف العمل.
وتجمع مئات من العاملين في شركة "مصر للغزل والنسيج" في مدينة المحلة الكبرى في دلتا النيل والتي يبلغ عدد العاملين فيها نحو 24 الفا، ومنعوا الوصول الى المباني وتجمعوا امام المكاتب الادارية، في اضراب مفتوح تضامنا مع المتظاهرين، وكذلك للمطالبة بزيادة رواتبهم. وفي ما بدا محاولة جديدة للالتفاف على المطالب الكبيرة، نقل التلفزيون المصري عن وزير المال أن كل من يعمل بعقد موقت منذ ثلاث سنوات سيثبت، وأن كل من يعمل بعقد مدته ثلاثة اشهر سيحصل على عقد مدته سنة قابل للتجديد.
وفي مؤشر لامتداد الإضرابات الى مناطق هادئة نسبياً من مصر، بثت قناة "الجزيرة" الفضائية القطرية أن عمالا في مدينتي سوهاج واسيوط في الصعيد نظموا اعتصامات في شركات للمنتجات الصيدلانية والغاز والكهرباء. وقال سلطان من مركز الأهرام إن تعهد الحكومة هذا الأسبوع زيادة رواتب الموظفين الحكوميين بنسبة 15 في المئة لم ينجح على ما يبدو في تهدئة اي عدد يذكر من العمال. ولكن ليس واضحاً بعد ما اذا كان النقابيون والعمال يستطيعون تحويل مطالب اقتصادية معينة دعوة موحدة الى التحرك السياسي.
وحذرت استاذة العلوم السياسية وأحد منظمي "لجان الدفاع عن الثورة" رباب المهدي من أن العصيان المدني قد يؤدي تدريجاً الى إصابة البلاد بالشلل. وقالت إن ثمة تظاهرات في أنحاء البلاد واستيلاء على مبان حكومية، وإن هناك خططاً لتنظيم إضرابات موقتة، مضيفة أن اللجان تعتمد أساساً على النقابات المهنية والاتحادات العمالية. الى ذلك، اقتحم متظاهرون مقر مديرية أمن بور سعيد في شمال شرق البلاد، حيث قاموا باعمال تخريب ونهب، غداة اقتحامهم مبنى المحافظة. ويطالب هؤلاء المحتجون، ومعظمهم يقيم في اكواخ خشبية، منذ 15 سنة، بالحصول على مساكن لائقة. وكانت مدينة الخارجة شهدت الاربعاء اشتباكات بين المتظاهرين والشرطة التي استخدمت الرصاص الحي في مواجهتهم، مما اسفر عن مقتل خمسة اشخاص واصابة ما يقارب من 100 آخرين، وذلك بعدما حصلت فيها حوادث مماثلة الثلثاء اسفرت عن مقتل ثلاثة اشخاص.
اتهامات في غضون ذلك، وجه النائب العام المصري عبد المجيد محمود اتهامات بالفساد إلى ثلاثة وزراء سابقين ومسؤول كبير سابق في الحزب الديموقراطي الوطني الحاكم. وقالت مصادر قضائية إن النائب العام اتهم زهير جرانة وزير السياحة السابق بارتكاب "جرائم التربح وتسهيل التعدي على أراضي الدولة والإضرار العمدي بالمال العام”.
وقال مصدر إن من الاتهامات الموجهة الى جرانة تخصيصه 25 مليون متر مربع (من أراضي الدولة) بالمخالفة للقواعد والإجراءات الواجبة الاتباع لشركة أوراسكوم للسياحة والفنادق في محافظة البحر الأحمر بسعر دولار واحد للمتر (المربع)"، وذلك "مقابل قيام الأخيرة بشراء 51 في المئة من شركة جرانة للسياحة الخاسرة والمملوكة للوزير السابق وآخرين بمبلغ 350 مليون جنيه". وأضاف إن النائب العام وجه الى أحمد عز تهمة "العدوان على المال العام، وذلك باستيلائه على أموال شركة الدخيلة للحديد والصلب لإجراء مبادلة صورية بين أسهم شركته الخاصة (العز لحديد التسليح) وأسهم شركة الدخيلة بالمخالفة لقانون هيئة سوق المال وبيعها من شركته على خمسة أقساط ولم يلتزم سدادها".
كذلك، وجهت اتهامات الى وزير التجارة والصناعة السابق رشيد محمد رشيد بارتكاب "جرائم الاستيلاء على المال العام والإضرار العمدي به والتربح"، وإلى وزير الإسكان والمرافق والتنمية العمرانية أحمد المغربي بـ"اتخاذ إجراءات لإرساء بيع قرية آمون بأسوان المملوكة لشركة مصر للسياحة (قطاع عام) لشركة بالم هيلز التي يساهم فيها والمملوكة لابن خالته وذلك بإجراءات مخالفة ولا تتفق وثمن المثل".
انسحاب واعلن حزب التجمع برئاسة رفعت السعيد انسحابه من الحوار الوطني الذي بدأته السلطة مع الاحزاب والقوى السياسية من أجل التوصل الى مخرج للازمة. وقال في بيان انه "قرر الانسحاب من الحوار" لاسباب عدة منها "صدور تصريحات غير مقبولة لانها تضع المتحاورين في مواجهة الثورة الشعبية مثل التصريح القائل: إما الحوار وإما انقلاب" في اشارة الى ما قاله نائب الرئيس الثلثاء في لقاء مع رؤساء تحرير الصحافة المصرية. وص ف، رويترز، أب، أش أ، ي ب أ
|