|
الاعتقاد الشائع يقول ان الثورة هي من يأتي بالتغيير. هناك من يرى العكس: فالتغيير هو من يأتي بالثورة. فعندما تتغير أحوال الناس، في مجرى التراكم اليومي، فانهم لا يبقون هم أنفسهم الناس.
وما كان ملائما لهم سياسيا في وقت من الأوقات قد لا يعود ملائما بعد 10 أو 20 عاما. والسبب لا يتعلق بمقدار نجاح أو فشل السلطة، بل بمقدار ما يتغير الناس هم أنفسهم.
انظر الى التاريخ كله، وسترى إن التغيير في المعاش الثقافي، يقلب أفكار المجتمع ويقلب تصوراته تجاه السلطة. وكذلك الحال بالنسبة الى المعاش الاقتصادي. فالانتقال من الرفاهية الى الفقر يأتي بالثورة. بل إن الانتقال من الفقر الى الرفاهية يأتي هو الآخر يأتي بثورة. لانك لا تستطيع أن تحكم شعبا أصبح مرفهّا بنفس الوسائل التي كنت تحكمه بها عندما كان شعبا فقيرا.
وإذا كنت تحكم شعبا ثلاثة أرباعه أميين، فانك لا تستطيع ان تحكمه بالوسائل نفسها، ولا بالحزب نفسه، ولا بالقائد نفسه، عندما يصبح ثلاثة أرباعه متعلمين.
وعندما تحكم لاربعين عاما متواصلة، وعندما تكاد التغييرات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية في بلادك والعالم تكاد تشمل كل شيء، فالسؤال هو ليس ما إذا كانت الثورة ضرورية، بل لماذا تأخرت الى هذا الحد.
والحال، فعندما يتغير كل شيء في معاشك، وعندما يتغير كل شيء في محيطك، فان الثورة تصبح ضرورة ملحة، وهي لا تحتاج الى مؤامرة لكي تندلع.
لقد اعتاد الكثير من زعمائنا على السلطة وكأنها ملك شخصي. وأصبح كرسي السلطة جزءا من غرفة النوم بالنسبة لبعضهم حتى إن الحاكم أصبح يُورّث السلطة لابنائه الذين صنعهم وهو جالس على ذلك الكرسي.
وهذا نصف المصيبة. النصف الآخر هو إنه استمرأ الظلم، حتى ظن أنه فوق الحساب وفوق المساءلة، وحتى ظن أن أحدا لا يستطيع أن يمسه مهما ارتكب من انتهاكات ومهما جر على شعبه من ويلات.
هل هذا منطقي في عالم اليوم؟ هل ينطوي هذا السلوك حيال الناس على أي عقل؟
إذا اكتشفت أن هذا السلوك بلا منطق وبلا عقل، فستعرف لماذا يُرسل الحمقى دبابات ومدافع لقتل الناس إذا طالبوا بالحرية. وستعرف إن السلطة العمياء حولت أصحابها الى قتلة محترفين يمكنهم عمل أي شيء ولا يتورعون عن أي شيء.
فعندما لا يلاحظ النظام في سوريا أو النظام في ليبيا إن عظامه تحللت، ومفاهيمه اهترأت، ومنطلقاته تآكلت، فكأنه أعمى لا يرى إن الشعب الذي حكمه قبل 40 لم يعد هو نفسه الشعب. شبابه شاخوا، وأطفاله أصبحوا رجالا ونساء راشدين. وهؤلاء يستحقون أن يُنظر اليهم نظرة مختلفة وأن يُعاملوا معاملة مختلفة، وأن يُحكموا بوسائل مختلفة.
لاحظوا أيضا إن معظم الانظمة الحالية، ولاسيما النظامين في سوريا وليبيا، قالت انها جاءت لمحاربة الظلم. لقد كان هناك ظلم الفقر، وظلم الأمية، وظلم تفشي الجهل وظلم المرض الذي كان ينهش في عظام المجتمع. لكن، وحيثما كان هناك استعمار فقد رمينا بكل شيء على عاتقه. وقلنا إن الاستعمار هو السبب في كل شيء. وبذلك فقد أصبحت الثورة مشروعا للتحرر وليس فقط مشروعا للعدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروات. وكان من الطبيعي لتلك الثورات السالفة أن تبدأ بمشاريع أولية للاصلاح الزراعي ومحو الأمية ومنح بعض الحقوق للعمال، وهي بدأت بمشاريع، أولية أيضا، لنشر التعليم وتقديم الخدمات الصحية. ولكن هذه الثورات لم تلاحظ، مع مرور السنوات، ان مصادر الظلم تغيرت هي الأخرى.
فالظلم لم يعد شيئا خارجيا. لقد أصبح الظلم ناجما عن فشل النظام في محاربة الظلم. كما أصبح الظلم ناجما عن النظام نفسه عندما تحول الى نظام قمع.
لم يلاحظ النظام السوري ولا اخوه الليبي أبدا المفارقة المفزعة انه توجد في البلاد أجهزة مخابرات أكثر مما توجد جامعات.
لم يلاحظ هذا النظام أيضا إن مشاريعه الزراعية تحولت الى كارثة على المدينة والريف في آن معا.
ولم يلاحظ إن خطابه الأيديولوجي البالي لم يعد يقنع أحدا.
ولم يلاحظ أن شعاراته المهترئة وموافقه السياسية الفارغة لم تعد ترضي جيلا جديدا لا يستمع في الأصل اليه.
وبرغم أن نظام دمشق اضطر الى أن ينقل "الهتّيفة" الى البرلمان لكي يهتفوا له: "بالروح بالدم"، فانه لم يلاحظ ابدا إن الهتاف ليس وظيفة البرلمان. وإنه يحوّل نفسه الى مسخرة أمام العالم عندما يجعل البرلمانيين يصفقون لخطاب فارغ من رئيس لا يقدم لشعبه إلا التهديد والوعيد، وبدلا من الاصلاح لا يقدم له إلا الخدع والبهتان.
لقد سقطت هذه الأنظمة قبل أن تندلع الثورة. لقد سقطت بما لم تستطع أن تراه من تغيير حاصل بالفعل في معاش الناس وفي ثقافتهم.
مع ذلك، فانها تعاند التغيير. وترسل لمواجهته الدبابات وتطلق على الناس المدافع. وكأنها أصيبت بالعمى، بصرا وبصيرة، حتى لم يعد بوسعها إلا أن تسير الى حتفها بما تفعل.
وحسنا تفعل.
فقد كان هذا هو مصير كل الحمقى الذين لم يفهموا، إنك لا تحكم الشعب نفسه إذا حكمته لعشر سنوات. فكيف إذا حكمته 40 عاما؟
هل سيفهمون؟
والله أشك. نحن نعرف ما هي طبائع الإستبداد. والفهم ليس من هذه الطبائع. وإلا ما أصبح استبدادا.
وقاكم الله بعد اليوم من الحمقى والمستبدين.
|