التاريخ: أيار ٢٩, ٢٠١١
المصدر: جريدة المستقبل الللبنانية
الطُّغاة في مونولوغاتهم الدموية الأخيرة - بول شاوول

أَكانَ على الشعب العربي أن ينتظر في الغرف الخلفية، نهاية الصراع العربي الإسرائيلي، أو زوال الكيان الصهيوني، أو سقوط الإمبراطورية الأميركية، أو حسم مسألة صراع الحضارات، وانتصار اليورو على الدولار، أو حصول إيران على المفاعل النووي،... لكي يُفكر في حقه في الحياة، وفي التغيير وفي الحرية والكرامة وفي الوجود ومواجهة الأنظمة الاستبدادية وطغاتها ولصوصها، ومخابراتها وفسادها وجرائمها وهيمنتها على الأوطان، بخيراتها ومصائرها وجعل التوريث، و(باسم الجماهير) قاعدة من "الأبد إلى الأبد"، أو "خير سلف إلى خير خلف". أكان على الشعب العربي أن يتوقع بنيّات "طيّبة وعذبة وشفافة، أن يقوم الطغاة بتغيير "أنفسهم" (تأملوا) وطبائعهم، ليتحولوا من ذئاب إلى حِملان، ومن متسلطين إلى ديموقراطيين، ومن مستبدين إلى عشاق الحرية، فتنفتح السجون من تلقائها، وتوزع خيرات الناس بالتساوي وتنهزم إسرائيل (عبر الممانعة) بإرادتها، أو تتحلل بأمراضها؟ أكان يجب على الشعب العربي، بعد أكثر من ستة عقود (أطول وأثقل من ستة قرون عليه) ان ينتظر كل ذلك، لكي ينتفض، أو يبادر إلى الثورة، أو يحلم بمستقبل واعد، يكون من صُنّاعه ومن صُلبه".

 

لكن الشعب الذي كان يختزن التراكمات المتثاقلة من الفقر، والظلم والقمع والخوف والمهانة والمذلة، ربما، لم يكن يقيس معدلاتها بالأرقام في داخله وفكره ومشاعره ومعيشه اليومي وأفقه القادم. ربما كان يخاف أن يمدّ نظره إلى أعماقه، فيرى ما تكدّس من معاناة وهو عاجز عن أي فعل. ربما كان يخاف أن يكتشف تلك الأوزان التاريخية، والأثقال، التي استقرت في أحشائه وهو يعرف، انه عاجز عن تحويل كل ذلك إلى طاقة، أو عن إيجاد منافذ لتفجيرها؛ كان الشعب العربي "يُجانب" الطغاة، ولا يُواخيهم. يتفاداهم ولا يَقبلهم (برغم أكذوبة 99,99). كانت الفضاءات واسعة فوقه، والهاوية سحيقة تحته. لكن ماذا؟ هل كان عليه ان يحسب كل شيء ويدقق كلّ شيء، بالتفصيل والعموميات بالنسب والمطلقات، بالربح والخسارة، فينحاز إلى حكمة "النهاية" وإلى "موعظة" القبول. لكن وإلى متى؟ وكيف؟ ولماذا؟ وهل تبقى لقطرة لم يطفح بها الكيل؟ وهل تبقى لقشة لم تقصم ظهر البعير؟ وصلت الأمور إلى حيث لم يعد يجدي فيها تبني "لسانك حصانك.." أو "الصبر مفتاح الفرج"، أو "القناعة كنز لا يفنى"، أو "قبّل يد الطاغية وادعُ بكسرها"... انها القدريات المنصوبة كالأطواد على الإرادات البشرية. ذلك انه لم يعد من مكان في جسد هذا الشعب من دون ندوب وجروح حتى "تكسرت النصال على النصال". لم يعد من مكان في عين للدمع. ولا من مكان في الفم للصوت. ولا حتى من مكان للصمت. امتلأ كل شيء في هذه "المخلوقات" البشرية، وهي تُعامَل كالدواب كأقل من البشر. لم يبق شيء يتسع لشيء سوى الانفجار. الخروج. المغامرة. الشِّعر. الملحمة. الحياة. الموت. ذلك ان الشعب بعدما صار يخجل من نفسه، ومن فجره ومن مسائه. ومن يديه. ومن عينيه، قرر أن يرفع "خجله" إلى ما هو أسمى: إلى الكبرياء. إلى الكرامة. إلى قلب الطاولات المعدنية على رؤوس الاستبداد. إنها الخطوة التي لا رجوع عنها. إنها الطفرة غير المرتدة. إنها الانتفاضة التي اغلقت كل الأبواب خلفها، وحطمت كل الأسوار دونها! إنهم الطغاة! ها هم ! بالقامة. واللقب. وإسم الأب. والأم وتاريخ الميلاد. وتاريخ الانقلاب. وتواريخ القتل... ها هم! ولم يخطئوا. ها هم. رَسَمهم الشعب بالكرتون ودحرجهم. بناهم من ورق وبددهم. ها هو الطاغية الأول في تونس "أَخرجوه"! "أهزموه"! فهرب كالجرذ.

 

وانقشعت الغيوم. وشرّعت الميادين والساحات. وصاغت المدن والشوارع مرايا مضيئة لوجوه الثوار. الطاغية الثاني في مصر عاند. ثم لجأ إلى "بلطجيته" و"شبيحة" نظامه.. ثم إلى المناورة، ثم إلى الحيلة، "لا تفاوُضْ: إرحل أيها الطاغية"، فرحل وها هو في السجن الذي ملأه بالناس. الآخرون: من ليبيا إلى اليمن، فإلى هناك وهنالك... يظنون انهم، بترهيبهم وجرائمهم، ومجازرهم، ومدافعهم وطائراتهم وسفنهم وبلاطجتهم وشبيحتهم، قادرون على تغيير مسار "التاريخ" الجديد، وقادرون على إعادة الناس إلى "جحورهم" وإلى السجن الكبير: لا شيء من هذا القبيل، فالطغاة هم الطغاة، في مواقفهم المنهزمة، وعلى كراسيهم المكسورة، وامام شعوبهم الخارجة من قماقم الوهم باتوا مجرد أقزام، مجرد مدججين بالسلاح. الطغاة باتوا مجرد مسلحين خارجين على الشعب وعلى القانون وعلى الدولة، وعلى الشرعية، عصابات تمتلك دبابات عوراء. حسبناها صدئت من قلة استخدامها ضد المُحتلين. ومدافع صماء. وشبيحة. كيف يتحول الطغاة من "قادة" أبديين معصومين في عليائهم إلى مجرد لصوص وأصحاب سوابق وعصابات وشبيحة؟ ذلك انهم وفي عزلاتهم الجديدة، وفي انكشافاتهم الأخيرة بدوا أحجاماً. مجرد أحجام فارغة. مجرد معادن صدئة. آنية مكسورة. موتى ينتظرون من يدفنهم بلا ترحم. ولا شفقة. انهم هم يدافعون عن "وجودهم" (المتلاشي) مقابل وجود شعبهم: معركة وجود ونهايات بينهم وبين شبابهم وشيبهم والنساء والأطفال، والأشجار والفصول. صراع بين خريفهم الذليل وربيع شعبهم الأخضر. لا شيء. لا تعود الأشجار إلى الوراء. ولا الأنهر ولا الينابيع. ولا الزمن. لا شيء: مسألة لحظات في أعمار الشعوب، ولحظات من اعمال الطغاة. الثوار يحتلون الأمكنة والساحات والهواء الطلق والمرتفعات والسهول... والطغاة يحتلون الهاوية!


هكذا تبدلت الأدوار. وهكذا ستتبدل. ولن ينفع هؤلاء المستبدون اللصوص المغتصبون لا تدخّل خارجي يتوسلونه من "صديق" ولا مناورة من "عدو" لانقاذهم. الأسلحة القديمة صارت قديمة. لم تعد ترهب القريب ولا العرب ولا الغرب: لن يفيدهم التهديد. لحرب أهلية. أو مذهبية. أو وصول السلفيين والأصوليين. ولا استعادة الأراضي المحتلة. ولا "المصادرة" ولا المصانعة. ولا المراوحة. فقد عرف الناس ان هذه من عدة النصب. والخداع: تذكر الثوار ان هذه الأنظمة ومن خلال هذه الشعارات قمعت الناس على امتداد نصف قرن باسم "مواجهة" العدو ارتكبت المجازر في أهلها. باسم الصمود في وجه "المحتل" (الذي ما زال محتلاً) اعدمت الحرية والديموقراطية وأدامت قانون الطوارئ وخربت المجتمع المدني ورسخت النظام الاستبدادي، وورّثت السلطة واختزلت الناس بالطائفة، أو المنطقة، أو الحزب، أو العائلة. تذكّر الثوار كل ذلك فاكتسبوا مناعة في مقابل "الممانعين" وقوة في مقابل "المستقوين" ولم يعد من أسباب تَحولُ دُونَ استمرارهم، مهما طوّر الطغاة أسلحتهم، وأساليب بطشهم وطرق ترهيبهم ومهما وسعوا "سجونهم" الواسعة لتشمل المدارس (تأملوا حولوا المدارس سجوناً) او المستشفيات مقابر، والساحات والملاعب معتقلات، وأقبية التعذيب بآلاتها الجهنمية إلى مدارات للتشفي والسادية. ها هو القذافي، وماذا فعل له تحويل الصراع مع الشعب إلى صراع مسلح؛ لا شيء! ربما مطط ساعات الرحيل؟ ها هو "مختف" عن الصورة والشعب ملء الصورة والصوت والمشهد. في أي كهف يختبئ؟ في أي حفرة يعدّ أيامه "الأخيرة" من أين ينظر إلى مصيره. قتل المئات بل الألوف. دمّر المنازل والمستشفيات على ساكنيها. أحرق ما احرق من الدور. أعدم من أعدم. ارتكب المجازر الجماعية، وماذا في النهاية: هو تحوّل خردةً وأسلحته خردةً وأفكاره خردةً وتاريخه خردةً. جرّ شعبه لحمل السلاح (وليت هذا الشعب العظيم لم ينجر) ليستفرسه، جرّه إلى ملعبه اعتقاداً منه بأنه الأقوى هناك: دبابات، مرتزقة، شبيحة، طائرات، جنود مدربون. مخازن فائضة (لم يستعمل القذافي سلاحه كسواه من نظرائه الطغاة سوى ضد أهله، لا ضد اسرائيل، ولا ضد أميركا ولا ضد الغرب: يكفيه ان يحارب هؤلاء بالجعجعة اللفظية والشعارات).

 

وها هو المنافق الثاني علي عبدالله صالح (الطالح). يحاول أن يلعب اللعبة ذاتها مع شعبه المتمسك بالثورة السلمية، يواجه بالصدور الشامخة الرصاص. ها هو هذا "المريض" (كسواه من هؤلاء المستبدين) يريد ان يفتك بأهله، ويدمر بلاده (الذي سبق ان دمرها ونهبها على مدى ثلاثة عقود) يهدد بحرب أهلية (كنظيره الليبي) بل ويحاول استجرار المعارضة إلى حرب اهلية وقبلية؛ وها هو يهدد بالتقسيم (سواه ايضاً رسم خرائط تقسيم طائفية أيضاً بالحدود والتخوم والجيوش)؛ أي اعادة اليمن يمنين وأكثر، أي الغاء مفاعيل "الوحدة" القائمة بعدما اكتشف ان الثورة وحدت الشعب اليمني كله بمناطقه وعشائره وأحزابه. وبقي هوخارج هذه الوحدة وخارج اليمن: فجأة صار ككرة قُذفت إلى خارج الملعب. وها هو يلعب بلا ملعب ولا كرة: وحده أكثر فأكثر سوى مع "جيوش" اسًسها لتكون ذراعه المسلحة ضد ناسه، ومُعينه على قمع الشعب وتدمير ما عمرّه الشعب بعرقه وتعبه. علي عبدالله صالح، يزداد لغواً (انه الوحيد بين هؤلاء الطغاة الذي يتكلم ويخطب في تساقطه. يثرثر في تهاويه امام المتظاهرين: كأنه يريد ان يكون تدركبه مشهدياً أو احتفالياً بالصوت والصورة.

 

الباقون من الطغاة كأنهم يريدون ان يتدحرجوا في السر، بعيداً من الأنظار: بن علي اختفى! مبارك اختفى!) ونظن ان هذه الثورة التي وحدت اليمن توحيداً شعبياًُ (لا بفعل اتفاقات فوقية) تشبه ايضاَ ليبيا التي توحدت قبائلها ايضاَ بفعل الانتفاضة (والقذافي حاول أن يفكك هذه الوحدة بالدم). إذاً بالدم، توحّد الشعب المصري، والليبي واليمني. انه الشعب اليوم الذي يوحد ارضه، يُوحد مصيره. يوحد تعددياته. يوحد قراراته الديموقراطية. عادت الأمور إلى حيث يجب ان تعود. وانها لفاتحة غير محددة: صحيح أن انظمة عربية أخرى من أصناف الديناصورات الجشعة، ما زالت تعاند، وتستخدم سلاحها الأخير ضد الثوار والمدنيين وترتكب المجازر الجماعية، وتلطخ صورة المنتفضين، وتمارس العقابات الجماعية عليهم (سياسة اسرائيل ضد الفلسطينيين. وهم من تلاميذ العدو الجبناء!) وتحاصرهم وتجوّعهم وتُعطّشهم. وتقطع عنهم الامدادات الطبية. وتغتالهم وتقنصهم وتجتاحهم وتخطف جثثهم. صحيح ان بعض هذه الأنظمة اختارت ما اختاره القذافي وعلي بن صالح وكاد يختاره بن علي ومبارك، (متأثرين بالباسيج الإيراني في "مكافحة" ناس الثورة الخضرا!) لكن الصحيح أيضاً، انه اذا كانت سقطت "هيبة" هؤلاء الطغاة، وتعطّلت "عصمتهم" وابتذُلت خُطبهم، فإن اسلحتهم الفتاكة (لم تصوب إلى العدو. شيء غريب) التي يجربونها على الثوار قد استهلكت ايضاً. وتناثر حديدها. وجُوّف رصاصها. صارت "فشكاً" امام اصرار المنتفضين على المواجهة. واذا كانت "هيبة" الحكام باتت بلا هيبة. (أقل ولد يرفع صوته باسقاط النظام) والسلاح بات أقل من خردة (يجرح أصحابه)، فيعني أن هذه الأنظمة تكاد تفقد كل شيء. لا جدران تحميها. ولا دفاعات، ولا خطب، ولا أسلحة، ولا مجازر ولا حتى "استجداءات" تدفع عنها تهاويها. انها مونولوجات اللحظات الأخيرة على المنصات الأخيرة... تلفظ أنفاسها الأخيرة وان مضرجة بالدماء. وان مضرجة بالعار. وان مضرجة بالهزيمة الأخيرة. ومن قال إن الطغاة أبديون! ومن قال انهم يبقون وترحل شعوبهم! ومن قال إنهم يبقون وتذهب الأرض!
وصل الجميع إلى الحقيقة الكبرى: لا غالب للشعب. ولا باق سواه. وكل ما عداه من أنظمة وطغاة إلى زوال!
انها حكمة التاريخ الأبدية التي نَسيها هؤلاء، وحضنها الناس.