|
من غير المفهوم ومن غير المقبول ذلك الصمت و/أو الانتقاد الخجول الذي يمارسه العديد من القوى والأحزاب السياسية الأردنية ومنظمات المجتمع المدني تجاه القمع الدموي الذي يمارسه النظام البعثي ضد الشعب العربي السوري الشقيق والجار، وبخاصة طلائعه المناضلة من أجل الكرامة والحرية والديمقراطية...عجبي من هذه القوى التي تطالب بهذه الأهداف لشعبها، ولكن عندما يطالب بها شعب جار أبيّ وعزيز على قلوبنا، فإنها تلوذ بالصمت أو تتعلثم بحيث لا نفهم فيما إذا كانت تؤيد النظام "الممانع" أو مطالب الشعب، أم أنها تريد توجيه اللوم الخجول لهذا النظام رفعاً للعتب أو لإراحة الضمير ولو جزئياً ؟!
هل يصدقون حقاً روايات إعلام النظام عن "العصابات الإرهابية المسلحة" التي تريد "زعزعة" إستقرار النظام ؟ وكيف يمكن لهكذا "عصابات" أن تحشد الآلاف وعشراف الآلاف في كل مدينة وبلدة سورية، خاصة في أيام الجمعة ؟ هل يصدقون بأن هذه الثورة العربية (ولا نقول الثورات العربية) في اليمن وليبيا، وقبلها في تونس ومصر، هي نتاج جهود منظمات النخابرات الامريكية وغيرها، كما تحاول بعض الأقلام "القومية" و"اليسارية" أن تشيع أو توحي ؟ هل حرر النظام البعثي في سورية شبراً واحداً من الجولان أو فلسطين بعد مضي أكثر من أربعة عقود على عدوان حزيران 1976 ؟ ولماذا علينا أن نصدّق بأن قتل مئات المواطنين السوريين وجرح مئات آخرين واعتقال الآلاف هو "الثمن" الذي يجب أن يدفع لكي يستمر "صمود" النظام في مواجهة إسرائيل ؟ أي صمود هذا وقد كشف أحد أفراد العائلة "الجمهورية" المالكة قبل اسبوعين لصحيفة امريكية بأن "استقرار إسرائيل يعتمد على الاستقرار في سورية" ؟
ألم تستوعب أغلبية نخبنا السياسية والثقافية واحزابنا ومفكرينا ـ وقد ولجنا القرن الواحد والعشرين وفي ضوء تجارب الأربعين سنة الماضية ـ بأن الذي يسمح لنفسه بقتل أبناء شعبه المطالبين بالحرية لا يمكن أن يحرر شبراً واحداً من الأرض المحتلة سواء في سورية أو في فلسطين ؟
من المحتمل جداً بأن النظام الذي سيعقب نظام البعث ـ وهذ سيمثل على الأغلب الشعب السوري أفضل من النظام الحالي ـ لن يعلن الحرب على إسرائيل لا في المدى القريب ولا المتوسط، لكنه ـ كما مصر 25 يناير ـ سوف يقف بأمانة وإخلاص وصدق مع الشعب الفلسطيني عبر خطوات تضامنية متواضعة لكنها تعكس الوقوف الحقيقي ـ وليس الانتهازي ـ إلى جانب ذلك الشعب؛ فالحاضن الحقيقي للمقاومة هو الشعب السوري وليس النظام الذي يقمع حريات هذا الشعب.
نعلم جيداً بأن هناك نسيجاً اجتماعياً متداخلاً بين الأردنيين والسوريين وهناك وشائج عديدة عزيزة على القلوب لا يريد أحداً أن تنقطع أو تتقطع، هذا فضلاً عن المصالح الاقتصادية والتجارية المتنوعة التي من الطبيعي أن توجد بين بلدين جارين. لكن هذه الوشائج نفسها بالضبط هي التي تملي علينا أن لا نقف مكتوفي الأيدي أمام القمع الدموي والقتل المجاني المسلط على إخوتنا الثائرين من أجل كرامتهم وحريتهم.
هناك ثمانية آلاف معتقل حتى الآن في السجون البعثية. ألسنا، نحن الأردنيون، أولى الناس وأقربهم لكي نبادر إلى شن حملات التضامن مع هؤلاء المعتقلين والمطالبة يومياً بإطلاق سراحهم وبوقف أعمال التقتيل والقمع بأشكالها المختلفة ؟ هل يعتبر "التقاطع" الظرفي بين هذه الحملات المطلوبة وحملات غربية مشبوهة الأهداف، مبرراً كافياً لكي نمتنع عن التضامن مع اخوتنا؟ ألا نثق بأولئك المواطنين الأبطال الذين يواجهون بصدورهم العارية الرصاص والدبابات من أجل حريتهم ؟ أليست هي المرة الاولى ـ منذ نضالات الاستقلال ـ التي يصنع فيها الإنسان العربي تاريخه في تونس ومصر واليمن وليبيا وسورية، وقبلهم وبعدهم في فلسطين؟
لم يعد السكوت مقبولاً ! لنرفع الصوت عالياً ـ منظمات وأفراد ـ ومن على المنابر كافة من أجل وقف جرائم النظام البعثي ضد الشعب العربي السوري البطل. لنمطر المسؤولين عن هذا النظام ببرقيات الاستنكار المطالبة بوقف تلك الجرائم. لتنطلق حملات التضامن مع هذا الشعب الأبيّ ولتستمر إلى أن تشل يد القمع والاجرام. آن الآوان لكي نتذكر الحقيقة البسيطة المجربة : الحرية لا تتجزأ، الكرامة الإنسانية واحدة !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ *الرئيس السابق للجمعية الأردنية لحقوق الإنسان وعضو سابق في مجلس امناء المركز الوطني لحقوق الإنسان ـ الأردن
|