التاريخ: أيار ٣١, ٢٠١١
المصدر: جريدة الدستور الاردنية
«مثقفو» الدفاع عن الدكتاتوريات * د. خالد الحروب

"مثقف السلطة" ليس جديدا حضوره ذاك انه احتل في التاريخ موقع المسند الذي يتأكد عليه الدكتاتور ويستخدمه في شرعنة سيطرته وتحكمه في الناس. بيد ان ذلك الحضور الدائم لا يقلل من بشاعة صورته خاصة عن تفاقم حضوره خلال الإنعطافات الحاسمة في تاريخ الشعوب وعند لحظات تخلصها من استبدادها, كما هو الحال في الثورات العربية القائمة. "مثقف السلطة" العربية الراهنة يتمسك بمقولة الاستقرار ويريد ان "يعري" الثورات العربية بكونها تجلب الفوضى. الثورة بطبيعة الحال وبالتعريف تقلب الوضع القائم ومعها وبعدها تتدهور البنى السياسية والاقتصادية والامنية وتنتشر فوضى مؤقتة تصدم الناس وتمس المستويات الاهم لحياتهم. في هذه اللحظة بالضبط يقفز "مثقف السلطة" مماحكا الناس ومتشفيا بهم ليقول ان ثورتهم تعني الدمار والفوضى, وان ما ثاروا عليه من "إستبداد" افضل لهم الف مرة من الثورة لأن الاستبداد, على استبداده, وفر لهم الاستقرار دوما. "مثقف السلطة" يريد ان يغيب حقيقة تاريخية كبرى, واقعية وامبريقية, وهي انه لا مناص عن المرور بمرحلة "فوضى الثورة". في هذه المرحلة تتحدد خصائص "ما بعد" الثورة, وهنا فإن كل ثورة تأخذ منحى خاصا بها يعتمد على اسباب اندلاعها, وطبيعة تحالفات القائمين بها, ومطالب ثوراها وسياستهم وايديولوجيتهم, والمناخ المحيط المجاور والعالمي. طبيعة وعناصر وفاعلو الثورات العربية تدفعنا للتفاؤل بأن منحى الثورات العربية سيكون بإتجاه افضل الف مرة من ما كانت عليه الامور المتكلسة والمتجمدة والمتعفنة تحت وهم الاستقرار المديد.

 

مرحلة "فوضى الثورة" لا يمكن التقليل من خطرها ففي فوضى فوضاها تعيد قوى النظام المُسقط تجميع فلولها وإعادة انتاج نفسها, وفي فوضى فوضاها قد تأكل هذه الثورة او تلك ابناءها, وقد تتشتت البوصلة ويتفرع الشعار الجمعوي الواحد الذي ساد خلال الثورة إلى شعارات متصارعة بين مجموعات كانت حتى يوم قريب تناضل جنبا إلى جنب ضد عدوها المُستبد الواحد. بالمجمل العام, واستئناسا بشواهد تاريخية, يمكن القول أن "مرحلة فوضى ما بعد الثورة" تكون قصيرة المدى لكنها ثقيلة الوطأة على المزاج العام وتهدد بإنفضاض سريع عن الثورة واحباط اسرع للاحلام والتوقعات. ليس من السهل معالجة ذلك خاصة على مستوى الرأي العام الواسع (الشارع) الذي تستبطنه احلام او اوهام بأن التغيير الجذري للافضل سيشرق مع صباح اليوم التالي لسقوط النظام الدكتاتوري. عندما تمر شهور ولا يتحقق ذلك يسود الشعور بالخوف والقلق على المستقبل الفردي والعام – وهنا يبدأ "مثقف السلطة" بالدفاع عن الاستبداد الذي ما زال صامدا في وجه شعوبه في توظيف حقبة "فوضى الثورة" كنموذج تفسيري واقناعي (paradigm) لإثبات عدم جدوى الثورة بل وآثارها التدميرية عند المقارنة بجدوى الاستبداد وما يوفره ظاهريا من استقرار. هنا يجب الوقوف بحزم ضد هذا المنطق التشويهي والانتهازي خاصة عندما يدافع عن دكتاتوريات فاشلة على كل الصعد. تتنوع الدكتاتوريات في طبيعتها ومستوى وجزئية "إنجازاتها", وهو تنوع لا ينفي ادانتها جميعا ورفضها بالمطلق كشكل للنظام السياسي. هناك دكتاتوريات حاولت ان تنجح مشروعات نهضوية في بلدانها مقابل الدوس على كل مطلب للحريات السياسية والديموقراطية. وهناك دكتاتوريات خاضت حروبا وطنية ضد غزاة خارجيين, وخلال ذلك داست على كل مطلب للحريات السياسية في الداخل. يمكن للمرء ان يفهم المقايضة التي تقوم بها دكتاتورية "منجزة" تحاول ان تشتري الولاء من قبل موطنيها, هذا ومرة اخرى رغم رفض المنطق الدكتاتوري برمته وايا كانت درجته.

 

لكن دكتاتورياتنا العربية كانت من طينة مختلفة: ارادت وتريد شراء ولاء الافراد, وقمع حرياتهم السياسية, وحرمانهم من المشاركة في تقرير مستقبلهم ومستقبل بلدهم, مقابل لا شيء – مقابل تحكم نخبة حزبية, او طائفية, او عائلية, او قبلية بمقدرات وثروات البلد ورهنه للتبعية الاجنبية ايضا. لهذا فإن المنطق التخويفي الذي يسوقه مثقفو تسويغ الوضع القائم والدفاع منه مقابل وضع الثورات العربية يجب ان يُرفض ويفكك ويُعرى, خاصة والاوضاع الدكتاتورية القائمة فاسدة وقامعة وموغلة في العفن والاستبداد ولا يقوم هناك اي مبدأ "مقايضة" ممكن القبول به. صحيح ان "فوضى ما بعد الثورة" تنطوي على كتالوغ طويل من التخوفات والمعضلات وفقدان الاحساس بالثقة والضمان بأن مجتمع ودولة ما بعد الثورة تسير وفق الحلم والأمل, لكن ذلك كله ينحصر في المدى القصير. على المدى المتوسط والطويل تستقر الامور شيئا فشيئا وتسترد المجتمعات عافيتها تدريجيا, ولكن في مناخ جديد سمته الحرية والكرامة والمشاركة السياسية.

 

المنطق الانتهازي الذي يريد تحويل حقبة "فوضى الثورة" إلى نموذج او "براديم" تخويفي يرعب الشعوب من اللجوء للثورة والانتفاض على الاستبداد المحيق بها يسهب في تشريح تنويعات ل "الفوضى" المذكورة بأمل تعظيم تأثير التخويف وتعميق توجهات القبول بالامر الواقع على علاته واختلاته. يسوق "مثقف السلطة" منطق الفوضى الامنية ويبالغ في استخدام الوضع الإنفلاتي الجديد خاصة في الثورات التي ما تزال قيد الثوران, او في الحالات التي تعتمل فيها الثورة تحت السطح, هي مبالغة انتهازية بحتة, دفاعية وتسويغية لا تهدف ولا تحقق سوى إطالة عمر الاستبداد. كم يُشير مسوغو الاستبداد ومثقفوه إلى "فوضى الحرية" التي تنتشر فجأة وبإتساع "مخيف" ويستخدمها الناس "الذين لم يتعودوا على الحرية, وبالتالي لا تناسبهم". لا يقول لنا هؤلاء المنظرون كيف يمكن أن "يتعود" الناس على الحرية إذا ما تم قمعها وقمعهم في كل وقت وزمن تنفتح فيه هذه الحرية عليهم؟ ويتحدث مسوغو الاستبداد عن انهيار اقتصادات ما بعد الثورة, سواء داخليا حيث يعمل الانفلات الامني على احباط عجلة الاقتصاد المحلي, او خارجيا حيث يخسر البلد الثقة المالية من قبل الدائنين الخارجيين, وهكذا. ثم نقرأ ايضا في ابداعات منظري الدكتاتوريات العربية ان الثورات تفتح المجال للتدخل الاجنبي, وكأن هذه الدكتاتوريات التي ضمنت استقرار مصالح القوى الاجنبية وعلى رأسها الاحتلال الإسرائيلي كما شهدنا جمعيا في الخطابات "القذافية" و"الاسدية" لم تكون سوى ورق توت تافه يدرك كنهه الجميع. الدكتاتوريات العربية وتوحشها المنسوج مع غباء استراتيجي, والتي رأينها ونراها في طول وعرض العالم العربي, هي التي قادت الى التدخل الاجنبي بسبب مراهقاتها السياسية والعسكرية والحزبية. هذه الدكتاتوريات التي تطحن شعوبها بالدبابات في هذه الايام في المدن الليبية والسورية واليمنية هي التي قلبت المزاج العربي الشعبي ليصير مرحبا بالتدخل الاجنبي العسكري لأنه الحل الوحيد الذي ينقذها من اجرام الانظمة والموت الذي تجلبه على رؤوس المدنيين.