التاريخ: حزيران ١, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
الأخوان: عاقبة الغطرسة من بعد استضعاف - جمال فهمي

يوم الجمعة الماضي غاب "الإخوان المسلمون" عن آخر التظاهرات المليونية شبه المنتظمة التي أضحت وسيلة جماهير "ثورة 25 يناير" للتأثير في مجرى القرار السياسي والتشريعي الذي ورثه المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية عن حسني مبارك ونظامه عشية سقوطهما المدوي بعد 18 يوما من خروج هذه الجماهير وتمردها الصاخب.
وعلى رغم أن الغياب الإخواني عن أحدث تظاهرات يوم العطلة الأسبوعية لم يكن الأول، إذ سبق لهم أن غابوا الغياب التام نفسه مرتين على الأقل بعد نجاح الثورة التي تأخرت مشاركتهم فيها ثلاثة أيام كاملة وثمينة، إلا أن خروجهم هذه المرة عن إجماع كل القوى والحركات والتيارات السياسية غير الدينية الداعية الى تظاهرات "جمعة الغضب الثانية" كان مختلفا إختلافا بينا، ليس فقط لأن الجماعة وأتباعها مارسوا تشهيرا فاحشا وواسع النطاق بالمتظاهرين الغاضبين ونعتوهم بأنهم "علمانيون كفرة" ومعادون "للشعب"، بل لأن هذا التشهير المحموم بفاعلية أحتجاجية صارت روتينية ومعتادة مدى الاشهر الأربعة الأخيرة بدا كاشفا وفاضحا لأصل وموضوع النزال الحامي الوطيس الذي يرسم ملامح المشهد السياسي المصري الراهن، حيث الصراع بالقطع لايدور حول موضوع الكفر والإيمان ولا موالاة الشعب أو العداء له، بل مستقبل النظام السياسي وشكل الحكم والدولة (حكم ودولة مدنيين أم متسربلين بعباءة الدين؟) في بلد خرج للتو من أسر حكم عائلي ديكتاتوري طال عمره كثيرا ولم يتورع في آخر مراحله عن اللعب المتهور بورقة التمييز الديني والتوتير الطائفي.


أصل الصراع ذاك وشى به أهم الشعارات التي رفعها مئات الآلاف من المتظاهرين الذين تحدوا التشهير وخرجوا صباح الجمعة الماضي الى ميدان التحرير في القاهرة ومثلهم في الاسكندرية و15 مدينة اخرى، ألا وهو شعار "الدستور أولا" بالمخالفة لبرنامج المجلس العسكري الحاكم المتمسك (لأسباب مبهمة) بإجراء "إنتخابات إشتراعية أولا" وقبل ان تنضج كل القوى الجديدة التي افرزتها الثورة، على ان يتولى البرلمان الخارج من رحم الخريطة السياسية القديمة نفسها، التي يشاع ان "الاخوان" يتمتعون بوزن نسبي معتبر فيها، وضع دستور البلاد الجديد، وهو ما يعزز مخاوف القوى الحالمة ببناء دولة مدنية عصرية وديموقراطية تظلل مواطنيها كافة بالعدالة والمساواة من أن تسعى الجماعة (المحظورة سابقا) الى انتهاز الفرصة والانقضاض الدستوري على مفهوم الدولة المدنية، إذا تمكنت من اختلاس كتلة برلمانية مؤثرة.
غير ان نجاح الداعين الى مليونية "الغضب الثانية" في اتمامها بأعداد مليونية فعلا، بدا كأنه بداية تغيير في معادلة القوى المختلة، آية ذلك ان قطاعات واسعة من جمهور البسطاء أطهرت نفورا واضحا من صورة الاستقواء المتغطرس التي سكنتها "جماعة" طال عزفها على وتر الاضطهاد و"الحظر".