التاريخ: حزيران ١٠, ٢٠١١
المصدر: الشبكة العربية العالمية
سوريا وليبيا: خلدونيات في السياسة والظلم - علي الصراف

يقول ابن خلدون في مقدمته "إن من عوائق الملك حصول المذلة للقبيل والانقياد إلى سواهم". وهو ما يعني أن الملك لا يدمر إلا نفسه عندما يذل قومه.
 
فما بال طغاتنا لا يفهمون؟


ويقول ابن خلدون "إن الأمة إذا غُلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء". وهو ما يعني إن المُلك في أمة لا تملك نفسها، ليس ملكا على وجه الحقيقة.
فما بال طغاتنا لا يرون انهم لا يملكون إلا وهما، وانهم لا يدافعون إلا عن سلطة لا سلطة فيها؟
ويقول ابن خلدون "أن الظلم مؤذن بخراب العمران".
فما بال طغاتنا لا يفعلون إلا الظلم، ولا يدمرون إلا عمران بلادهم بأيديهم.
ويقول ابن خلدون "وأعظم من ذلك في الظلم وإفساد العمران والدولة، التسلط على أموال الناس، بشراء ما بين ايديهم بأبخس الأثمان، ثم فرض البضائع عليهم بأرفع الأثمان على وجه الغصب والإكراه في الشراء والبيع".
فما بال طغاتنا يحكترون لفساد بطانتهم ما يحتكرون؟
ويقول ابن خلدون "إن العمران البشري لا بد له من سياسة ينتظم بها أمره".


وفي هذا يقول: "اعلم.. أن الاجتماع للبشر ضروري..، وأنه لا بد لهم في الاجتماع من وازع حاكم يرجعون إليه، وحكمه فيهم: تارة يكون مستنداً إلى شرع منزل من عند الله يوجب انقيادهم إليه إيمانهم بالثواب والعقاب عليه الذي جاء به مبلغه، وتارة إلى سياسة عقلية يوجب انقيادهم إليها ما يتوقعونه من ثواب ذلك الحاكم بعد معرفته بمصالحهم. فالأولى يحصل نفعها في الدنيا والآخرة لعلم الشارع بالمصالح في العاقبة، ولمراعاته نجاة العباد في الأخرة، والثانية إنما يحصل نفعها في الدنيا فقط".
فما بال طغاتنا لا يسوسون بشرع ولا بعقل، وما بالهم بغرائزهم البدائية وتقارير مخابراتهم يسوسون؟
واذا لجأت الى التاريخ، فستعرف انه لا توجد بالنسبة لنا، مشكلةٌ في مَنْ يحكم. المشكلة هي كيف يحكم.


وتقول الحكاية إن أهل الشام أرادوا، لما جاءهم معاوية بن أبي سفيان ليحكمهم، أن يجربوه ليروا إن كان قادرا عليهم. فوقفوا عند مدخل المدينة ورأوا أعرابيا قادما من طريق الحجاز ممتطيا بعيرا. فاوقفوه، وقالوا له. يا رجل، اعطنا الناقة. هذه ناقتنا. فقال الأعرابي. يا عباد الله هذا بعيري وهو ليس بناقة. فقالوا له: أتريد أن تجادلنا في ناقتنا. فقال الاعرابي، والله لا أريد أن أجادل أحدا، ولكنه بعيري وهو ليس بناقة. فقالوا، إذن دعنا نذهب لنحتكم الى أمير المؤمنين. فذهبوا الى مجلس الخليفة للشكوى. ودخلوا عليه. فقال للقادمين: ما لكم وهذا الأعرابي. قالوا: يا أمير المؤمنين، هذا الرجل امتطى ناقتنا وهو يرفض أن يردها الينا. فقال الخليفة، وكيف يا رجل لا تعطي الناس حقهم. فقال الأعرابي، يا أمير المؤمنين، رأيت هؤلاء الناس يقفون على باب المدينة فأوقفوني، قائلين اعطنا الناقة. فقلت لهم يا ناس هذا بعيري وهو ليس بناقة. جئت به من الحجاز ولم أر من أهل البلاد ونوقها إلا أنتم، فكيف أعطيكم ما ليس لدي. فساقوني اليك يا أمير المؤمنين، وكأنهم لا يريدون أن يسمعوا قولي لهم. وكأنهم لا يريدون أن يروا إن جملي هذا بعير وهو ليس بناقة.


فأدرك الخليفة أن وراء الأكمة ما وراءها. فنادى على الأعرابي ليقترب منه. وأعطاه كيس نقود، وقال له: أعطهم الناقة، وخذ ثمن البعير.
الآن. هذه طريقةٌ للحكم. و"اعطهم الناقة وخذ ثمن البعير"، قد تعني، أعطهم الحرية وخذ السلطة. أو أعطهم التجارة وخذ الإمارة. أو أعطهم الحق بالكلام، وخذ الحق عليهم بالنفوذ. فلماذا لم يفهم السادةُ طغاتُنا انهم لا يستطيعون أن يأخذوا الناقة ويأخذوا البعير في آن معا؟ ولماذا لم يفهموا انهم لا يحكمون إذا حرموا الناس من كل شيء؟ ولماذا، إذا احتجّ الناسُ عليهم، فإنهم بدماء الناس يتغطرسون؟


ولكن، اعلم، انك إذا تغطرست، إنقلبت أول العاقبة عليك. وإذا تجاهلت الواقع، تجاهلك. وإذا احتقرت شعبك بالكذب عليه، احتقرك صادقا. وإذا لم تر ما يدور حولك، فأنت أعمى حتى ولو كنت طبيب عيون. وإذا كنت تقود دولة فساد، فاعرف انك رأسه وعلته. وإذا كنت ترفض التجديد، رفضك كل يوم تشرق فيه الشمس من جديد. وإذا كنت مولعا بالكرسي حد القتل، قُتلت عليه. وإذا استعنت على شعبك بالجريمة، صرت رئيسا للجريمة لا رئيسا عليه. وإذا سلّطت على شعبك وحوشا ورعاعا، توحّش عليك وتماسكت عصبته ضدك. وإذا نهبت شعبك، فلن تذهب بما نهبت بعيدا. وإذا بالغت في القسوة، بولغ فيك. وإذا أغلقت على الفهم بابا، أغلق الفهمُ كل أبوابه عليك. وإذا حاصرت بالقمع شعبا، حوصرت بما أنت فيه. وإذا اخترت من الواقع وهماً، فسجنك فيه. وإذا لم تسامح، لن تُسامح. وإذا لم تغفر، لن يُغفر لك. وإذا لم تقدم، لن يُقدم اليك. وإذا اكتفيت من السلطة بالأخذ، أُخذت منك. وإذا تفشى الفقر بين مواطنيك، حملق الفقرُ بعينه عليك. وإذا أسرعت الى الكسب، أسرعت اليه الخسارة. واذا ضيّقت على شعبك في معيشته، ضيّق عليك في حياتك. وإذا سلّحت سلطتك بحزب منافقين ودجالين، فكأنك لم تسلح إلا من يريدون رأسك مقطوعا. وإذا كنت تعيش على أجهزة قتل وتعذيب، فشعبك لن يعطف ساعة تنقلب الأشياء عليك.


واعلم إن شعبك يغفر الخطأ، ولكنه لا يغفر الخطيئة. واعلم إن القهر يزيد عصبية المقهورين. واعلم إن الوحشية لا تديم سلطة، وإنها إذا انهارت، انهار معها كل شيء. واعلم إن السياسة سَوسٌ للناس بما يرضيهم وليس بالغلبة عليهم. واعلم إن الغلبة لا تدوم. لانها لو دامت لغيرك ما وصلت إليك. واعلم إن ميزان الكون شديد، وامتحانه عسير. فاذا أعطتك الحياة أكثر مما تستحق، فلأنها تنتظر منك أن تعطي أكثر مما تريد. وإعلم انك قد تستطيع أن تستغبي كل الناس، لبعض الوقت، ولكن الاستغباء، في النهاية، يستغبيك.
وإعلم انك إذا أعطيت، أُعطي لك. وإذا عطفت، عُطف عليك. وإذا صدقت، فقد هزمت الكذب عليك. وإذا زهدت في سلطة، أبقيتها قريبة إليك.
وإعلم إننا بشر. والبشر يموتون. وحسنُ ختامها من حُسن الذكر.  واعلم إن حُسن الذكر هو ما يبقى، وكلّ ما عداه يزول. فاحرص عليه. انه سلاحك الأخير. فاذا خسرته خسرت كل شيء.
وإذا قال لك الناس: إرحل، فاسترضيهم باعتذار عما أخطأت وارحل، لعلك تُبقي في قلوبهم رحمة.