التاريخ: حزيران ١٢, ٢٠١١
المصدر: nowlebanon.com
الفرصة اللبنانيّة - نصير الاسعد

منذ الإنقلاب الذي نفّذه الرئيس السوريّ الراحل حافظ الأسد وقاده في تشرين الثاني 1970 بمسمّى "الحركة التصحيحيّة"، أي منذ ما يزيد عن أربعة عقود، عاش لبنان تحت وطأة وثقل تدخّل سوريّ متعدّد الأوجه والصيغ.

طبعاً لا يعني ذلك أنّ العلاقات اللبنانيّة – السوريّة، قبل 1970، كانت علاقات صحيحة وسليمة، على إعتبار أنّ إستقلال لبنان شكّل "مشكلة تاريخيّة" دائمة لسوريّا، لكن "الجديد" بعد إستيلاء الأسد الأب على الحكم كان التدخّل السوريّ "المباشر" في حين كانَ التعبير السوري السابق يتخذ صيغة "الحرَد" – إذا جاز التعبير – من داخل سوريّا وليس داخل لبنان.

 

وحقيقة الأمر هنا أنّ حافظ الأسد أتى إلى السلطة في سوريّا حاملاً مشروعاً إقليمياً عنوانُه الفعلّي إقامة "سوريّا الكبرى". أي أنّه صادر لحسابه مشروع "الحزب السوريّ القومي الإجتماعي"، فكان بذلك "قومياً سورياً" ولم يكن "بعثياً" لناحية فكرة القوميّة العربيّة والوحدة العربيّة. وعلى هذا الأساس عمد إلى التدخّل أو محاولة التدخّل في المسألة الفلسطينيّة وفي الأردن وفي العراق بالإضافة إلى لبنان. وإذا كانَ قد أخفق في الأردن، وفي أحيان كثيرة في العراق، فإنّه وخلافاً لما جرى الترويج له ينطلق من أنّ فلسطين هي "جنوب الشام"، وليست القضيّة العربيّة المركزيّة، ومع ذلك نجحَ في تقسيم الحركة الفلسطينيّة لإضعافها كحركة وطنيّة للشعب الفلسطيني ولإستتباع قسم منها وإستخدامه "ورقة".

 

هكذا إذاً، مهّد نظام الأسد الأب بينَ 1970 و 1975 للتدخّل المباشر في لبنان وصولاً إلى إستتباعه وإلحاقه. فبدأ يفرز الإجتماع السياسيّ اللبنانيّ ويدرس تناقضاته ويلعب عليها ويقيم علاقات "متعاكسة" مع جهات متصارعة بهدف جعل سوريّا – أي النظام فيها – لاعباً أساسياً في لبنان، بحيثُ لا تعود سوريّا مجرّد بلد "ذي نفوذ" ما ومصالح معيّنة في لبنان، بل تصبح "المركز السياسيّ" للبنان.

 

وبالعلاقة مع هذه المقدّمات جميعاً، وبالصلة مع مشروعه "القوميّ السوريّ"، يمكن القول بدون تردّد إنّ نظام الأسد كان موجوداً على خطّ التمهيد للحرب الأهليّة في لبنان، ثمّ أدار الحرب الأهليّة من ضفافها المختلفة بين 1975 و 1990، هادفاً – بطبيعة الحال – إلى إحكام قبضته على هذا البلد. وهنا أيضاً، وخلافاً لما جرى تسويقُه في فترات سابقة، فإنّ النظام السوريّ لم يكن هدفُه إطفاء الحرب الأهليّة بل إدارة "موجاتها" و"هبّاتها" المتعاقبة، مستعيناً بالولايات المتّحدة والغرب وطمأنةً لإسرائيل تارةً، ومستعيناً بتناقضات "الحرب الباردة" في زمانها تارةً أخرى.

بينَ 1990 و 2005 "أثمر" الإستهداف، إذ تمكّن نظام الأسد الأب ثمّ نظام الإبن بشّار الأسد من تحصيل الوصاية على لبنان بـ"مكافأة" من الولايات المتّحدة والغرب.. والنظام الإقليميّ. و"الوصايةُ" لم تكن سوى عمليّة نقل لـ"مركز" لبنان إلى سوريّا وتحكّم بكلّ مفاصل الحكم والحياة السياسيّة و"تشبيح" إقتصاديّ موصوف.

في العام 2005، وفي ظروف لبنانيّة وعربيّة وإقليميّة ودوليّة مختلفة، أجبر نظام الأسد على الخروج من لبنان بـ"رافعة" إستشهاد الرئيس رفيق الحريري.

 

الثابت والأكيد هنا هو أنّ إضطرار النظام للإنسحاب من لبنان شكّل بداية الأزمة الوجوديّة لهذا النظام التي نشهد فصولها الآن، لأنّ 2005 هو تاريخ إنهيار حلم "سوريّا الكبرى" الذي يشكّل لبنان قلبه ونبضه. وهكذا، وبدلاً من أن يشكل الإنسحاب السوريّ في نهاية نيسان 2005 بداية إستعادة لبنان لمركزه من سوريّا وحكم نفسه بنفسه، عمل النظام السوريّ طيلة السنوات الستّ المنصرمة بين 2005 و 2011 على تعطيل حكم لبنان لنفسه بنفسه، بما أنّه – أي النظام – لم يكُن قادراً – و غير مسموح له – على العودة المباشرة غلى لبنان.

على مدار 41 عاماً إذا خضع لبنان من جانب سوريّا ونظامها إلى مراحل من التدخّل: التمهيد للحرب الأهليّة ثم إدارة الحرب الأهليّة ثمّ الوصاية على البلد ثم منع لبنان من أن يحكم نفسه.

الآن، ثمّة أزمةٌ مندلعة على نطاق واسع في وجه النظام السوريّ منذ ثلاثة أشهر.

وبعيداً من المواقف على أنواعها ومن شتى التكتيكات حيال الأزمة السوريّة، وبعيداً حتى من محاولة إبداء الرأي في مسار هذه الأزمة ومآلاتها، من نافل القول إن لبنان معنيّ إستراتيجياً بما يجري في سوريّا.

 

ذلك أنّ كلّ المقدّمات السابقة تدفعُ إلى تذكّر مسألة بالغة الأهميّة. فالنظام السوريّ في إطار مشروعه لـ"سوريّا الكبرى" – أي "سوريّا الإقليميّة" – جعل من دمشق موسكو السوفياتية. فكما كانت موسكو السوفياتية مركز المنظومة الإشتراكيّة، تقمع الداخل السوفياتي وتتدخّل في بلدان المنظومة وتحكمها وتقمعها عندما ترى ذلك مناسباً، كانت "موسكو العربيّة" – أي دمشق – تؤدي في الإتجاه نفسه عربياً.. لا سيّما في لبنان. وعندما بدأ النظام الشيوعي في الإتحاد السوفياتي يترنّح في "أزمة التغيير" الداخليّة ثمّ عندما إنهار في مسار إستغرق سنوات، تبدّلت أحوال دول المنظومة، فأزهرت ثورات ديموقراطيّة في هذه الدول وسقط جدار برلين رمز القوّة السوفياتيّة الخارجيّة، وولدت ظروف مكّنت دول هذه المنظومة وشعوبها من تقرير مصيرها وحكم نفسها بنفسها.

مشروع "سوريّا الكبرى" – ومفصله في لبنان – اي مشروع "سوريّا الإقليميّة" إنهار وإنتهى أياً يكن أمد مسار الأزمة السوريّة الداخليّة، علماً أنّ الثورة السوريّة أسهمت في إنهيار هذا المشروع لأنّها قالت للنظام إنّك إمّا أن تستمدّ شرعيّتك من الداخل وإمّا فلا شرعيّة لك أبداً.

 

كيفَ لا يكون لبنان إذاً، بعيداً من الإبتزاز والتهويل والتهديد، معنياً بما يجري في سوريّا، وثمّة فرصة تاريخيّة سانحة أمامه، بناءً على ما يجري، على ما تحقّق حتىّ الآن وما يمكن أنّ يتحقّق، ليحكم نفسه بنفسه؟.

"يجب" الإنتباه إلى هذه الحقيقة، حقيقة الفرصة اللبنانيّة المتاحة. الفرصةُ التي تستوجب لإلتقاطها قراءة إستراتيجيّة في ما يحصل في سوريّا وحول لبنان بالإجمال، ووعياً عميقاً بإمكان خلاص لبنان، تماماً بإنتسابه إلى الزمن العربيّ الجديد.

هل يستطيعُ "حزب الله" بالتحديد أن يقرأ المجريات على هذا النحو؟ وإذا إستطاع هل يتّجه نحو اللبنانيين الآخرين بفكر مفتوح أم يذهب إلى متاهات تؤخّر إنقاذ لبنان وخلاصه؟.