التاريخ: حزيران ١٧, ٢٠١١
المصدر: جريدة الحياة
 
إنقاذ ربيع العرب - باتريك سيل

في بداية الربع الأول من القرن الماضي، كان الزعماء العرب يعبّرون عن تعلّقهم بالقومية العربية وعن سعيهم إلى تحقيق استقلال العرب الذي يعدّ أساس شرعيتهم. وذهب بعض الزعماء أبعد من ذلك فأعربوا عن إيمانهم بالوحدة العربية من دون إبداء أي استعداد للتخلي ولو للحظة واحدة عن النزاعات والخلافات والاتهامات المتبادلة التي طالما طبعت الممارسة الحالية للسياسة العربية. وقد فقدت هذه الشعارات منذ ذلك الحين مصداقيتها.


أما اليوم، فاستبدلت الشعارات القومية التي أطلقها الجيل السابق بظاهرة أكثر تواضعاً تدعى «التضامن العربي». وقد يميل المرء إلى وصفها بأنها العلاقة الضعيفة للقومية العربية. لكن يجب عدم اعتبار «التضامن العربي» شعاراً مجرداً من المعنى إن كان يعني مساعدة العرب لبعضهم بعضاً والوقوف معاً في وجه المخاطر الخارجية والإقرار بالفعل والقول بأنّ العرب لهم مصالح مشتركة يجب الدفاع عنها لمصلحة الجميع.


ويعني ذلك عملياً لا سيما في أوقات الأزمة مثل التي نشهدها اليوم أنّ الدول العربية الثرية يجب أن تتحمّل مسؤوليتها على صعيد تقديم المساعدة إلى الدول الأكثر فقراً.
أدرك زعيم عربي وحيد، هو رئيس وزراء قطر الشيخ حمد بن جاسم، الحاجة الملحة إلى القيام بتحرّك عربي مشترك. فحضّ في خطاب ألقاه في الشهر الماضي في مركز أوكسفورد للدراسات الإسلامية على إنشاء بنك لتنمية الشرق الأوسط، داعياً بذلك إلى إنشاء مؤسسة مهمة جديدة لتوجيه المساعدة إلى البلدان العربية التي تواجه خطر الانهيار الاقتصادي. وأضاف أنّ قطر تسعى إلى حشد دعم المملكة العربية السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة لهذا المشروع.
وتابع بالقول إنه «يمكن بفضل هذا البنك حشد الموارد والقدرات المحلية وطلب الحصول على الخبرة الأجنبية». كما أتى على ذكر بطالة الشباب التي أقرّ معظم المراقبين بأنها المحرّك الأساسي لموجة الثورة في أنحاء العالم العربي، معتبراً أنه يجب معالجة هذه المشكلة بسرعة وباستخدام الموارد الواسعة النطاق حتى لا يتحوّل ربيع العرب إلى شتاء من خيبة الأمل واليأس.


لقد قدّمت الدول العربية الأكثر ثراءً مبادرات مهمّة منها على سبيل المثال إعلان مجلس التعاون الخليجي في شهر آذار (مارس) الماضي اتخاذ إجراءات لتقديم مبلغ 10 بلايين دولار لكلّ من سلطنة عمان والبحرين من أجل تحسين البنية التحتية والسكن على مدى عشر سنوات. كما وافقت السعودية على إعطاء مصر قرض طوارئ بقيمة 4 بلايين دولار على شكل قروض ميسرة وإيداعات وهبات. كما وافق الصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية برئاسة عبد اللطيف الحمد على إعطاء اليمن مبلغ 329 مليون دولار من أجل تمويل أعمال بناء الطرقات ومحطة لتوليد الكهرباء وإعادة تأهيل مسجد صنعاء الكبير. ولا شكّ في أنّه لا يمكن مباشرة هذه الأعمال قبل أن تهدأ الأوضاع في اليمن. ووقّع صندوق الكويت للتنمية الاقتصادية العربية اتفاقاً لتقديم هبة بقيمة 50 مليون دولار إلى شرق السودان من أجل تمويل مشاريع صحية وتربوية. وتعهدت الإمارات العربية المتحدة باستثمار أكثر من 1.5 بليون دولار لتحسين الإمداد بالطاقة الكهربائية إلى جانب تسهيلات أخرى في الإمارات الأقل ثراءً مثل الشارقة ورأس الخيمة.


تعتبر هذه التعهدات ممتازة. إلا أنّ المتطلبات كبيرة. فكي تكون إعادة الإعمار والتنمية فاعلة، يجب وضع خطط لها وتنسيقها في كل منطقة على حدة. وتبدو مؤسسة عربية مثل تلك التي اقترحها رئيس الوزراء القطري كفيلة بجمع الأموال وإدارتها وتوزيعها في البلدان التي تحتاج إليها مع اعتماد شفافية كبيرة ووفق المشورة التقنية التي يقدّمها الخبراء.
يرغب الثوّار العرب في مصر وتونس واليمن وليبيا وسورية وفي أي مكان آخر الحصول على حريات سياسية وعلى التحرّر من البطش الذي تمارسه قوات الأمن. إلا أنهم يريدون مستقبلاً اقتصادياً أفضل لهم ولأولادهم وهم يستحقون ذلك. وإن لم تتمّ تلبية هذه المطالب المادية فلن ينجو أي بلد عربي مهما بلغت ثروته من موجة الاضطراب.

 

حين انهار الحكم السوفياتي بعد انهيار جدار برلين تمّ إنشاء البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية عام 1991 لمساعدة الدول الشيوعية السابقة على الانتقال إلى مرحلة الازدهار والديموقراطية. وحقّق هذا البنك نجاحاً كبيراً وموّل عدداً هائلاً من المشاريع في أوروبا الشرقية والوسطى وفي روسيا أيضاً.
واقترحت المفوضية الأوروبية في بروكسيل تعديل نطاق عمل البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية حتى يتمكن من مساعدة بلدان مثل تونس ومصر. ولا شك في أن البنك يملك الخبرة المطلوبة للقيام بذلك، إلا أنّه من غير المرجح أن يتمكن من تقديم المساعدة إلى الدول العربية ضمن النطاق المطلوب بسبب القيود الضريبية في أوروبا.


حين اجتمع قادة مجموعة الدول الثماني الصناعية الكبرى في مدينة دوفيل الفرنسية بقيادة الولايات المتحدة في شهر أيار (مايو) الماضي، تعهدوا بتقديم قروض دولية بقيمة 20 بليون دولار إلى مصر وتونس. ولم تكن هذه هبات بل قروضاً يجب إعادة تسديدها. فهي لن تساهم سوى في زيادة عبء الدين على هذين البلدين وفي ممارسة المزيد من الضغوط على الميزانيات المتضخمة إلى حدّ الانفجار.
فضلاً عن ذلك، تترافق المساعدة الغربية بشروط. ويكمن الشرط الواضح في أن تستمر مصر وتونس في عملية الانتقال الى «مجتمعين ديموقراطيين ومتسامحين». بمعنى آخر، يترتب عليهما اعتماد الديموقراطية الغربية بطريقة أو بأخرى مقابل المساعدة الغربية.


لكن الحقيقة انه يجدر بالعرب السعي وراء مصالحهم وليس محاولة إيلاء هذه المهمّة إلى الدول غير العربية، سواء الولايات المتحدة أو أوروبا أو حتى الصين. فالولايات المتحدة التي أفلست تقريباً بسبب الحربين في العراق وأفغانستان، تملك موارد قليلة. وتركز الصين على مشاكل التنمية الكبيرة التي تواجهها. وتكمن مصلحتها الخارجية الأساسية في الإفادة من المواد الخام حيث تجدها من أجل مشاريعها الصناعية. أما أوروبا فلديها أولوياتها الخاصة.
أما دول أوروبا الشرقية فلا ترغب في أن تتحوّل الموارد التي لا تزال تستفيد منها إلى شمال أفريقيا. وتسعى دول أوروبا الغربية مثل فرنسا وإيطاليا وألمانيا إلى تفادي انتقال الأفكار الإسلامية المتشددة إلى مجتمعاتها واجتياح المهاجرين غير الشرعيين أراضيها، كما حصل أخيراً في جزيرة لامبيدوسا الإيطالية. ولا شكّ في أنّ كل مساعدة تقدّمها هذه الدول إلى العالم العربي تخفي وراءها مصلحة شخصية.


نشرت صحيفة «فاينانشل تايمز» في 26 أيار (مايو) 2011 مقالاً للبروفسور جوزيف ستيغليتز من جامعة كولومبيا الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2001، أشار فيه إلى أنّ المساعدة الغربية تعتبر أساسية كي لا تنهار الثورات العربية أو تتراجع. وعدّد الأولويات التي تكمن في إنشاء فرص عمل وتقليص الديون وولوج الأسواق الغربية.
لا شك أنّ تحليله صحيح. إلا أنّ بنكاً لتنمية الشرق الأوسط يموّل بشكل جيّد، كالذي اقترحه رئيس الوزراء القطري، سيكون أداة أفضل لمنع ربيع العرب من الوقوع في العنف واليأس.


* كاتب بريطاني مختص في شؤون الشرق الأوسط