التاريخ: حزيران ١٨, ٢٠١١
المصدر: nowlebanon.com
إسقاط السلطة في لبنان - نصير الأسعد

يستدعي تشكيل الحكومة، في توقيتها السياسيّ وفي بنيتها، عدداً من الإستنتاجات الرئيسيّة حول المرحلة اللبنانيّة الجديدة وأبعادها.

لا جدالَ في أنّ التوقيت السياسيّ لإعلان حكومة نجيب ميقاتي، هو توقيت سوريّ يستجيب لحاجات نظام بشار الأسد "المزنوق" والذي قرّر مواجهتين متلازمتين، المواجهة مع شعبه في الداخل والمواجهة مع العالم كلّه من لبنان وعبره، فارضاً على لبنان "وحدة المسار والمصير" من جديد!.

ماذا يعني ذلك، أو بالأحرى ماذا يُفترض بذلك ان يعني بالنسبة إلى اللبنانيين، الإستقلاليين والديموقراطيين تحديداً؟.

لقد جدّد النظام في سوريّا ربط لبنان به، بل أعلن ربطّ مصير لبنان بمصيره. هكذا بكلّ بساطة.

وفي "مبادرته" هذه يفرض نظام الأسد على اللبنانيين، على الإستقلاليين والديموقراطيين، أن يجدّدوا النضال ضدّ التدخّل والوصاية السوريّين، أي أن يجدّد معركة الإستقلال.

 

طوال الأسابيع الماضية منذ إندلاع الإحتجاجات والإنتفاضات في سوريّا في 15 آذار الماضي، إمتنع الإستقلاليّون والديموقراطيون اللبنانيون لأسباب شتّى عن ممارسة أيّ تضامن "جوهري" مع الشعب السوريّ في كفاحه من أجل الكرامة والحريّة والديموقراطيّة، بل هم إمتنعوا عن ترجمة قناعة فكريّة عبّر عنها شهيدهم سمير قصير في أحد الأيّام عندما قال إنّ الديموقراطيّة في سوريّا خير دعامة للإستقلال في لبنان. لكن ها هو نظام الأسد يقول بنفسه لهؤلاء اللبنانيين أنتم مرتبطون بنضال الشعب السوريّ لأنّني أنا من يربط مصير بلدكم بمصير نظامي!.

 

إذاً بتشكيل حكومته في لبنان وبفرضه مساراً سورياً – لبنانياً متلازماً متوازياً، صار من الطبيعيّ أن تتلازم وتتزامن معركتان. معركة لبنانيّة ضدّ النظام السوريّ وتدخلّه ووصايته في لبنان. ومعركة الشعب السوريّ ضدّ النظام وإستبداده في سوريّا. فقد أفرج الأسد "مشكوراً" عن وحدة موضوعيّة بينَ الشعبين اللبنانيّ والسوريّ في معركة واحدة في وجه نظام واحد!.

هذا في ما يعني الإنتساب الموضوعي الواحد "الإلزامي" بينَ الشعبين، وبينهما وبين سائر الشعوب العربيّة الأخرى.

أمّا في ما يتّصل بما سمّي "تضحية برّي" لتسهيل تشكيل الحكومة بعدَ خمسة أشهر من عدم التأليف، و"تضحية برّي" تلك هي التنازل عن وزير شيعيّ سادس في حكومة ثلاثينيّة لإتاحة المجال أمام ولادة الحكومة، ففيها قولٌ ضروري.

 

قيل الكثير في هذه الخطوة. فريقُ برّي تحدّث عن "البطولة" و "الوطنيّة".. فيما فريق 14 آذار نظر إلى الخطوة بطريقة متناقضة إذ إعتبر إنّها تصدرُ عن تصرّف من برّي والثنائيّة الشيعيّة يرى إلى الطائفة الشيعيّة بوصفها ملكيّة خاصّة يستطيع التصرّف بها وبحقوقها، أو أنّها تؤديّ إلى جعل الوزير البديل من المُتخلّى عنه وزيراً شيعياً (في السياسة) حتّى لو كان من طائفة أخرى.. أو أنّها تشكّل سابقةً يتمّ التأسيس عليها لفتح ملفات صيغة الشراكة.

بيدَ أنّ جانباً شديد الأهميّة لا يجوز الغياب عنه أو إغفالُه.

 

إنّ "التضحية" – أو "التنازل" – تمّا لحاجة وغاية سوريتيّن، أي لخدمة هدف النظام السوريّ بتوليد حكومة تابعة في لحظة حاجة داهمة له. وعندما يُقرأ الأمر من هذه الزاوية يمكن إستنتاج خلاصتين رئيسيتين. الأولى هي أنّ برّي خاصةً والثنائيّة الشيعيّة عامّة إنّما يمضيان في مسار "سورنة" الطائفة الشيعيّة. ذلك أنّ "السورنة" فرضت بين إقرار إتفاق الطائف وحتّى العام 2005 في مرحلة الوصاية السوريّة المباشرة، وتوبعت مع "دوز" من "الفرسَنة" (إيران) في السنوات الست الماضية، وتستكمل "السورنة" – "الفرسنة" الآن. أمّا الخلاصة الثانية فهي أنّ هذه "السورنة" اليوم ليست أقلّ من ربط مصير الشيعة اللبنانيين بمصير نظام سوريّ مهتزّ ومعزول (داخلياً وخارجياً) ومحاصر وآيل إلى السقوط.

 

لقد إستخدم برّي طيلة السنوات الماضية إدعاءه الميثاقيّة وإحترام الدستور في غايات تعطيليّة، وهو يستخدم اليوم عنوان "التضحية" في خدمة غرضيّة محدّدة للنظام السوريّ.. وهذا ما يقتضي مواجهته بهذه الحقائق جميعاً.

وأيضاً في مجال الإستنتاجات الرئيسيّة، لا مفرّ من التوقّف أمام ما آلت إليه المسمّاة "وسطيّة".

لا يتعلّق النقاش هنا بمصطلح فكريّ ولا بمشروع سياسيّ وسطيّ يمكن أن يكون جدياً بمعنى "تسوويّ" ما.. بل بوسطيين لم يكونوا كذلك وليسوا كذلك الآن.

 

ليسَ في النية الآن جردة حساب مع الرئيس ميشال سليمان، خصوصاً في الشهور الماضية بعد مساهمته في إسقاط الحكومة السابقة بـ"الوزير الوديعة". غير أنّ قراءة الرئيس في مرآة الحكومة تسمحُ بما لا يدعُ مجالاً للشكّ بملاحظة أنّه تخلّى عن مطالباته كافّة، وإشترك في إنتاج حكومة تهمّش قدرة الرئاسة (التوافقيّة!!) على ضبط الإيقاع السياسيّ بتوازن معيّن، وذلك بطلب من النظام السوريّ.

والنتيجة المباشرة لذلك هي أنّ الرئيس ربطَ مصيره بمصير النظام السوريّ، وهذه خطيئة كبرى مبنيّة على إحتساب مغلوط للمعطيات والتوازنات.. وعلى خوف غير مبرّر لرئيس جمهوريّة من فريقٍ بذاته.

 

وإذا كانت وسطيّة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، أي محاولته تقديم نفسه وسطياً في مناخ الإستقطاب اللبنانيّ بين فريقين، قد سقطت بخروجه عن تفويض ناخبيه له على أسس معيّنة ثمّ بقبوله رئاسة الحكومة مشروطةً بأجندة "فريق حزب الله".. فإنّ الجديد على هذا الصعيد يتعلّق برئيس "جبهة النضال الوطنيّ" وليد جنبلاط.

 

منذ إنقلابه على 14 آذار – بصرف النظر عن ظروف حيثياته– في الثاني من آب 2009 لم يُرشق وليد جنبلاط 14 آذارياً بكلمة. لكنّه مضى في خياره "مستهوناً" الإشتباك مع حلفائه السابقين ومفتعلاً هذا الإشتباك، منزعجاً من عدم سير الحلفاء السابقين بخطه السياسيّ، مسلطاً هجماته على الرئيس سعد الحريري بغير مناسبة إلى حدّ الإنقلاب على تسمية الحريري في التكليف وإتهامه بين الحين والآخر بالسير في فتنة سنيّة – شيعيّة!. وعلى الرغم من "التذمّرات" التي كان جنبلاط يبديها أحياناً في الفترة الماضية من حلفائه الجدد، وبالرغم من بعض "النقنقة" على طريقته من ناحية ومن بعض الإشارات التي أطلقها حيالَ ما يجري في المنطقة من ناحية أخرى، فقد إرتضى وليد جنبلاط التموضع الحاسم بجانب نظام سوريّ يترنّح يقتل شعبه ويواجه باللبنانيين، وإرتضى أن يُشار إليه بوصفه "الوكيل المعتمد" للنظام السوريّ في آخر أيامه البائسة.. رافضاً دوراً كان يمكن أن يؤدّيه "بين" الأفرقاء في مقابل التهليل لحكومة مواجهة.

 

إنّ النقاط السالفة تؤشّر إلى معطيات رئيسيّة مرتسمة في المشهد اللبنانيّ، وتفرضُ نفسها مباشرةً ولا يتطلّب التأكّد منها قول البعض بإنتظار البيان الوزاريّ للحكومة.

إنّ هذه الحكومة، حكومة الأسد – "حزب الله"، هي إعلان معركة "يجب" أن تواجه بمعركة مقابلة لإسقاط السلطة السياسيّة الحاكمة. وإسقاط السلطة هو العنوان الحقيقي لمعركة ديموقراطيّة سياسيّة – شعبيّة – سلميّة تجيب على معركة الفريق الآخر وتجدّد تنسيب 14 آذار إلى الربيع العربيّ وإنتفاضات الشعوب العربيّة. وهذا ما ينبغي على 14 آذار أن تنكبّ على دراسته وتنظيمه في الأيّام المقبلة.