التاريخ: حزيران ٢١, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
من سيدي أبو زيد إلى درعا مروراً بكل الميادين - طلال خوجة

تثير فضولنا مواقف بعض النخب المشككة بجدوى التحرك ما يعني أنهم لم يدركوا حجم التغيير والاستعداد عند الشباب العربي.
بين ثورات اوروبا الشرقية واحتراق جسد بوعزيزي مرت المنطقة العربية بحركات احتجاج وأحداث كثيرة، منها الانتفاضات الفلسطينية وحركات الاحتجاج في المغرب العربي ومصر وغيرها وثورة الأرز التي فجرها زلزال الغاء الحريري  مروراً بربيع دمشق وقتل خالد سعيد ومئات غيره في أقبية التعذيب.


حين أحرق البوعزيزي نفسه لم يكن يعترض على بؤسه فقط، بل على هدر كرامته بصفعة من شرطية، فكانت لحظة التثقيل التاريخية التي استفزت كل الكرامات المهدورة من كل الطغم، خصوصاً تلك التي ظنت أن حاجة الغرب المخادع لها من جهة وابتزازه بواسطة الارهاب المرعي أو المخترق من جهة أخرى سيحميها من شعوبها، فتمادت حتى ابتدعت ما سماه سعد الدين ابرهيم "الجملكة"، مشيرا إلى التوريث في جمهوريات الاستبداد، وبالطبع دفع سعد الدين ثمن مواقفه من قبل مبارك رغم ما يربطه من صداقة مع العائلة باعتباره كان استاذاً لسوزان، تماماً كما دفع كثير من المثقفين والسياسيين والناشطين ثمن مواقفهم، البعض سجناً وتعذيباً والبعض تضييقاً في العمل حتى النفي، والبعض قتلاً والغاءً، كما حدث للبنانيين ولسوريين ولغيرهم.


ان الانتفاضات المتحولة الى ثورات والتي تغذت من كل ما سبق من احداث وحركات وارتكابات ومن تطورات سوسيولوجية ومعرفية تشكل، على عفويتها والتباساتها وتعقيداتها، المقدمة الضرورية لتغيير المفاهيم وطرق التفكير وانماط العلاقات داخل البنى المختلفة، وهي أنماط اًصبحت تشكل حاجزاً وليس عائقاً فقط أمام انتساب شعوبنا لمتطلبات الحياة الحديثة، والتي تستند على الحقوق والحريات الفردية والعامة والمنافسة القائمة على العدالة وتكافؤ الفرص، و احترام الآخر وحرية التفكير و إلغاء التمييز على أنواعه بما فيها التمييز ضد المرأة.


وتتغذى هذه الثورات من قدرة الشباب الثائر على استعمال وتطويع تكنولوجيا الاتصالات في مواجهة انماط القمع البدائية ولكن الوحشية وهذا يشمل النظام السوري الذي يحاول تحويل البلدات والمدن والدسكرات السورية الى مجموعة من "الحماوات" (جمع حماة) رغم الفارق الكبير بين وسائل المحتجين في الماضي (من الاخوان، المنظمين بالاجمال) وبعضها جنح للعنف ووسائل الاحتجاج السلمية والعفوية التي يقوم بها الشباب الثائر لكرامته وحقه في حياة حرة ومزدهرة ومجتمع ديموقراطي يقوم على تداول السلطة من قبل جميع السوريين بعد نصف قرن من الاستئثار الفئوي.


من هنا أهمية عدم الانزلاق والانجرار لأنماط غير سلمية من المقاومة نتيجة صعوبة الاحتجاج السلمي مع تصاعد القمع الاستثنائي والمترافق مع صمت أو تلكؤ عربي ودولي. لقد شكل التردد، وان مع التدرج والتكيف، الطابع الغالب لأداء الغرب عموماً تجاه الثورات خصوصاً ان مصالحه تحدد مواقفه ومقارباته. أما الأنظمة العربية فتتحسس من اية انتفاضة وهي ساهمت بتبهيت ومذهبة انتفاضة الأرز، رغم دعمها والاستفادة منها اقليميا، فكيف بالحري حين تجتاح الانتفاضات معظم الدول العربية وتصل الى المنامة عاصمة اللؤلؤ والساهرة على راحة زوارها السعوديين، ثم الى الشام.
ان انكفاء العرب وتردد الغرب يساعد على تصلب النظام السوري وداعميه، خصوصاً روسيا والصين وهم من غير المولعين بالحريات أصلاً (الشيشان وتيان آن مين: نموذجا).


لبنانيا، يستنسخ اصدقاء النظام السوري موقف الأخير ويبالغ البعض (وفي الواقع يفصح عن موقفه) في قضية الأقليات بما فيها المسيحية، غامزا من قناة خصوصية ما للواقع المشرقي ومرحبا باضفاء هذه الخصوصية على طبائع الاستبداد الذي يصبح وان من اقلية في وجه الاكثرية مبرراً لحماية اقلية اخرى، وفي هذا اعادة استحضار للموقف العوني من قضية حقوق المسيحيين المسروقة (يا للمصادفة!) من السنّة وبالتحالف مع القوى المسلحة الشيعية المرتبطة بسوريا وولاية الفقيه.


من هنا نستشعر الخوف والخطر على الكيان، تنوعا وسمة شبه ديموقراطية. ومن هنا سؤالنا للشباب اللاطائفي ان يعي هذا الخطر فلا  يخلط الدولة بالنظام ولا المقاومة بالسلاح الأقلوي والصراحة تجعلنا نقول إن "صمت" بكركي وجمعها الموارنة بأي ثمن سيسهل للبعض استجرار الكارثة على الاقليات والأكثريات معا، خصوصاً مع الايحاء من قبل اصدقاء النظام السوري بأن المنتفضين هم من مذهب معين وأن الديموقراطية لن تكون مضمونة النتائج، وكأن للحرية والكرامة وحقوق الانسان هوية طائفية أو مذهبية أو عرقية.


ألم يستفظع هؤلاء عدم اعتراف الغرب وإسرائيل بنجاح "حماس" بانتخابات نزيهة؟ لماذا يقلقون إذا من احتمال نجاح قوى بينها إسلاميون في انتخابات حرة في مصر وسوريا؟ ولماذا يعيب البعض على المنتفضين  الخروج إلى التظاهر من الحيز الديني المتاح نسبيا واستهجان هتاف "الله أكبر" في مواجهة "الرصاص العلماني"؟ ثم ألم يشكل الجامع المنصوري منطلق تظاهرات اليساريين الشماليين (المشبعين بأفكار ماركس والنهضويين) في وجه السلطة اللبنانية لمدة كبيرة؟ فهل نستبدل رواد النهضة بدعاة الاستبداد لحماية الاقليات؟ ثم كيف ينظر مضمرو كما مفصحو حلف الأقليات في الشرق إلى الأقلية اليهودية؟ والواقع فإن المنتفضين العرب (والسوريين في المقدمة) يلبون، وإن متأخرين، دعوة الكواكبي وجبران لهدم أسس الإستبداد والتخلف، بما فيها التلاعب بهواجس الأقليات، فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.


كما يبدو أن بعض المثقفين بمن فيهم اليساريون يحاكمون الربيع العربي بمعايير فلسفية ونضالية واقتصادية قديمة، منها معايير لينينية وكأن المنتفضين هم فئة او حزب قرر مكتبه السياسي حرق بوعزيزي أو إرسال فتيان درعا لكتابة غرافيتي، وقد استنسخ الحزب الشيوعي اللبناني موقف زميله البكداشي الذي لا يرى في ضاحية ركن الدين الشامية المنتفضة سوى مكان سكن قائده الراحل.
ما يثير فضولنا هو مواقف بعض النخب المشككة بجدوى التحرك وان بلغة التساؤل، ما يعني أنهم لم يدركوا حجم التغيير والاستعداد عند الشباب العرب، ومنها الحالة  السورية التي وصلت الى نقطة اللاعودة بفضل صمود وتضحيات فريدة، وتساؤلاتهم تذكرنا ببعض مواقف "الصفاء الطائفي" من الانقسام السياسي في لبنان. واذا كان الخوف من بعض التداعيات الخطيرة على لبنان جدياً (في طرابلس مثلا)، فان الانكفاء يساهم في اذكاء الخطر خصوصاً أن من طبائع الإستبداد القتل دون ترخيص في سياق دفاعه العبثي عن البقاء، مع أنه إلى زوال.


يبقى ان نشير ان الحساسية من قبل قوى 14 آذار حيال الوضع السوري (المعبر عنها بموقف إجمالي صائب بعدم التدخل) فضلاً عن بعض الالتباسات التي تساهم لقاءات بكركي في اذكائها، لا يمكن أن تستمر صمتا، خصوصاً حين يستنسخ الطرف الآخر مواقف النظام السوري ويخلق جواً من الخوف حتى أنه يستنسخ "شبيحة" لمنع إدانة القمع الرهيب في سوريا (طرابلس - بريستول)، ما يهدد بتحويل لبنان من واجهة للحريات يقلدها المنتفضون العرب الى ساحة للمواجهات يديرها مستبدون صغار، يسيرون عكس السير محاولين جعل لبنان جمهورية صمت، بعد أن هز المنتفضون دعائم جمهورية الخوف، ولربما يساهم  استحضار حكومة موديل2004 (رغم ميول رئيسها الإنمائية الحديثة) في تقوية نبض الحركة السياسية المعارضة والمدافعة عن ديموقراطية وحرية البلد وسيادته وازدهاره، وطبيعي ان تغيب المرأة عن هذا الموديل فموقعها في الإنتفاضات التي ستطيح نسختها اللبنانية بهذه الحكومة حين ينكشف عجزها عن إدارة الشأن العام في أخطر المفاصل.

 

(استاذ في الجامعة اللبنانية – طرابلس)