|
يعتبر الدكتور سعد الدين ابرهيم، المولود في المنصورة عام 1938. من رواد دعاة الديموقراطية في مصر منذ أواخر خمسينات القرن العشرين. بعد مشاركته في عضوية "المؤسسة العربية للديموقراطية" و"اتحاد الطلبة العرب" خارج مصر، أصدر الرئيس جمال عبد الناصر قرارا يمنعه عن العودة الى القاهرة. بعد تأسيسه "مركز ابن خلدون للدراسات والحوار"، واعلانه ان الرئيس مبارك اختصر النظام بأسرته وحاشيتها، اعتقل وسجن غير مرة، آخرها بين العام 2000 والعام 2003. وفي العام 2007 كان خارج مصر حين اتهم بالتآمر على النظام، فأقام في الولايات المتحدة ودرّس في جامعاتها، حتى أعادته الثورة الى بلاده في العام 2011. في مكتبه بـ"مركز ابن خلدون" الذي تحول محجة للصحافيين العرب والاجانب، التقته "النهار" وسجلت معه هذا الحديث.
■ أعادتك الثورة الى البلاد، كيف حدث ذلك، ومتى عدت؟ - مدفوعاً برغبتي في ان اشهد الحدث المصري الكبير وصلت الى مطار القاهرة في يوم تنحي حسني مبارك عن سدة الرئاسة، ومكثت في مصر اسبوعا عدت بعده الى الولايات المتحدة، فأكملت برنامج التدريس الجامعي هناك حتى نهاية العام الدراسي المنصرم، وفي اليوم الاخير منه عدت نهائيا الى بلدي، بعد تجربة مديدة ومتقطعة من التشريد والنفي والسجن منذ كنت طالباً جامعياً في القاهرة إبان الحقبة الناصرية. في هجرتي او منفاي الاميركي الاخير، امضيت اربع سنوات بدأت في العام 2007، بعد مرات كثيرة من النفي والسجن. ففي العام 2007، عقب مقابلتي الرئيس جورج دبليو بوش في براغ، اعتقد مبارك انني اتآمر عليه مع الرئيس الاميركي وأحرّضه على عزله وتغيير النظام المصري في عملية انقلابية. لذا سلّط زبائنه من الحزب الوطني الحاكم ضدي، فرفعوا عليّ في المحاكم المصرية 28 دعوى قضائية. وفي طل قانون الطوارىء كان في مستطاع النائب العام ان يعتقلني احتياطياً ويسجنني، فنصحني محامون كثيرون بالبقاء خارج البلاد، ففعلت حتى اطاحت الثورة الرئيس مبارك.
الازهريين ووسطية المصريين
■ من الفجوة الزمنية الاخيرة التي غبت فيها عن البلاد، كيف تنظر الى مصر الآن؟ - تعيش مصر الآن ثورة حقيقية. وهي بدأت سياسية في الشارع، لكن تداعياتها الثقافية والروحية والاجتماعية لن تتوقف عن النمو والتوسع. لذا لا بد من القول انها ثورة منعطف تاريخي كبير يطلق تحولاً على مستويات وفي ميادين مختلفة. هذا ما يشعر به زائر مصر قبل الثورة وبعدها. فحاجز الخوف الذي كان يربض على صدور المصريين منذ الحقبة الناصرية، إن لم يكن قد انهار تماماً، فإنه اصيب بشرخ كبير وعميق. (في هذه اللحظة من اللقاء دخلت الى مكتب الدكتور سعد الدين ابرهيم سيدة تحمل باقة زهور وعلبة من الشوكولا، مهنئة بعودته. فرجاها ان تنتظر فراغه من الحديث قائلاً انه يجري مقابلة مع صحافي لبناني، وصحافيين آخرين من اصقاع اخرى، فجلست السيدة في المكتب، وحضرت اللقاء مع الصحافيين الآخرين المنتظرين).
■ الشبان الذين يزورونك، ومنهم من شارك في الثورة، هل ترى فيهم شبابك؟ - طبعا. كل من شارك في الثورة بأفكاره وفي الشارع، يشعرني بعودة الشيخ الى صباه. لهذه العبارة ظلال جنسية، اضافة الى معناها الثوري في هذا السياق. (وهنا اشار محدثي الى رجل يجلس الى جانبه، ويساعده في النهوض عن كرسيه، كلما اراد استقبال زائريه ومصافحتهم، ثم قال: هذا الرجل، الاستاذ صبرا، اسلامي ارهابي قديم. لكن رغم اسلاميته الارهابية، تجده يبتسم ضاحكاً، كلما تحدثنا عن الجنس. وهنا أطلق الرجل ضحكة مجلجلة).
■ قرأت لك، اخيراً، مقالة صحافية تقارن فيها بين الشاب وائل غنيم صاحب مدونة "كلنا خالد سعيد". والمستشار الكهل طارق البشري، صاحب الماضي اليساري والمنتقل الى اسلامية سياسية، والمشارك في لجنة صياغة التعديلات الدستورية الاخيرة بعد الثورة. وفي مقالتك هذه اشرت الى ان البشري في التعديلات الدستورية التي صاغها، وضع حواجز دستورية تحول دون امكان ترشح غنيم الى رئاسة الجمهورية، رغم انه شارك مشاركة فاعلة في صناعة الثورة. كأن البشري في هذا يحمل ما يشبه ضغينة ما ضد شبابه القديم، وضد جيل شاب في عمر احفاده. هل ترى ان البشري اتكأ على خروج التظاهرات من المساجد في ايام الجمعة، كي يطلق ضغينته الاسلامية في التعديلات الدستورية؟ - لا، لم يفعل البشري ذلك، لأن تظاهرات ايام الجمعة انطلقت من المساجد. بل لأن واضع التعديلات الدستورية اشد محافظة واسلامية منه ثورياً. نحن في مصر لدينا ظاهرة غريبة تتمثل في ان آباء عدد كبير من اليساريين والماركسيين كانوا ازهريين. ومن هؤلاء طارق البشري الذي كان والده شيخ الازهر. وحين يتقدم ابناء هؤلاء المشايخ الازهريين في اعمارهم، يأخذهم شعور بالذنب لأنهم تمردوا على آبائهم، فيعتنقون اسلاماً محافظا ومتشدداً. ومن هؤلاء، الى البشري، المرحوم عادل حسين وغيرهما كثيرين. ووائل غنيم نفسه والده ازهري. ومصطفى محمود الذي سمّي باسمه جامع كبير وميدان في القاهرة بحي المهندسين، لم يكن ماركسياً في شبابه، فحسب، بل كان ملحداً، فساهم في تشييد المسجد بعد هدايته الاسلامية.
■ ما تأثير ما يمكن تسميته "الغلاف الاسلامي" على الثورة ومسارها المستقبلي، في رأيك؟ هذا الامر جزء لا يستهان به من الجدال الدائر في الساحة المصرية اليوم. في بعض المقالات التي كتبتها اخيراً بالعربية والانكليزية، اشرت الى أن تيارات كثيرة تحاول اختطاف الثورة. وهذا ما حدث في الثورة الايرانية. أنا ارى ان تلك الثورة لم يصنعها آيات الله، بل "مجاهدو خلق" الذين كانوا شباناً يساريين في معظمهم، مثل شبان ميدان التحرير في القاهرة. لكن اسلاميي ايران ركبوا الموجة الثورية، ولأنهم كانوا منظمين استطاعوا الاستيلاء على الثورة الايرانية. وهذا ما حصل في الثورة الروسية بين شباط وتشرين الاول من العام 1917. فالأقلية الشيوعية، أي المناشفة، سرعان ما صاروا اكثرية، اي بلاشفة، في غضون ثمانية شهور. وهذا يعني ان الثورات يمكن ان تسرق وتتقاذفها تيارات كثيرة.
■ هل من المحتمل أن يحدث هذا في مصر؟ - طبعاً. لكن يقيني يحملني على القول إن شعب ميدان التحرير شعب متوازن. فعندما كانت الكفة في الميدان تميل في اتجاه معين، سرعان ما كانت تستعيد توازنها في النهار التالي. وهذا يجسد وسطية مصر وشعبها، ورجائي أن تستمر، وأن يساهم الإخوان المسلمون في استمرار هذا التوازن، لأنهم أكثر الإسلاميين تعقلا، ومروا في تجارب كثيرة عركتهم وزادت من خبراتهم.
■ ألا ترى أنهم يجارون موجة كبرى في البلدان العربية، وأنهم يماشون متطلبات الحساسية الدولية التي تركز على الديموقراطية والحرية وتداول السلطة عبر صناديق الاقتراع، وينتظرون مناسبة مؤاتية للتشبث بالسلطة وصولا الى دولة إسلامية؟ - لا أستطيع أن أحدس ماذا يدور في قلوبهم وضمائرهم، لكنني عندما أسمع كلامهم أقول إنه حسن، حتى ولو كانوا هم أنفسهم لا يصدقونه، ويقولونه كنوع من أنواع التقية. ذلك لأن تكرارهم مثل هذا الكلام يعني كما لو أنهم يوقوعون عقداً لفظياً، قد تصعب عليهم التبرؤ منه لاحقاً. وفي الحياة الانسانية ليس هنالك من أمر مستحيل. لكن في الأحوال جميعاً ليست وعود هذه الجماعة أو تلك هي التي تحرس الثورة، بل الوعي الجمعي للمصريين في وسطيتهم التاريخية والعميقة التي قد تكون حصيلة الصراع والتعدد السياسيين اللذين أطلقتهما الثورة نفسها، ويصعب العودة عنهما الى سلطة استبدادية او ديكتاتورية.
أداء الجيش المتحضر
■ والمؤسسة العسكرية، كيف تنظر الى دورها؟ - الجيش هو لحظة التوازن أو صمام الأمان الراهن في العملية السياسية الانتقالية. فالمؤسسة العسكرية المصرية، لا تشبه نظيراتها في دول اميركا اللاتينية، ولا في تركيا. فهي لم تتدخل في السياسة الا في ماندر طوال القرنين الماضيين. فقبل إنشاء محمد علي باشا الدولة المصرية الحديثة في العام 1805، لم يكن يحق للمصريين أن يدخلوا الجيش. للمرة الأولى تدخل العسكريون المصريون في السياسة مع أحمد عرابي وثورته في نهاية القرن التاسع عشر. والمرة الثانية حصلت في منتصف القرن العشرين مع جمال عبد الناصر وضباطه الأحرار. والمرة الثالثة هي صيغة تدخل المجلس العسكري الراهن الذي تدخل في عزل رأس النظام...
■ لكن المؤسسة العسكرية المصرية حكمت مصر طوال 60 سنة، مباشرة في الحقبة الناصرية، وعلى نحو غير مباشر في الحقبة الساداتية والمباركية. - ستون سنة لا تساوي شيئاً في تاريخ بلد عمره ستة آلاف سنة. وفي المخيلة المصرية ليست السنون الخمسون والمئة سوى لحظات عابرة في تاريخهم المديد.
■ هل انت راضٍ عن الاداء السياسي للمجلس العسكري؟ - يمكنني القول إن اداءه معقول حتى الآن. فهو يتصرف على نحو متحضر، اكثر مما كان يتوقع كثيرون. فالعسكريون، كما بدا، على استعداد لتغيير آرائهم، وللتخلي عن ادارتهم البلاد في اقرب فرصة. وبعض القوى تطالبهم بالاستمرار مدة اطول، فلا يغادروا قبل استقرار الأحوال وتوازنها، لكنهم مصرّون على ترك السلطة. وهذا امر غير معتاد في دول العالم الثالث.
الهوية والخراب العمراني
■ هل تلمح تدافعاً او ارتجاجاً او حيرة في الهوية المصرية، وما دور الاسلام في هذه الهوية؟ - ارى شيئاً من التوتر بين ثلاثة مكونات في الهوية المصرية: المكون الوطني المصري، والمكون العربي، والمكون الاسلامي. والمواطن المصري لديه شعور بأنه يحمل هذه المكونات الثلاثة. فهو وطني مصري وعربي ومسلم. الحوادث والظروف هي التي تحمله على تقديم هذا المكون او ذاك على حساب المكونين الآخرين. فإذا حصلت ازمة او نكبة في بلد عربي ما، تراه يظهر مكونه العربي. وإذا برز تهديد لمعتقده الديني، يقفز المكون الاسلامي في هويته الى السطح. وحين يتهدد ترابه الوطني يبرز المكون المصري على حساب المكونين الآخرين. والسبب في هذا كله ان الشعب المصري لديه تراكم حضاري متصل وعميق الجذور ويتكون من هذه العناصر الثلاثة. فالمصري يتصرف في لحظة من اللحظات كأنه فرعوني قديم. وفي لحظة اخرى يتصرف كمسلم شديد الايمان. وفي لحظة ثالثة تجده عربياً متصلباً. هذا التعدد في مكونات الهوية لا تجده في اي بلد عربي آخر. اما الآن في هذه اللحظة التاريخية، فإن المكون الوطني المصري هو الابرز والاقوى، استجابة لرغبة بناء مصر جديدة وديموقراطية. وهاتان الكلمتان هما الأكثر تداولاً في القاموس السياسي اليومي الراهن. وهذا ما يظهره التحليل المضموني لما يرد في الصحف المصرية اليوم.
■ والخراب العمراني الكبير الذي نلمحه في المشهد اليومي المصري، كيف يمكن معالجته؟ - هناك مصريون كثيرون يفكرون في هذه المسألة اليوم. لكن يبدو ان المصريين تعودوا على التعايش مع ما تسميه الخراب العمراني.
■ المعضلة الطائفية كيف تنظر اليها اليوم؟ - تطفو المسألة الطائفية الى السطح في مصر في جعب معينة، وتتداخل عوامل كثيرة في تحريكها وبروزها. ففي اوائل القرن الماضي، بين العام 1904 والعام 1907، عاشت مصر توترات طائفية. وهي خبت الى ان برزت مجدداً في العام 1971 في بلدة في القلوبية. ثم بدأت تظهر في السنوات الاخيرة من عهد الرئيس مبارك. القاهرة – محمد ابي سمرا
|