التاريخ: حزيران ٢٧, ٢٠١١
المصدر: جريدة الحياة
الحب في زمن الجراثيم - سامر فرنجية

أكدت الثورات العربية صعوبة، بل استحالة، انتقال الأنظمة القمعية سلمياً إلى الديموقراطية. فلم ينجح أي من الرؤساء العرب المخلوعين في القيام بإصلاح فعلي، أو استيعاب الغضب الشعبي، وقد انتهوا إمّا في المنفى أو على طريق السجن أو طرفاً في حرب أهلية. وعلى رغم الآمال التي كانت معقودة على النظام السوري ورئيسه الشاب، يبدو كأن سلوك هذا النظام لن يختلف كثيراً عن سلوك نظرائه العرب ومستقبلهم. والخطاب الأخير للرئيس السوري جاء يؤكد هذه الشكوك. فبصرف النظر عن تكرار كلمة «إصلاح» أكثر من ثلاثين مرة في خطاب واحد، وإن كان طويلاً، فاحت رائحة التشكيك بقدرة، أو حتى برغبة، النظام بالإصلاح.


لقد ارتكزت الصورة العامة للوضع كما رسمها خطاب الرئيس على بعض الخصائص الأوّلية للتوتاليتارية. فاختزل الرئيس السوري السياسة بثنائية الزعيم والشعب، نافياً وجود أي مؤسسات أو أحزاب أو تراكيب اجتماعية يمكن أن تتوسط بينهما، ومؤكداً العلاقة المباشرة بينه وبين «أبنائه». وكانت ترجمة هذه العلاقة بـ«اللقاءات الشعبية» التي عقدها من أجل فهم «التفاصيل المباشرة من المواطنين بعيداً عن أي أقنية قد تقوم بعملية تصفية أو فلترة للمعلومات»، فهي أقنية لا بد من أن تشوّش طهارة العلاقة المباشرة. وتمنى الرئيس لو أنه قادر على التقاء «كل مواطن سوري» لترسيخ هذه العلاقة، خارج الوسطاء والأقنية المؤسساتية، فكأن الأسد استجاب دعوة الشاعر أدونيس بأن لا يكون رئيس حزب بل رئيس شعب، بما يضخّم زعامته التي لا تعود تكبحها أية مؤسسة أو حزب.


هذا التصور للعلاقة بين الحاكم والشعب ليس إلا الترجمة الخطابية لسياسة تفريغ المؤسسات من كل مضمون فعلي، وتحويل النظام السوري إلى نوع من الجماهيرية لا يسكنها إلا شعب «يهب» و«يبرهن» ويمتلك «الحس الوطني والحدس التاريخي»، وزعيم يقف خارج التاريخ والسياسة. ذاك أنّه، ووفقاً لهذا التصوّر، هناك هوّة بين الرئيس والشعب تملأها المحبة وحدها، أو كما أعلن الرئيس في خطابه: «المحبة والحب الذي لمسته من أولئك الأشخاص الذين يعبرون عن معظم الشعب السوري محبة لم أشعر بها في أي مرحلة من مراحل حياتي» (ربما لم يسمع الرئيس هتاف «ما منحبك…»). هكذا نسج الخطاب شبكة من علاقات الحب بينه وبين كل مواطن سوري، في هوياته الفردية والجماعية، شبكةً تقف خارج التاريخ والسياسة، تنجرّ عنها علاقات منيعة على الثورات العابرة.


لكن حتى في مملكة الحب، يمكن للعدو أن يتسلل ويخرّب هذه العلاقة الطاهرة. وقد جاءت المؤامرة، فزاعة الأنظمة الاستبدادية المفضلة، لتحاول أن تدمر هذه «الجنة». والدلائل على المؤامرة كثيرة، كما أشار الخطاب: من «الضغط الإعلامي» إلى «الهواتف المتطورة». واستعان الرئيس السوري بتعابير طبية لتشخيص المؤامرة، مذكّراً بنظريات النازيين «العلمية». فالمؤامرات كالجراثيم، «تتواجد في كل مكان على الجلد وداخل الأحشاء»، والرئيس كـ «العلماء عبر تاريخ التطور العلمي»، لا يفكر بإبادة الجراثيم بل بتقوية المناعة لصدّها. وبصفته الطبيب الأول في سورية، شخّص الرئيس الوضع، وصنّف الشعب. ذاك أنّ التصنيف، كما كتب زيغمونت باومان في دراسته للتجربة النازية، من هوايات الأنظمة التوتاليتارية الأثيرة.


وبحسب الرئيس، يتألف الشعب من مكونات ثلاثة: الأول صاحب الحاجات المشروعة. وهذا المكون، وبطريقة علمية، يمكن أن ينقسم بدوره إلى قسمين، الجزء الذي يتظاهر والجزء الذي لا يتظاهر. أمّا المكون الثاني فيتشكل من الخارجين على القانون، وعددهم يصل إلى «64 ألفاً وأربعمئة وكسور». فالرئيس، كالعالم، دقيق. وأمّا المكون الثالث، فهم الإرهابيون الذين بلا هوية، والذين يخرّبون من أجل التخريب.
وليس من الصعب استقراء ثلاثية «الجنة» والمطْهر والجحيم في هذا التصنيف. فمن موقعه الواقف فوق الشعب، يستطيع الرئيس استطلاعه وتشخيصه كالطبيب إذ يستخلص المكونات السرطانية من أجل حماية المكونات السليمة. ذاك أنّ طهارة الشعب المحب، التي بدأ الخطاب بها، أصبحت صفة لمكوّن واحد من مكوّنات الشعب. أمّا المكونان الآخران، فللرئيس أن يقرر ما إذا كان سيعاد إصلاحهما، بحيث يدخلان «الجنة»، أم يُطهّران كالجراثيم.


ومع طرد سورية من جنة عدن القائمة على علاقة الحب المتبادل بين الرئيس وشعبه، لا بد من إعادة الإمساك بالتاريخ. وهذه ضرورة عبّر عنها الرئيس السوري بعنفوان إرادوي، حوّل فيه التاريخ إلى مادة خام، متروك للشعب الطاهر والمطهّر ولزعيمه أن ينحتاها سوياً. فالمستقبل، بحسب الرئيس، «يصنع» و «يُسيطَر عليه» و «يُقاد» و «يبرر الشهداء». ومع التطور، ترتاح أرواح الشهداء «التي لن تكون حينئذ مجرد دماء مهدورة بل دماء ضحى بها أصحابها من أجل أن تزداد قوة ومناعة وطنهم». حتى الاقتصاد يخرج من دائرة المجتمع ليصبح نتيجة إرادة المواطنين، الذين يساهمون في دعم الليرة السورية. فإذا لم تكن هذه الإرادوية كافية، طعّمها الرئيس بتاريخانيات كولونيالية: من هنا وَصْفُ أعدائه بـ «مجموعات تنتمي لعصور أخرى عصور غابرة... تنتمي إلى فترة لا نعيشها ولا ننتمي إليها». وفقط بعد التصنيف والتطهير، ترجع سورية جسماً واحداً معافى، بقيادة رئيس واحد محب، فتسيطر على المستقبل وتصنعه بمجرد فعل إرادة.


لقد أراد الرئيس خطابه إصلاحياً، فجاء معبراً عن حقيقة النظام. استدعى جميع مفردات الأنظمة القمعية. على النحو هذا خلص الخطاب الى ثنائية مكوّنها الأول يضم الرئيس والشعب وعلاقات الحب الأزلية فيما يتكوّن الجزء الثاني من المعادلة من المؤسسات واللجان والهيئات، وهو عالم الفساد وبطء الإصلاح وقلة الإمكانات وكثرة الأخطاء. فقبل الخطاب، كان الشعب السوري حيال نظام الحزب الواحد المسيطر على الدولة وإن كانت الدولة هذه ضعيفة. لكن بعده، أصبح حيال جماهيرية بقيادة زعيم - أب، قرر الاستغناء عن السياسة لنسج علاقات حب مع شعبه. إذاً المطلوب، اليوم، وعلى عكس المقولة الأدونيسية، ليس تحرير الرئيس من حزب البعث، بل حماية ما تبقّى من المؤسّسات من علاقات الحب الُمفرّغة من السياسة، ومن هذه المؤسّسات ربما كان حزب البعث نفسه.