التاريخ: تشرين الأول ٧, ٢٠١٣
المصدر: جريدة الحياة
الإسلاميون بين الإصلاح والسلطة - محمد الأشهب
تبدو السلطة مثل الرحى، إن لامسها شيء بلطف صقلته، وإن ضغط عليها بقوة مزقته. كذلك حال تجارب حكم الإسلاميين بعد الربيع العربي، ففي المغرب مثلاً، هدد حزب العدالة والتنمية الحاكم باستخدام الشارع دفاعاً عن مشروعه الذي يقرنه بالحرب على الفساد والاستبداد. وإذ سبقه خصومه في المعارضة، الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، في حشد تظاهرات احتجاجية ضد أداء الحكومة التي يقودها، ولم يكمل العامين بعد.
 
زاد في تعقيد الموقف أن انفراط عقد التحالف الحكومي، على خلفية انسحاب وزراء الاستقلال، لم يوازه بديل احترازي يجلب من الرف الأقرب إلى متناول اليد. ما يعني أن رئيس الحكومة بن كيران فكر في كل شيء، إلا أن يواجه محكّاً صعباً في إكمال النصيب النيابي لحكومته. وسواء كان انسحاب الاستقلال مدروساً أو ترتب عليه تطورات كانت غائبة عن الأذهان، فإن الوضع يشابه مأزق حكم الحرية والعدالة في مصر والنهضة في تونس، مع قياس الفارق في التعاطي والأزمات.
 
لم ينصت الرئيس المصري المعزول محمد مرسي إلى الأصوات التي كانت تحضه على الحوار والانفتاح، فواجه مصيراً لم يدر حتى في الحلم. ولم تلتفت النهضة في تونس إلى غليان الشارع والتذمر من اغتيال المعارضين، فاضطرت إلى الاستسلام لإبرام اتفاق خريطة طريق نزعتها منها صفة المبادرة. والحال أن بن كيران تجاهل مجرد طلب صغير لناحية إجراء تعديل حكومي، فتدحرجت كرة الثلج في اتجاه ركام أكبر من الخلافات. وقدم الحليف الاستقلالي الذي كان يشاركه في الائتلاف الحاكم هدية على طبق من ذهب إلى ضفاف المعارضة التي كانت تتحين الفرصة.
 
لا يميل «العدالة والتنمية» المغربي إلى أي فكر انقلابي، فقد أفاد من فترات التضييق على الحركات الإسلامية ونهج خيار الاعتدال والواقعية. إلا أنه عند استلامه المسؤولية استسلم لمشاعر جامحة، يمكن ربطها بدهشة الربيع العربي الذي أسقط الكثير من المعادلات والقلاع. ولعله يشترك وباقي الحركات الإسلامية التي اعتلت الواجهة في إلغاء قوانين الصراع. بخاصة وأن النجاح الذي حققته هذه الحركات في استقطاب الشارع وتأطير الأصوات الاحتجاجية الغاضبة، لم يرادفه نجاح مماثل في التدبير السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يبتعد عن الاستعلاء والاحتكار.
 
غير أن آمال تغيير هائل لم ترافقه أعمال ملموسة، باستثناء الانشغال بأرضية إصلاح وفاقية، لأن الإرث كان ثقيلاً. ولم يرحم الشارع رجالات المعارضة الذين قدموا تضحيات جسيمة من عذابات الاعتقال والنفي والقمع. وكان حريّاً بالحزب الإسلامي المغربي أن يستحضر خلاصات التجربة المثيرة في وقتها. والحالات أن الحركات الإسلامية التي حملها الربيع إلى الواجهة لم تستبدل خطاب الانتقاد والشكوى من المضايقات بآخر يركز على التدبير العقلاني للقضايا المطروحة. وربما كان الفرق بين تجارب ديموقراطية تنهل من نبع التعددية وترتضي التداول على السلطة سلمياً، وفق أجندة الانتخابات، ومثيلاتها المتدثرة بعباءات إسلامية، أن الأخيرة لا تريد أن تذعن للمواقف العقابية، سواء صدرت من صناديق الاقتراع ومن زخم حركة الشارع. ما يعني أنها تقيس مفهوم الديموقراطية بالاستئثار بالسلطة من دون منازع. وتنظر إلى الدعم الذي حظيت به داخلياً وخارجياً بمثابة شيك على بياض. مع أن الأمر يتعلق بتعاقد قابل لأن يفسخه من يرى نفسه متضرراً من استمراره.
 
لا يضغط هاجس التغيير دائماً في الاتجاه الصحيح. والراجح أن اصطفاف الناخبين إلى صف حركات إسلامية كان يجسد الرغبة في التغيير، من دون اشتراط أي مواصفات. وما دام الخطاب الإسلامي في المعارضة كان مقنعاً ومغرياً باستناده إلى مفاهيم أخلاقية لها بريق خاص في التأثير على المشاعر. فقد صادف ذلك ميلاً طبيعياً إلى تجريب آخر الوصفات المطروحة برسم العلاج. والأهم معاودة إنتاج الخطاب ذاته. لكن من موقع كشف الحساب عن استطاعة هذه الحركات وهي على رأس السلطة، وعما لم تستطعه وهي على شفا الهاوية.
 
لكن أروع ما في الديموقراطية أنها لا تغلق الأبواب. والعودة إلى المعارضة ليس قدراً. فقط تتعين ممارستها بوازع القياس بين الممكن والمستحيل على طريق انتقال يبدو هشاً، لكنه يشي بالرغبة في تجاوز المأزق.