التاريخ: تشرين الثاني ١٢, ٢٠١٣
الكاتب:
المصدر: The Daily Star
سوريا وفلسطين وبعض الغربيّين
يمكن لمن يُقيمون في عواصم غربيّة ويحتكّون بجمهور عام ليس بالضرورة صاحب انتماءات أو مواقف سياسية أو إيديولوجية، أن يلاحظوا أنّ الدفاع عن القضية الفلسطينية أمام هذا الجمهور والحديث معه عن انتهاكات الاحتلال الاسرائيلي وسياساته العدوانية أسهل اليوم من الدفاع عن القضية السورية والحديث عن جرائم النظام الأسدي. 

فثمة تآلف "غربي" منذ سنوات مع الوضع في فلسطين حيث توصيف "الاحتلال" لم يعد موضع جدل كبير، وحيث عدد ضحايا "العنف" المباشر محدود، وحيث المستوطنون يتمّ تعريفهم بالمتطرّفين، وتُلام الحكومة الاسرائيلية التي تشجّعهم وتمتنع عن تطبيق القرارات الدولية.
 
وقد أتى تصويت دول أوروبية لفلسطين في الأونيسكو وامتناع دول أُخرى عن التصويت ضدّها رغم كل ضغوط الإدارة الأميركية قبل عامين، ليؤشّر الى هذا التآلف الذي لم يعد يخشى التعبير عن نفسه، ولو أنه غير قادر بعدُ على التأثير الكبير في مآلات الصراع (الفلسطيني الاسرائيلي) ذاته.
 
في المقابل، لم يتآلف كثر من "الغربيّين" حتى الآن مع الحدث السوري بوصفه ثورة ضد طاغية، وما زالوا يستغربون أن تكون أموره في جوهرها بهذه "البساطة" أو الوضوح، خاصة في ظلّ صور القتال وأرقام الضحايا المخيفة وأخبار الجهاديّين الذين يحتلّون موقع الصدارة بوصفهم "أعداء الأسد".

على أنّ لأمر انتفاء التآلف أسباباً أُخرى لدى قسم غير قليل من العامة، غير قضية الجهاديين أو قضايا الخوف من الإسلاميين (أو المؤامرات التي يهجس بها كثرة من اليساريّين).
 
من هذه الأسباب مثلاً، مقولة منتشرة مفادها "أن وضعاً سورياً بهذه الضراوة لا يمكن ألّا تكون فيه مصالح ومخططات لا يتمّ الإفصاح عنها، ومن الأفضل عدم تصديق ما يُقال حوله في ظلّ إخفاء هذه المصالح والمخططات. فلا حاجة بالتالي لأخذ موقف لأن الواقع معقّد وفيه أجندات متضاربة كثيرة".
 
من الأسباب أيضاً خلوّ المخيلات "الغربيّة" من كلّ قدرة على تصوّر ممارسات العنف البربري لنظام ضد "شعبه" و"بلده" في القرن الواحد والعشرين. لذلك، يبدو القول في تجويع النظام الأسدي لمدنيّين ومدنيّات وضربهم بالكيماوي وتعذيب أسرى بالسكاكين وتحطيم عظامهم وقصف أطفال بالطائرات وصواريخ السكود بالنسبة للسامعين ضرباً من ضروب المبالغات أو تعميم استثناءات على سلوك حُكم لا يُفترض أن له مصلحة في تدمير دولته ومجتمعه الى هذا الحدّ، واستجلاب التدخل الدولي في شؤونه!
 
ومن الأسباب كذلك صعوبة تصديق أن دعماً خليجياً لطرف سياسي في بلد ما يمكن أن يرتبط بقضية ديمقراطية أو حرية وكرامة. فصورة أنظمة الخليج (أقلّه في أوروبا) سلبية، والارتباط بها يثير الشكوك، خاصة إن كان في مشهد الارتباط لحىً و"ملابس أفغانية".
 
هكذا، تضطرب الرؤية السياسية تجاه سوريا في أوساط شعبية غربيّة عديدة، وتنتشر نظريات تسهـلّ على من يريد الانكفاء وإغماض العين مهمّته، وتختلط الأمور بين قضايا مشروعٌ نقاشها وترّهات أو آراء جاهزة، ويجد كثر صعوبة في تصديق أخبار عن استعداد شخص في العام 2013 لقتل مئات الآلاف في سبيل البقاء في "كرسي" ورثه من والده قبل ثلاثة عشر عاماً. فكيف إن أخبروا أن ثمة من يقول له بعد كل ذلك: "صغيرة يا كبير"!؟