في محاولة مني للتحديد العلمي لما حدث في "30 يونيو" (حزيران) حين نزلت الملايين إلى الشوارع استجابة لحملة "تمرد"، وفي 3 تموز تاريخ مبادرة القوات المسلحة لدعم الإرادة الجماهيرية التي سعت لقلب نظام الإخوان الاستبدادي، اعتبرت ان ما حدث هو في الواقع انقلاب شعبي. ولم يرضِ هذا المصطلح عدداً من قرائي الكرام الذين سجلوا انتقاداتهم على شبكة الإنترنت، منطلقين من التفرقة التقليدية في علم السياسة والتي تذهب إلى أن الثورة شعبية أما الانقلاب فهو ما يقوم به الجيش في التمرد على نظام سياسي شمولي أو سلطوي وانتزاع السلطة منه.
غير أنني - في غمار ترحالي الفكري على شبكة الإنترنت - اكتشفت دراسة مهمة لأستاذ القانون في جامعة "هارفرد" واسمه أوزال ڤـارول (وهو من أصل تركي) عنوانها المثير "الانقلاب العسكري الديموقراطي". وهي تقدم نظرية سياسية جديدة تذهب – عكس الاتجاه السائد في علم السياسة- بأن كل الانقلابات العسكرية مضادة للديموقراطية وأن هناك نمطاً خاصاً من الانقلابات العسكرية تقوم ضد النظم الاستبدادية لتدعيم الديموقراطية، بأن تفتح الباب لانتخابات سياسية نزيهة تتم في مرحلة انتقالية قصيرة، وبالتالي يتم تسليم مقاليد أمور الدولة لسلطة مدنية.
ونظراً الى جِدَّة هذه النظرية واصلت البحث. واكتشفت أنها مثلت -وفق النظريات الفلسفية- "ثورة علمية" في مجالها، لأنها مثلت قطيعة معرفية مع الاتجاه السائد، ونظرت إلى مشكلة الانقلابات العسكرية من منظار مختلف، لأن بعضها يعدّ أداة رئيسية من أدوات تدعيم الديموقراطية.
ومما يؤكد أن نظرية ڤـارول مثلت ثورة علمية تعدد الدراسات السياسية التي انطلقت من مسلماتها لتفسير الأحداث السياسية الكبرى التي حدثت في العالم، وخصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة، والثورة التي اندلعت ضد النظم الشمولية والسلطوية والتي قادتها في عدد من الحالات البارزة القوات المسلحة التي قامت بانقلابات عسكرية ديموقراطية.
ومن أبرز الأمثلة على هذه الدراسات الجديدة الدراسة التي نشرها كل من نيكولاي مارينوف وهاين چــيوماتز. بعنوان "الانقلابات والديموقراطية" والتي نشرت في "المجلة البريطانية للعلوم السياسية" وذلك عام 2013.
لذلك فيمكن القول أن الانقلاب الشعبي شرعي، والدليل عليه أن الأحزاب السياسية والقادة الدينيين وافقوا عليه، وأهم من ذلك جماهير الشعب الغفيرة التي نزلت إلى الشوارع لإسقاط حكم الإخوان المسلمين. وأعترف للقارئ أنني كدت أستغرق في مناقشات أكاديمية مطولة مما يعد ترفا فكرياً لا يجوز أن نمارسه في الوقت الذي يمر فيه الوطن بلحظة تاريخية وأزمة تمثل ضرورة الانتقال الرشيد من دوائر الاستبداد السياسي والتطرف الديني إلى آفاق الديموقراطية الحقيقية، وليست الديموقراطية المزيفة التي ترفع كذباً شعارات "الشرعية" و"الصندوق".
ولذلك وجدت من واجبي أن أنبه إلى المخاطر العظمى الماثلة في هذه اللحظة التاريخية بعد إعلان خريطة الطريق والشروع الفعال في تنفيذها.
ولعله من الإيجابيات البارزة أن "لجنة الخمسين" انتهت تقريباً من صوغ التعديلات الدستورية التي ستطرح على الاستفتاء العام. ويعقب ذلك الانتخابات البرلمانية التي ستليها الانتخابات الرئاسية. وإن كنا نفضل أن نبدأ بالانتخابات الرئاسية لأن رئيس الجمهورية أياً من كان هو الذي سيشير إلى التوجهات الرئيسية للنظام السياسي الديموقراطي الجديد. والسؤال الرئيسي هنا ما هي المخاطر السياسية الراهنة؟
أولها ولا شك كيفية مجابهة التظاهرات التخريبية التي يقوم بها أعضاء جماعة الإخوان المسلمين تحت شعار خادع وهو أنها تظاهرات سلمية.
ولا شك عندي في أن حق التظاهر السلمي وحق الاعتصام هي من بين المكاسب الكبرى لثورة 25 يناير. ولكن علينا أن نعترف بشجاعة أن هذه الحقوق أسيء استخدامها للغاية بواسطة كل القوى السياسية بلا استثناء بما فيها الائتلافات الثورية.
وذلك أنه تحت شعار "السلمية" تعمّد العديد من التظاهرات الحاشدة الاصطدام بقوات الأمن في شارع "محمد محمود"، أو استفزاز القوات المسلحة في تظاهرات العباسية، مما يترتب عليه وقوع ضحايا ومصابين لأنه من المنطقي أن تدافع مؤسسات الدولة عن نفسها ولا تسمح لأي تيارات سياسية مهما كان وصفها أن تقتحم مبانيها الرئيسية وتعيث فيها فساداً كما حدث عشرات المرات.
كما أن التظاهرات المليونية التي تبارت القوى السياسية المتصارعة في الدعوة إليها والاحتشاد في الشوارع استجابة للدعوات إليها أدت إلى موقف فوضوي في البلاد لا سابقه له، وكل ذلك – للأسف الشديد - كان يتم تحت شعار "الثورة"!
ونحن نعرف تماماً أن "ثورة 25 يناير" فجرت شلالات الغضب لدى ملايين المصريين، وأدت إلى انفجارات سياسية واجتماعية لا حدود لها، ولكن آن أوان القيام بوقفة نقدية ومحاسبة للذات القومية.
وفي هذا الإطار حاولت الوزارة الراهنة إصدار تشريع لتنظيم حق التظاهر، غير أن القوى السياسية وفي مقدمها الائتلافات الثورية رفضت الفكرة على أساس أن فيها مصادرة لحق التظاهر السلمي المقدس!
غير أن هؤلاء المعترضين لم يقدموا للمجتمع حلولاً لمشكلة التظاهرات المتكررة، ولا لظواهر الاعتصامات والتي أخذت صوراً تخريبية في "رابعة والنهضة".
ومعنى ذلك أن هذه القوى السياسية الرافضة تريد تكليف الحكومة بالمستحيل وهو إطلاق التظاهرات بلا قيود، ومطالبتها بحل مشكلة الفوضى والانفلات الأمني وتعطيل مصالح الناس وقطع الطرق في الوقت نفسه!
وفي تقديرنا أنه آن الأوان لمنع هذه التظاهرات التخريبية بالقوة وإلا ضاع كيان الدولة ذاته. وذلك من خلال تفعيل نصوص القانون الموجودة في قانون العقوبات وفي ضوء التطبيق الدقيق لسيادة القانون.
أنظر إلى ما يحدث في الجامعات من تظاهرات فوضوية واعتداءات على المباني وعلى أعضاء هيئات التدريس، لماذا لا يطبق القانون بحزم على كل من يمارس التظاهر الذي أصبح في الواقع نوعاً من أنواع البلطجة السياسية المرفوضة.
وإذا انتقلنا إلى الانتخابات البرلمانية فنحن أولاً نهنئ أنفسنا بإلغاء مجلس الشورى الذي كان كيان سياسياً فاسداً خُطِّط له لتبرير قرارات السلطة المنحرفة، ولكن كيف يمكن إجراء الانتخابات البرلمانية بدون أن يسبقها قانون للعزل السياسي لقادة جماعة الإخوان المسلمين؟
نحن ندعو أن يشحذ قادة الائتلافات الثورية والأحزاب السياسية الليبرالية واليسارية قدراتهم للنزول إلى الشوارع لرفع الوعي الاجتماعي العام للمواطنين، من طريق تفنيد المزاعم الباطلة لجماعة الإخوان المسلمين من ناحية، وتقديم برامج مقنعة لرجل الشارع العادي مما يسمح لهذه الأحزاب أن تمثل تمثيلاً قوياً في مجلس النواب المقبل.
بعبارة أخرى مخاطر الثورة المضادة التي تقودها جماعة الإخوان المسلمين مازالت قائمة، ولابد من مواجهتها بالديموقراطية وسيادة القانون.
|