التاريخ: تشرين الثاني ١٨, ٢٠١٣
المصدر: nowlebanon.com
إمّا لبنان وإمّا المقاومة - حازم صاغية
تختصر مشكلتَنا مع حزب الله تلك العبارةُ التي وردت في خطاب رئيس كتلته البرلمانيّة محمّد رعد، وطالبت بلبنان يتكيّف مع المقاومة. ذاك أنّنا، نحن المهيضي الجناح في هذا البلد، قد نريد مقاومة تتكيّف مع لبنان، إلاّ أنّنا حصراً لا نريد لبنان متكيّفاً مع المقاومة.
 
والفارق كبير بين العبارتين اللتين توجز كلّ منهما منطقاً ورؤية بأكملهما. ذاك أنّ عبارة رعد تجعل المقاومة غاية ولبنان وسيلة، فيما العبارة الأخرى تفعل العكس.
 
في الحالة الأولى، قد يُضحّى بلبنان (على ما هي الحال راهناً) إذا ما استدعت مصلحة المقاومة ذلك. في الحالة الثانية قد يُضحّى بالمقاومة (يا حبّذا) إذا ما استدعت مصلحة لبنان ذلك. وهي تستدعي؛ في الحالة الأولى، هناك شعب المقاومة بوصفه المصدر والمرجع، ولا يُذاع سرّ حين يقال إنّ أكثر من 90 في المئة من هذا الشعب ينتمون إلى طائفة بعينها. في الحالة الثانية، هناك شعب لبنان بوصفه المصدر والمرجع، والذي يضمّ قوس قزح من الطوائف والمناطق. 
 
لكنّ المسألة أبعد من بنود تندرج في خانات الاستدلال والمنطق الشكليّ. فنحن، هنا، أمام حالة لا يمكن وصفها بأقلّ من نزعة انفصاليّة مصحوبة بإبقاء الوحدة الشكليّة ما دام الحزب قادراً على التحكّم بها. أي أنّ الحزب ينفصل بمجتمعه المضادّ فيما يتّصل بالآخر اتّصال هيمنة وإملاء فحسب. 
 
ذاك أنّه، فيما يضع المسدّس في رأسنا باسم حمايتنا والدفاع عنّا، يطالبنا ببرنامج يبدأ بتغيير الوطن ومعناه ولا ينتهي عند الاعتداء على المجال العامّ وطريقة الحياة وأنظمة الرموز والطقوس عموماً. 

وهذا ما بات يُلمس في الشارع وفي مؤسّسات العمل وفي طرق التخاطب وفي زمامير السيّارات وفي الأعلام السوداء وفي لهجة بعينها تعكس قوّة صاحبها مقابل لهجة أخرى تنمّ عن ضعف صاحبها واستضعافه. وذلك كلّه معطوف، بطبيعة الحال، على الإمساك بالقرار الدفاعيّ ومسائل الحرب والسلم والسياسة الخارجيّة. 
 
وهذا أسوأ من الاحتلال الأجنبيّ الذي يمكن حصر آثاره السلبيّة في هذا الجانب أو ذاك، إلاّ أنّه يقلّ كثيراً عن شموليّة الاعتداء العامّ على اللبنانيّين كما يمارسه حزب الله.
 
والحال أنّ شعوراً بالغضب بدأ يتعاظم ويتعدّى حدود الانقسام السياسيّ المعهود. فإذا قامت الحسبة السياسيّة الكسولة على أنّ حزب الله "يمون على" نصف اللبنانيّين (أغلبيّة كاسحة من الطائفة الشيعيّة + أكثر من نصف المسيحيّين الذين يجيّرهم له ميشال عون)، فإنّ الحسبة الأدقّ تقول إنّ المسيحيّين العونيّين قد يجارون الحزب في السياسة لكنّهم حتماً لا يجارونه في شؤون الاجتماع والثقافة. 
 
وإذا كانت الجُزر المتناثرة للتكفيريّين السنّة، تعيق التعبير عن هذا التباين، فإنّ الحال التي بلغناها باتت تستدعي التمييز بين أحجام الأخطار ومساحاتها. 

وفي المعنى هذا، بات من الوهم المحض الرهانُ على توفيق ما بين لبنان والمقاومة التي ذهبت بعيداً في امتهانه، بحيث بتنا اليوم أمام خيار حادّ ومُلحّ: إمّا لبنان، المستهدف في وجوده وقراره وطريقة حياته، بما في ذلك ملاهيه الرائعة، وبين... المقاومة.