الأحد ٥ - ٤ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: أيار ٢٥, ٢٠١١
المصدر: جريدة الحياة
مشكلات تونس ما بعد الثورة تعثّر عجلة الحياة السياسية - عياض بن عاشور

يدعو إلى القلق الوضع في تونس، مع عودة حظر التجول والتظاهرات والقمع والإشاعات عن قرب وقوع أحداث عصيبة. لكنها هذه حال الفترات الانتقالية دائماً. وعندما يسقط نظام ديكتاتوري، يريد الناس نظاماً ديموقراطياً حقيقياً وانتخابات وكرامة وحرية. بيد أن ذلك لا يحدث بين ليلة وضحاها ولا يسير على خط مستقيم ومن دون هزات مفاجئة. وهو ما تمر تونس عبره.
ولدينا حالة من التناقض ومن الانسداد على جميع المستويات. في المجال الاقتصادي والاجتماعي، توقفت الاستثمارات وباتت الإضرابات تمسّ جميع القطاعات. وعلى المستوى السياسي تخيّم حال من الريبة المعممة. ويكفي أن يقول وزير سابق (المقصود فرحات راجحي وزير الداخلية السابق الذي أقيل في نهاية آذار (مارس) الماضي) ما يثير الشكوك حول الجيش، حتى يسيطر تشنج عام ويعاد النظر في أساس الحكومة والجيش، الذي اعتبر خارج نطاق كل شبهة منذ كانون الثاني (يناير) الماضي. وتسبب ذلك في تظاهرات انتهى بعضها نهايات سيئة جداً وتعرضت للقمع. وهذه سمة الأوضاع الانتقالية. وطوال ثلاث وعشرين سنة هي فترة حكم زين العابدين بن علي، تعرض المثقفون والفنانون والأحزاب والمنظمات غير الحكومية للقمع. ويوم فتحت الأبواب حصل تدافع. لقد انتقلنا من غياب كامل للحرية الى فائض في الحرية، بل الى الفوضى. ويهيمن مناخ الانتقام بل من الوحشية في بعض الأحيان. في حين أن النقاش الديموقراطي يحتاج الى المؤسسات والهدوء والاعتياد. ويستغرق ذلك وقتاً.


وأعتقد أن كل ثورة معرضة للتهديد. وإذا سقط نظام فذلك لا يعني أنه يتوقف عن الدفاع عن نفسه. فقوى النظام القديم ما زالت موجودة في الإدارة وفي الشرطة. وما زال التجمع الدستوري الديموقراطي (الحزب الحاكم السابق) هنا. لكنني أجد أن الوهم يحاصرنا وفي الوقت ذاته نتهم الجيش بالإعداد لانقلاب عسكري في حال فازت حركة النهضة (الإسلامية) بالانتخابات ووصلت الى السلطة. وتصريحات فرحات راجحي المثيرة والذي لم يقدم دليلاً واحداً دقيقاً على صحّتها، أدت الى تأثيرات مدمرة في الرأي العام.


أما بالنسبة للحديث المتزايد عن تأجيل الانتخابات المقررة في 24 تموز (يوليو)، فيمكن القول إن القانون الانتخابي قد أقر وإن لجنة الانتخابات المستقلة قد أنشئت. يبقى بدء العمل على المستويات التقنية واللوجيستية والإدارية للانتخابات. وهو ما يمكن أن تواجهنا مفاجآت أثناء القيام به إذا أردنا تنظيم انتخابات ذات صدقية. وينبغي التمسك بالجدول الزمني. وسنبذل أقصى الجهد لبلوغ الانتخابات على رغم أن الفترة الزمنية قصيرة قليلاً. وكان ينبغي إرجاؤها. لكن الجهد الانتخابي المستقل هو ما يقرر. ومهمتي هي إدارة المسألة السياسية والقانونية، وهذا ما أقوم به.
وقوبلت فكرة جعل النساء نصف المدرجين على لوائح المرشحين باعتراضات شتى. وقال البعض انه لا يملك وسائل تنفيذ الاعتراضات هذه. لكن في (مدينة) مدنين، لاحظت أن أكثرية كبيرة من السكان لا يريدون التقسيم الإجباري هذا، وثمة نساء بين المعترضين.


وواحدة من مواد القانون المثير للجدال، كانت إعلان المنظمين أن في وسع المسؤولين السابقين في التجمع الدستوري الديموقراطي المشاركة في الانتخابات. فالمادة 15 من القانون الانتخابي والتي تحول دون مشاركة مسؤولي الحزب الحاكم السابق في الانتخابات تسببت في اعتراضات صاخبة من الأعضاء السابقين في التجمع ومن الحكومة أيضاً التي أرادت إبقاء الحظر عشر سنوات. وتوصلنا الى حل توافقي لا يذكر مدة الحظر على المشاركة في الانتخابات. وسيحدد مرسوم رئاسي مستويات المسؤولية التي يتحملها كوادر الحزب المنحل. وهذه من نوع المشكلات الزائفة التي أضعنا شهراً عليها في زمن يحسب الوقت علينا.


ومن المفترض أن تكون الجمعية التأسيسية (التي ستتشكل في نتيجة الانتخابات في تموز) كياناً مستقلاً منتخباً مكلفاً من الشعب بوضع الدستور. ولا نستطيع أن نفرض عليها مهلاً ولا الحد من صلاحيتها. وقد يستغرق ذلك ستة أشهر أو سنة أو أكثر. وما إن يتم تبني الدستور، حتى نكون دخلنا عهد الجمهورية التونسية الثانية.
وحركة النهضة التي ظهرت في استطلاعات الرأي كالفائز المقبل في الانتخابات، من قوى الوسط في معسكر الإسلام السياسي. وقد قطعت عهوداً وقدمت ضمانات أنها ستحترم الديموقراطية وتداول السلطة ودولة القانون والتعددية. لذا، نحن ننتظر لنرى مدى الالتزام بالعهود هذه.
ويجب القول إن ما من شيء سيعود في تونس الى ما كان عليه قبل كانون الثاني الماضي. والشعب لن يساند أبداً القمع وخنق حرية التعبير عن الرأي.
وما تظهره الثورات العربية هو أن الديموقراطية في أساس القيم الإنسانية. وهي ليست غربية ولا شرقية ولا أفريقية... وولد الإنسان ديموقراطياً أما إذا صار غير ذلك فلأن قوى المحافظة والاستلاب فرضت عليه ذلك.


* قانوني، رئيس لجنة الإصلاحات السياسية في تونس المكلفة وضع القانون الانتخابي، عن «ليبراسيون» الفرنسية، 18/5/2011، إعداد حسام عيتاني



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
احتجاجات ليلية قرب العاصمة التونسية ضد انتهاكات الشرطة
البرلمان التونسي يسائل 6 وزراء من حكومة المشيشي
البرلمان التونسي يسائل الحكومة وينتقد «ضعف أدائها»
الولايات المتحدة تؤكد «دعمها القوي» لتونس وحزب معارض يدعو الحكومة إلى الاستقالة
«النهضة» تؤيد مبادرة «اتحاد الشغل» لحل الأزمة في تونس
مقالات ذات صلة
أحزاب تونسية تهدد بالنزول إلى الشارع لحل الخلافات السياسية
لماذا تونس... رغم كلّ شيء؟ - حازم صاغية
محكمة المحاسبات التونسية والتمويل الأجنبي للأحزاب...
"الديموقراطية الناشئة" تحتاج نفساً جديداً... هل خرجت "ثورة" تونس عن أهدافها؟
حركة آكال... الحزب الأمازيغيّ الأوّل في تونس
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة