الجمعه ١٠ - ٤ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: أيار ٣١, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
مصر: الإسلام الليبرالي كحل وسط - امين الياس

يخطئ المراقب في حكمه إذا اعتبر أن ثورة 25 يناير المصرية سياسية الطبع فقط. فهي برأينا تحمل بذور ثورة فكرية ودينية أيضاً. إنها فرصة تاريخية لأخذ الفكر المصري والمشرقي والعربي والإسلامي في اتجاه حركة تجديد وربما ثورة على المخلفات الدينية والتقليدية.
ما تمر به مصر والعالم الناطق العربية حالياً هو في اهميته يشابه المرحلة التي مرّت بها المنطقة إبان "النهضة" بما حملته من عملية تجديد للفكر وللدين.
إن انطباعنا هذا ترسخ إثر زيارتنا مصر اوائل الشهر الجاري، حيث كان لنا العديد من اللقاءات مع مفكرين مصريين قابلناهم في مشيخة الأزهر وفي معهد الدراسات الشرقية للآباء الدومينيكان وفي مكاتب جريدة "الأهرام" وفي بعض الأندية الثقافية.


في ما يتعلق بالحالة السياسية، فإن الانطباع الأول الذي يخرج به المراقب هو عدم الثقة ما بين أطياف الحياة السياسية. فهناك العديد من ممثلي التيارات المدنية الذين ينظرون بعين الريبة الى الدور الذي يقوم به المجلس العسكري المتهم بأنه "أبرم صفقة ما" مع المملكة العربية السعودية والإخوان المسلمين، بهدف إخماد نار الثورة. ويرى هؤلاء أن السعودية "الوهابية" تقوم حالياً بدور سلبي جداً ضد الثورة المصرية خشية من انتقال نموذج الثورة إليها. ومن هنا يمكننا ان نفهم التظاهرة التي نظمها العشرات أمام السفارة السعودية للمطالبة بوقف التمويل السعودي للتيارات السلفية بهدف إثارة الفتن الطائفية. من ناحية أخرى فإن العلاقة ما بين التيارات المدنية وتلك الإسلامية الممثلة بالاخوان المسلمين والحركات السلفية يعتريها توتر شديد.


فالأولى تتهم الإخوان باعتماد خطاب مزدوج. فتارة يصرح الاخوان بأنهم يريدون "الدولة المدنية"، وتارة يعلنون عزمهم على تطبيق الشريعة الإسلامية وإعادة إحياء الخلافة. فخلال مؤتمر جماهيري نظمته جماعتا الاخوان المسلمين والدعوة السلفية، طلع بعض الخطباء بعبارات من مثل أن "الثورة التي حصلت بمصر كانت ثورة ربانية وليست بشرية"، وبأن "الولايات المتحدة الإسلامية قادمة" وأنه "سيكون للمسلمين قريباً جداً خليفة". لا بل إن المرشد العام للاخوان محمد بديع يؤكد في تصريحاته بأن زمن "لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة انتهى، فالإسلام دين ودولة وحضارة وثقافة ورياضة [...إنه] نظام شامل يتضمن كل برامج الحياة بكل تفاصيلها". وبالتالي "لا يوجد فصل بين الدين والدولة".
كما أن بعض قادة الإخوان من أمثال صبحي الصالح يدعون جهاراً إلى "تطبيق الفرائض والحدود التي نص عليها صحيح الدين". حتى أن بعض القياديين ذهب في إحدى مقالاته إلى تفسير احداث الثورة نسبة لأحلام زوجته المؤمنة!! هذا بالإضافة إلى أن نظام الاخوان يدعو في إحدى مواده إلى "قيام الدولة الإسلامية التي تنفذ أحكام الإسلام".


من الظواهر الأساسية التي تشهدها مصر حالياً انتظام قوة سياسية تقدم نفسها على أنها "مدنية". وقد شكل انعقاد "مؤتمر مصر الأول" في 7 ايار 2011 نقطة انطلاق لهذه القوى في اتجاه تشكيل لائحة موحدة في وجه اللائحة التي سيشكلها الإسلاميون. وعلى الرغم من أن المسيحيين يشكلون رافعة أساسية للتيارات المدنية في مصر، فإن اعداد المسلمين المنتمين إلى هذه التيارات تتخطى أعداد المسيحيين بأضعاف. وبالتالي فقد أصبحت التيارات المدنية نموذجاً لالتقاء الكثير من المسيحيين والمسلمين في مصر حول فكرة أساسية هي أقامة الدولة المدنية.
بيد انه تجدر الإشارة إلى سريان العديد من المقولات التي تتحدث عن احتمال نشوب حرب اهلية، خاصة إذا ما تمكن الاخوان المسلمون من وضع يدهم على السلطة وحاولوا فرض الدولة الإسلامية والشريعة الإسلامية. حتى ان بعضهم يتكلم عن "نموذج يوغوسلافي" جديد، وربما عملية "تقسيم" قد تشهدها مصر نتيجة لسيطرة الإسلاميين على السلطة. وقد جاءت الأحداث في إمبابا وما جرى من إحراق للكنائس وتدمير لبعض أضرحة الأولياء من قبل السلفيين لتعزز هذه الشائعات.


من الناحية الفكرية، وعلى الرغم من تنوع التيارات ما بين سلفي وعلماني وازهري، فإن التيار المؤهل لأن يكون حلاً وسطاً ما بين الحفاظ على هوية مصر والتوجه إلى الحداثة، وإخراج الإسلام السني من دائرة الأصولية والسلفية، إنما هو التيار الداعي إلى التجديد والثورة على الفقهاء والعلماء والذي يضم العديد من الأكاديميين كالدكتور محمد سعيد العشماوي والمفكرين المسلمين كالأستاذ جمال البنا. ولربما من حسن حظنا أن كانت لنا (والأستاذ دومينيك آفون) فرصة اللقاء بالأستاذ جمال البنا في مكتبته يوم الخميس 5 أيار 2011.


معرفاً عن نفسه بأنه "مفكر إسلامي ليبرالي"، يسعى البنا، الى التجديد الجذري لـ"منظومة المعرفة الإسلامية" القائمة على التفسير والحديث والفقه. فهو ينطلق من تحديد واضح للإسلام بأنه "منهج حياة شامل"، مشدداً على أنه "عقيدة وشريعة". العقيدة هي العلاقة ما بين الفرد والله. أما الشريعة، فهي الوسيلة التي تنظم علاقة الفرد بالمجتمع. إنها "الدنيويات". غير أن هذه الشريعة ليست جامدة، بل هي خطوط عريضة ومرنة. إنها تحدد المبادئ العامة، كالمساواة والعدل والديموقراطية. وبالتالي فهي قد تكون مطبقة في بلد كسويسرا، هذا البلد الذي يرفع علماً عليه الصليب، وان لا تكون مطبقة في السعودية البلد الذي يرفع راية "لا إله إلا الله محمد رسول الله". أما بالنسبة للتفاصيل، فإن الشريعة لم تنص إلا على بعض الحالات المحددة التي نسميها "الحدود"، والتي لم يعد بالإمكان تطبيقها حرفياً بسبب تغيّر الأحوال. وحين سألناه عن مسألة الحجاب في الإسلام، كان الجواب: "ما فيش حاجة إسمها حجاب في الإسلام. كل ده كلام فارغ"، واصفاً النقاب بأنه "وصمة عار" وختان البنات بالـ"جريمة".


ينتقد البنا العلماء المسلمين بشدة، معتبراً أنهم أصبحوا "كنيسة إسلامية"، يحاولون من خلالها "قولبة الإسلام". ولا يتردد في نقد التراث الإسلامي خاصة مسألة الأحاديث النبوية. فها هو يسخر من مقولة أن إبن حنبل "كان يلم بألف ألف حديث". فهذا الأمر عنده ليس معقولاً. فمحمد كان يتكلم في مجتمع المدينة المحدود الذي لا يتضمن هذا القدر من المشاكل. فليس من المنطق ان يتكلم بكل ذلك. ثم يوضح لنا البنا بأن الأحاديث في البداية كانت ضرورة من ضرورات تطور المجتمع الإسلامي من مجتمع مدني صغير إلى إمبراطورية حيث ظهرت حاجة المسلمين إلى "القوننة". وبما انه لا القرآن ولا الأحاديث كانت تلبي حاجة مسلمي الإمبراطورية، فكانت عملية وضع الأحاديث التي تعالج مختلف مشاكلهم المطروحة. من هنا دعوته لإهمال الأحاديث التي لا تتوافق والقرآن.


ثم نأتي والأستاذ البنا إلى مسألة العلمانية وعلاقة الدولة بالدين، بالإضافة إلى مسألة حرية الفكر والاعتقاد والضمير. فبالنسبة له، إن حرية الفكر وحرية الضمير أمران متلازمان: "من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر". فمحمد لم يكن مكلفاً بالهداية، بل كان مكلفاً فقط بـ"التبليغ". فالإسلام لا يملك شيئاً على من يلحد. في القرآن ليس هنالك من عقوبة للردة [أي لمن يريد ترك الإسلام]. إن قضية الإيمان أو عدمه وقضية ترك الإسلام تعود إلى الفرد لا إلى المجتمع. اما في ما يتعلق بالدولة الدينية، فيصر البنا على انه لا يهم الإسلام أن "يكون هناك دولة تدعمه او تضطهده". فالإسلام "دعوة قلوب"، أما الدولة فإنها "لا تملك إلا الأجساد". فالدولة هي سلطة، والسلطة لا يمكنها إلا أن تستغل الإسلام. من هنا يؤيد البنا "الفصل ما بين الدولة والإسلام". من ناحية أخرى، يوافق البنا على العلمانية بشكل كامل من حيث انها فصل الدين عن السلطة.


أمل كبير يلوح في أفق القاهرة، أمل نهضة سياسية وفكرية تكسر غلال القيود التقليدية والدينية في اتجاه إقامة دولة للإنسان، تحمي حريته الفردية في ان يؤمن بما يشاء وأن يرفض ما يشاء سياسياً وفلسفياً ودينياً. إن ما تبشرنا به مصر ما بعد 25 يناير ليس ثورة سياسية فحسب إنما أيضاً قد تكون ثورة فكرية ودينية واجتماعية، قد نضطر نحن اللبنانيين والسوريين والعراقيين ان نشارك بها. ثورة على ثالوث عنكبوتي يبدأ بالساسة الفاسدين ويصل لرجال الدين مروراً برجال المال. غير أن غيوم كثيرة تحيط بهذه الثورة-الأمل. غيوم آتية من عصور الظلام، عصور السلف الملتحفة بقشور الدين والمسلحة بأموال النفط. والسؤال الكبير هو هل سنكون نحن والمصريون على قدر المهمة الملقاة علينا؟ وهل سنتمكن من إطلاق نهضة جديدة تؤسس لعصر أنوار مشرقي وعربي؟ الجواب يبقى رهن شوارع ومكتبات القاهرة وبيروت وبغداد وربما دمشق.



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
منظمة حقوقية مصرية تنتقد مشروع قانون لفصل الموظفين
مصر: النيابة العامة تحسم مصير «قضية فيرمونت»
تباينات «الإخوان» تتزايد مع قرب زيارة وفد تركي لمصر
الأمن المصري يرفض «ادعاءات» بشأن الاعتداء على مسجونين
السيسي يوجه بدعم المرأة وتسريع «منع زواج الأطفال»
مقالات ذات صلة
البرلمان المصري يناقش اليوم لائحة «الشيوخ» تمهيداً لإقرارها
العمران وجغرافيا الديني والسياسي - مأمون فندي
دلالات التحاق الضباط السابقين بالتنظيمات الإرهابية المصرية - بشير عبدالفتاح
مئوية ثورة 1919 في مصر.. دروس ممتدة عبر الأجيال - محمد شومان
تحليل: هل تتخلّى تركيا عن "الإخوان المسلمين"؟
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة