|
كان بامكان تونس أن تشهد انتقالاً ديموقراطياً أكثر هدوءاً وهي التي شهدت الثورة الأكثر سلمية، فلم يلجأ خلالها المحتجون إلى أي نوع من العنف. لكن جرت الرياح بما لا تشتهي السفن. لم تتأسس الثقة بين الحكومة الانتقالية والرأي العام بسبب التلكؤ في محاكمة رموز العهد السابق، ولم تتأسس الثقة بين أطراف الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة بسبب التجاذب بين الإسلاميين والعلمانيين، ولم تتأسس الثقة بين الهيئة والمجتمع المدني بسبب اتهام الهيئة بالعمل على أساس المحاصصة الحزبية (ما يفسر ظاهرة تنامي عدد الأحزاب وقد قاربت المئة، لاعتقاد الكثيرين أن صوته لن يسمع إذا لم يحمل صفة رئيس حزب!)، ولم تتأسس الثقة بين مجموع السلطات الموقتة والمواطنين، فتفاقمت الإضرابات والمطالبات وأشكال الاحتجاج العنيفة وأصبح شعار الجميع «الآن الآن»، حتى مباريات كرة القدم أصبحت تحسم نتائجها باجتياح الجمهور للملعب. وقد جاء قرار تأجيل الانتخابات ليفتح صفحة جديدة من أزمات الثقة المتعاقبة. هل من العقل أن يتواصل هذا الوضع، بخاصة والانتخابات ستتأخر ولن تجرى قبل أربعة أشهر؟ أم أن من الضروري المسارعة بمجموعة من الإجراءات الحاسمة القابلة للتطبيق السريع، بما يؤسس مناخ ثقة يعصم البلد من هزات جديدة؟
أول الإجراءات الممكنة الإعلان عن تأسيس عدالة انتقالية تجمع بين القضاءين المدني والعسكري وتتولى المحاكمة الفورية، ولو غيابياً، لأهم رموز النظام السابق، مع فتح حوار وطني حول «عتبة المسؤولية» القابلة للمحاكمة، وينبغي أن تقتصر على ضروب ثلاثة من الجرائم: القتل والتعذيب، الاستيلاء على الأموال العامة للإثراء الشخصي أو إثراء الأسرة الحاكمة، الاحتفاظ بمكاسب غير مشروعة، مادية ومعنوية (مثل المناصب الحساسة أو الشهادات العلمية المزيفة)، من شأنها أن تواصل الإضرار بالمصلحة العامة. وما عدا ذلك يمكن أن يترك لأنظار المحاكم العادية بما يترتب على ذلك من طول آجال المحاكمات، أو أن تتخذ الحكومة الشرعية المقبلة في شأنها قرارات بالعفو العام أو الجزئي تحقيقاً للتوافق الاجتماعي.
وثاني الإجراءات الممكنة اقتراح ميثاق ديموقراطي ملزم لكل الأطراف السياسية والثقافية والمدنية والاجتماعية، يتضمن الحدّ الممثل لروح الثورة وأهدافها ومبادئ الدولة التونسية الحديثة التي بدأت تتبلور منذ القرن التاسع عشر، فيكون من بين هذه المبادئ الحفاظ على الشكل المدني للدولة والالتزام بالديموقراطية والمبادئ الكونية لحقوق الإنسان ومجلة الأحوال الشخصية، فنتجاوز بذلك عقدة الخوف من الإسلاميين على رغم أنهم أعلنوا الالتزام بهذه المبادئ. ويكون من مضمون الميثاق أيضاً تأكيد الهوية العربية والإسلامية للبلد وتأكيد حق الأحزاب الإسلامية في العمل السياسي في حدود احترام المبادئ الدستورية العامة، فنتجاوز بذلك خوف الإسلاميين المبرّر من أن يقعوا مجدداً ضحية الإقصاء، بخاصة بعد ما نالهم من المحن والتنكيل.
وأقترح ألا تكتفي الهيئة العليا بصوغ هذا الميثاق بل تعرضه على جميع الأطراف السياسية ومكوّنات المجتمع المدني والجمعيات والمنظمات والمثقفين، ثم يعرض على الاستفتاء العام في اليوم نفسه الذي ينتخب التونسيون فيه أعضاء المجلس التأسيسي. وبذلك تكون مهمّة هذا المجلس واضحة وتكون شرعيته مرتبطة بشرعية الميثاق. ويجدر أن يتضمن الميثاق أيضاً تحديد المدة القصوى لأعمال المجلس التأسيسي، ويمكن أن تكون سنة واحدة، كي لا تطول أعماله على خلفيات أخرى، مثلما حصل مع المجلس التأسيسي الأول بعد الاستقلال، وقد أطاله الزعيم بورقيبة آنذاك لأكثر من ثلاث سنوات كي يتخلص خلالها من بعض خصومه السياسيين.
وثالث الإجراءات الممكنة تخصيص إحدى القنوات التلفزيونية لتكون حلقة الوصل بين هيئات السلطة المؤقتة والأطراف السياسية والمدنية والرأي العام، بما يتضمنه ذلك من نقل مباشر للندوات الصحافية والتغطية الموسعة لبرامج الأحزاب والجمعيات وإفساح مجال تقديم الرأي أمام المثقفين ومساهمتهم في التوعية السياسية للجماهير... الخ. وتتولى هذه القناة أيضاً عرض مطالب الناس واحتجاجاتهم، فتصرفهم عن اعتماد الوسائل العنيفة وتمكّن المسؤولين من التحاور الفوري معهم والاستجابة لما يمكن الاستجابة له من المطالب المشروعة تخفيفاً للاحتقان الذي يردي الاقتصاد إلى الحضيض. هذه إجراءات ثلاثة لا تتطلب أكثر من قرار سياسي من جهة وتعاضد الإرادات الصادقة من جهة أخرى، فإذا دخلت حيّز التنفيذ جعلت الناس يشعرون بالأمان على مستقبل الانتقال الديموقراطي في الأشهر التي باتت تفصلنا عن الموعد الجديد للانتخابات.
أما قرار تأجيل الانتخابات فلئن أحبط نفوس أغلب التونسيين، فقد يكون في النهاية أخف الضررين. فالانتخابات التي تجرى في ظروف غير مناسبة يمكن أن تنتهي بنتائج مطعون فيها، ثم قد تسفر عن حروب أهلية كما حصل سابقاً في الجزائر وساحل العاج... الخ. ومع أن تونس ليست مهددة حالياً بهذا النوع من السيناريوات الكارثية، فإن تواصل الركود الاقتصادي لفترة طويلة قد يغيّر نوعياً من طبيعة الوضع القائم، بما يفتح المجال لكل الاحتمالات، وقد يتحقق يوماً المثل القائل «ما كل مرّة تسلم الجرّة».
|