الأحد ١٩ - ٤ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: حزيران ٦, ٢٠١١
المصدر: جريدة الحياة
مصر من الثورة إلى الدولة : التحدي والاستجابة - خالد عزب

تمرّ مصر بمرحلة انتقالية فالتحول من الحالة الثورية إلى بناء الجمهورية الثانية يتطلب تنازل البعض عن الحالة الثورية المستمرة، فضلاً عن الدفع نحو بناء دولة عصرية مسؤولة أمام المجتمع كله. وكان حسني مبارك فشل في فهم طبيعة مرحلته، فهي كانت انتقالية من الحالة الثورية لثورة تموز (يوليو) إلى الدولة بمعناها الحقيقي العصري. هذه الحالة نفسها تكررت تاريخياً في عصر الناصر محمد بن قلاوون، سليل المماليك الذين اكتسبوا شرعيتهم فى أول الأمر بانتصارهم على الفرنسيين فى معركة المنصورة، ثم بطردهم الصليبين على يد الأشرف خليل الذي استولى على عكا، آخر حصون الصليبين. بانتهاء الحرب انتهت شرعية العسكر، فما كان منهم إلا أن أفسدوا العلماء بأن بنوا مدارس «جامعات» ليعلموا موظفين لديهم، وأفسدوا التجار بأن جعلوهم شركاء لهم فى التجارة، وأفسدوا الشعب بإفقاره، وأفسدوا القضاة بأن جعلوا من يتولى القضاء يدفع رشوة، إلى أن سقطت دولتهم بأيدي العثمانيين.


حدث الإفساد نفسه فى عصر مبارك، الذي لم يدرك أن بعد معاهدة السلام لم يعد للعسكر وثورة تموز شرعية، بل أصبح الشعب المصري يبحث عن شرعية الدولة. وضح هذا جلياً عبر شبكة «الإنترنت» التي خلقت مجتمعاً خارج السيطرة التقليدية للأجهزة الأمنية، وصحافة مستقلة خلقت حالة من عدم الثقة في الدولة، في الوقت الذي هز حسني مبارك شرعيته حين دفع بابنه إلى الساحة السياسية ليكون خليفة له، فشرعيته أتت عبر النظام الجمهوري الذي آمن به كل من عبدالناصر والسادات الذي منع ابنه من ممارسة العمل السياسي وعين حسني مبارك نائباً له. حينما تولى مبارك سدة الحكم، كان هناك توافق شعبي حوله وتعهد ببقائه في السلطة لدورتين رئاسيتين، إلا أن نكوصه بوعده، كان أحد أسباب سقوطه ذلك السقوط المروع، فضلاً عن أنه لم يمتلك مشروعاً وطنياً. فعبدالناصر تحالف مع الطبقة الوسطى في إطار مشروع تنموي وطني، وإن كان فقد الكثير مع هزيمة 1967، والسادات حمل شرعية حرب أكتوبر ومعاهدة السلام ومحاولة إقامة رأسمالية جديدة. لكن حسني مبارك الذي لم يمتلك خيالاً أو مشروعاً وطنياً، وصف أحياناً بأنه «كبير موظفي مصر».


وبعد ثورة 25 يناير تقود نخبة من الدولة المصرية والقوات المسلحة دولة جديدة تقوم على سيادة القانون وإن طال أمد التقاضي، فقد رفضت هذه النخبة حتى تحت ضغط شباب ثورة 25 يناير، فكرة المحاكم الاستثنائية. لكن يبقى التحدي المقبل متمثلاً في إعادة بناء مؤسسات الدولة وفق مبدأ المساءلة والمسؤولية، بدءاً من انتخاب رؤساء المدن والمحافظين، إلى تطبيق مبدأ مسألة المسؤولين عن المؤسسات الذين سيعملون وفق مدد زمنية وخطط عمل محددة وموازنات تتواكب مع متطلبات العمل. الدولة المصرية لديها من الآن خمس سنوات ستمثل مرحلة انتقالية من دولة الموظفين البيروقراطيين إلى دولة الموظف المسؤول، وهي مرحلة صعبة على كل من يحاول أن يتولى أية مسؤولية، إذ إن استعجال المجتمع النتائج، والموروث المتراكم لبيروقراطية الدولة، والمحسوبية سابقاً في تعيين المسؤولين، وافتقاد هؤلاء المسؤولين الرؤية لتحديث الدولة ستؤدي إلى حالات عدة للصدام، فضلاً عن توقع مزاودات أعضاء البرلمان المقبل في أدائهم على الشارع السياسي الافتراضي على شبكة «الإنترنت» والواقعي، في سبيل كسب الاحترام في دوائرهم، فضلاً عن ضعف الحياة السياسية والأحزاب التي تحتاج فترة من الزمن لكي تنضج.


لذا، ستكون مسؤولية مؤسسات المجتمع المدني والمثقفين والمفكرين السياسيين كبيرة خلال الفترة المقبلة لترشيد أطراف الشد والجذب في الحياة المصرية، إذا لم يقم هؤلاء بهذا الدور، فستشهد مصر حالة من الركود الاقتصادي، فضلاً عن افتقاد النضج السياسي، كما أنه يجب توفير الثقة للمسؤولين في مواقع المسؤولية كافة في الدولة المصرية، إذ لجأ الكثير منهم الآن الى الاستقالة أو عدم اتخاذ قرار خوفاً من الخطأ، نتيجة لوجود نوع جديد من محاكم التفتيش من أشخاص أو أجهزة رقابية أو إشاعات، وهو ما سيجعل أي مسؤول يتردد قبل أن يتخذ أي قرار على مسؤوليته. هذا لا يعني التهاون في المال العام أو الفساد الإداري، لكن يعني دفع المسؤولين إلى العمل كي تخرج مصر من حال الركود، هذه معادلة صعبة قد تعوق بناء الدولة المصرية الجديدة.


لن يتأتى حل المعادلة سوى بالدفع بجيل جديد الى المسؤولية، إذ إن وزارة عصام شرف رئيس الوزراء الحالي، لجأت إلى كبار السن لتولي مسؤولية الدولة، في الوقت الذي تحتاج مصر إلى مسؤولين مندفعين في الثلاثينات والأربعينات من العمر، وتركهم يحلمون وينفذون أحلامهم وتحميهم مصر من اندفاعهم بالتنبيه المستمر والمناقشة، من دون أن تكون هناك سيوف على رقابهم، فمن هؤلاء يخرج الجيل الجديد الذي يقود الدولة المصرية ويحدثها.
ولن يكون للدولة المصرية المقبلة صدقية سوى بالاستغناء التدريجي عن المعونات الأجنبية المرتبطة بتقييد السياسات المصرية، فضلاً عن التوجه نحو التركيز على التعليم، خصوصاً لدى الطبقات المعدمة، وإقامة مشاريع غير تقليدية تعزز من الاقتصاد الوطني، على غرار مشروع «ممر التنمية» لفاروق الباز أو مشروع إعمار الصحراء لممدوح حمزة وغيرهما. أي دولة يريدها المصريون؟ هذا هو السؤال الصعب، وهو التحدي الحقيقي خلال السنوات المقبلة.


* كاتب مصري

 



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
منظمة حقوقية مصرية تنتقد مشروع قانون لفصل الموظفين
مصر: النيابة العامة تحسم مصير «قضية فيرمونت»
تباينات «الإخوان» تتزايد مع قرب زيارة وفد تركي لمصر
الأمن المصري يرفض «ادعاءات» بشأن الاعتداء على مسجونين
السيسي يوجه بدعم المرأة وتسريع «منع زواج الأطفال»
مقالات ذات صلة
البرلمان المصري يناقش اليوم لائحة «الشيوخ» تمهيداً لإقرارها
العمران وجغرافيا الديني والسياسي - مأمون فندي
دلالات التحاق الضباط السابقين بالتنظيمات الإرهابية المصرية - بشير عبدالفتاح
مئوية ثورة 1919 في مصر.. دروس ممتدة عبر الأجيال - محمد شومان
تحليل: هل تتخلّى تركيا عن "الإخوان المسلمين"؟
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة