الأحد ٢٦ - ٤ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: حزيران ٧, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
كل مدينة عربية هي بوابة لهذا الحراك - نواف كبارة

لعل افضل تفسير لقيام انتفاضة أو حراك ما هو في نظرية التداخل بين عناصر متعددة داخلية وخارجية تجعل من حادث بسيط سببا لاندلاع انتفاضة او ثورة.
خلال حضوري مؤتمر "المنتدى الاوروبي للاعاقة" في مدينة بودابست المجر، في نهاية ايار الماضي وقف مندوب اسبانيا ليتكلم عن تأثير "الربيع العربي" على حركة الاحتجاجات والتغيير في اسبانيا واهمها نزول الشباب الاسباني الى وسط مدريد وتسميتهم ساحة اعتصامهم ساحة التحرير "tahrir square"، و من ثم اردف رئيس المؤتمر بأن على حركة الاعاقة في اوروبا ان تتعلم من تجربة "الربيع العربي" حتى تدفع الى تغييرٍ جذري في التعاطي الحكومي في بعض الدول الاوروبية مع قضية الاعاقة.
 تعكس هذه الخطابات حقيقة تغيب كثيراً عن كتابات ومواقف الكثير من المثقفين الذين يرفضون الاقرار بقدرة الشعب على الانتفاض والتغيير خارج نظرية المؤامرة، وينسون ان الفكر يتأثر به كل البشر ويتفاعلون معه خصوصا اذا تبنى هذا الفكر ودافع عن موقف يعكس حقاً انسانياً يتخطى اللغة والمنطقة والانتماءات القومية والدينية، ولعل اهم هذه الحقوق هو حق الانسان في الحرية والكرامة.


واكثر ما هو مؤلم اليوم ان نسمع بعض المثقفين والفنانين والسياسيين الطليعيين، الذين لهم تاريخ طويل في الدفاع عن حقوق المواطن العربي بالحرية والكرامة والديموقراطية، يتحولون الى ابواق دفاع عن الواقع القمعي القائم ومن ثم تسخيفهم الحراك العربي باعتباره جزءاً من مؤامرة دولية تستهدف المنطقة والأمة العربية. وقبل ان نُتهم بالتبسيط لا يغيب عن بالنا مطلقاً ان هناك دولاً كبرى وان لهذه الدول مصالح كبيرة في المنطقة وخططاً تستهدف المنطقة دفاعاً عن مصالحها، كما ان اسرائيل هي خطرٌ داهم حتى اشعارٍ آخر. الا انه في نفس الوقت تبقى المعادلة الاساسية انه لا امل لهذه المنطقة في ان تنهض وتتحول من هدفٍ للاطماع الاجنبية الى لاعبٍ فعال في الساحة الدولية الا اذا كانت السياسة فيها انعكاساً حقيقياً لارادة مواطنيها بناء على نظامٍ يقوم على احترام حق المواطن العربي بالحرية والكرامة والمشاركة السياسية والديموقراطية. على الاقل اعتقد ان هذا هو اهم ما تعلمناه من التجارب العالمية حيث ان معظم الدول الكبرى والفاعلة هي الدول التي يقوم نظامها على ارادة مواطنٍ حر يعيش بكرامة وفكر خلاق (حتى الصين فانها لم تتطور وتتقدم الا عندما انتقلت من النظام الشمولي القامع الى سياسات الانفتاح الليبرالي).


ان اهم ما في الحراك العربي المعاصر هو انه يدعو الى اعادة تركيب بناء السلطة ليقوم على احترام حق المواطن بالحرية والكرامة والمشاركة السياسية في مقابل الاعتراف بشرعية السلطة السياسية.
من هنا كان من البديهي ان يخرق هذا الموقف الفكري والسياسي كل الحدود والمعابر ليصل الى الصين كونه يعكس حقاً انسانياً فكيف اذن بالحدود العربية المختلفة؟ من هنا لابد من التركيز على نقطتين: الاولى تخص موضوع توقيت الحراك بينما تتعلق النقطة الثانية بتخطي الموقف الشعبي العربي حدود الدول وسيادتها وتضامن هذه الشعوب من اجل التغيير.


  ان من يعتقد ان توقيت اي ثورة يخضع لحسابات رياضية او انها تنبع من مؤامراتٍ خارجية مخطئٌ جداً. ولعل افضل تفسير لقيام انتفاضة او حراك ما هو في نظرية التداخل بين عناصر متعددة داخلية وخارجية تجعل من حادثٍ بسيط سبباً لاندلاع انتفاضة او ثورة. الا ان اهم ما يمكن ان يدفع شعباً ما الى الانتفاض هو تنامي شعور عميق لديه بالخطر والحرمان وفقدان الاهمية. عند تنامي الحديث عن تقسيم السودان كتب الاستاذ جهاد الزين مقالا لم يزل في ذهني يسأل فيه هل درسنا بما فيه الكفاية نتائج تقسيم السودان على الواقع الاستراتيجي والجيوبولوتيكي العربي؟ واذكر يومها انني قلت في نفسي كيف سيتفاعل الشارع المصري مع هذا الحدث السوداني؟ وانا اعرف من علاقاتي الواسعة مع المجتمع المصري ان قضايا السودان ومياه النيل وحصار غزة اخذت تشكل دوافع قلقٍ شديد في عمق وجدان الشعب المصري.


عودة الى موضوع التوقيت لم ازل اذكر عند تحضيرنا لمسيرة المعوقين من "اجل السلام وحقوق الانسان في لبنان" عام 1987 لتكون اول تحركٍ فعال ضد استمرار الحرب والعنف وهيمنة الميليشيات أننا قررنا ان يكون توقيت التحرك في تشرين الاول. وخلال صيف ذلك العام عاد العنف بقوة الى شوارع بيروت بما فيه حصار المخيمات. اتصلت بالمرحومة السيدة لور مغيزل التي كانت أحد اعمدة هذا التحرك لاسألها عن رأيها باعادة النظر بالتوقيت فاذا بها تقول لي: "يا نواف اذا كنت تنتظر ان يأتي وقتٌ ملائمٌ للتحرك فلن تتحرك ابداً". وهكذا كان، وكانت هذه المسيرة التي خرقت لبنان من شماله الى جنوبه من انجح الحركات المدنية المعادية للحرب والعنف في لبنان في ذلك الوقت.


واقول الشيء نفسه حول الحراك العربي القائم اليوم. فليس هناك ساعة واحدة في تاريخ تكون فيها اي امة متحررة من مطامع الخارج ومخاطر مؤامراته وبالتالي لا يمكن أي تحركٍ ان يقوم خارج هذا الواقع. من هنا لم يكن هناك تحركٌ واحدٌ منذ ما قبل الثورة الفرنسية حتى اليوم متحرراً من تداخل الداخل والخارج في صناعته و"الربيع العربي" ليس استثناء لهذه القاعدة. القضية الاخرى هي انتشار حركة المطالبة بالتغيير في معظم الدول العربية وتخطي اهتمام الجمهور حدود الدول وسيادتها. هنا لفتت نظري مقالة اخرى حديثة للاستاذ جهاد الزين (31/ 5/ 2011) حول طرابلس رأى فيها ان مدينة طرابلس اللبنانية قد انتقلت، بعد امتداد الاحتجاجات الى الداخل السوري، من تبني مشروع "لبنان اولاً" الى "سوريا اولاً".


 الحقيقة ان مشروع الحراك الطرابلسي، كما هو مشروع كل الحراك العربي من طرابلس الى الرباط مروراً بمسقط والمنامة والدمام، يعكس وحدة هموم المواطن العربي في كل مكان وتطلعاته المشتركة الى التغيير والنهضة. ومن حق كل مواطن عربي ان ينظر الى النهضة بطريقته ومفهومه. فللسلفي مفهومه وللاخوان المسلمين مفهومهم ولليبراليين العرب مفهومهم وستتصادم هذه المفاهيم وتخرج مفاهيم اخرى. ومن الطبيعي ان تكون الساحة العربية هي الارضية الطبيعية لتفاعل وتطور هذه المفاهيم. من هنا فإن طرابلس كما بيروت والشام والقاهرة وبغداد وكل المدن العربية معنية بالحدث العربي ومعنية برفع شعار "النهضة والحرية والكرامة اولاً" لكل العرب. ان كل مدينة عربية في موقعها الجغرافي والثقافي هي بوابة شمالية او شرقية اوجنوبية لهذا الحراك والربيع العربي المقبل. في النهاية، ان المهم هو ان ننجح في تأسيس نهضة تقوم على مبدأ الحرية والديموقراطية في اعادة تركيب مجتمعنا العربي حتى ننتقل من الصراعات الدموية الى التنافس الفكري الخلاق ضامنين حق كل عربي بالاختلاف ومؤكدين على تنوع تركيبة المجتمع العربي وحق المجموعات العربية بالتعبير الحر عن ذاتها وتقاليدها.

 

(استاذ العلوم السياسية في جامعة البلمند) 



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
منظمة حقوقية مصرية تنتقد مشروع قانون لفصل الموظفين
مصر: النيابة العامة تحسم مصير «قضية فيرمونت»
تباينات «الإخوان» تتزايد مع قرب زيارة وفد تركي لمصر
الأمن المصري يرفض «ادعاءات» بشأن الاعتداء على مسجونين
السيسي يوجه بدعم المرأة وتسريع «منع زواج الأطفال»
مقالات ذات صلة
البرلمان المصري يناقش اليوم لائحة «الشيوخ» تمهيداً لإقرارها
العمران وجغرافيا الديني والسياسي - مأمون فندي
دلالات التحاق الضباط السابقين بالتنظيمات الإرهابية المصرية - بشير عبدالفتاح
مئوية ثورة 1919 في مصر.. دروس ممتدة عبر الأجيال - محمد شومان
تحليل: هل تتخلّى تركيا عن "الإخوان المسلمين"؟
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة