الأثنين ٢٧ - ٤ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: حزيران ١١, ٢٠١١
المصدر: جريدة المستقبل الللبنانية
الثوار العرب بين نيران الطغاة ونيران العدو الإسرائيلي - بول شاوول

على امتداد العقود الستة الماضية وحتى اللحظة، أي منذ قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين بالتزامن مع قيام الأنظمة الانقلابية (الثورية من غير شر)، كأنما جرى تسابق بين هذه الأنظمة وبين إسرائيل حول من منهما يتجاوز الآخر بارتكاب المجازر بحق الشعب العربي. فالإسرائيليون لم يقصروا بفضل إيديولوجيتهم التوراتية عن الاحتفال بالدم اللبناني والفلسطيني والسوري والمصري والأردني، احتفال دام أكثر من ستة عقود. فإذا كان الإسرائيلي يقتل ويسحل ويعتقل ويدمر أعداءه، ومدنهم ويُهوّد مناطقهم (الجولان) والآن القدس والضفة الغربية، بعدما فرض كيانه على فلسطين، فهذا منطقه؛ ويدعي أنه في جرائمه هذه "يخدم" شعبه "المختار"(!) ويستعيد أرض الميعاد(!) منطق عدو في مواجهة عدو. هذا مفهوم. وعلى هذا الأساس اقترف مجازر مرعبة متأثراً بعنصريته المتأثرة بدورها بالعنصرية النازية، من كفرقاسم الى صبرا وشاتيلا... وسواها، وهجّر مئات ألوف السكان الفلسطينيين عن أرضهم ليحتلها.


إنه منطق الغزاة من الإسكندر الى هولاكو... عال! لكن ما هو غير منطقي وغير مفهوم وغير مبرر أن تتفوق الأنظمة الإنقلابية العربية على العدو نفسه في أعداد المجازر التي ارتكبتها في شعوبها وأهلها، وعمليات التهجير المنهجية (طائفية أو إيديولوجية أو سياسية) التي قامت بها وأسفرت عن تهجيرها ملايين العرب من بلدانهم، سواء في العراق، أو في السودان أو الجزائر أو تونس.
غريب! ولو تابعنا "حركة الاعتقالات عندنا، في بلاد العجائب لوجدنا أن هذه الأنظمة زجّت في سجونها من مواطنيها ما يعادل أو يفوق ما زجّت إسرائيل من الفلسطينيين والعرب. وهذا يقودنا الى ظاهرة أخرى مرعبة: أن الأنظمة العربية وميليشياتها، قتلت من العرب ومواطنيها أكثر مما قتلت من "الإسرائيليين"! وإذا حاولنا إجراء جمع تقريبي حول أعداد القتلى والشهداء العرب بأيدي طغاتها، لما فوجئنا بأنها تجاوز عشرات (بل مئات الألوف) على الخريطة العربية. يعني أن إسرائيل على نزعتها الإجرامية قد لا تكون وصلت الى ما وصلت إليه هذه الأنظمة من حيث كمية الضحايا. رائع!
كان الشعب العربي إذاً بين نيران العدو الإسرائيلي وبين نيران الطغاة. بين معتقلات الكيان الصهيوني والمعتقلات العربية (مئات الألوف)، بين سياسة التطهير العنصرية العبرية وبين سياسة التطهير "العنصرية" أو الإيديولوجية أو الدينية العربية. بين عمليات "التهجير" المنظمة من خلال المخططات الاستيطانية، وبين عمليات التهجير المنظمة (العربية) لفئات واسعة من الشعب العربي. (لو أحصينا الدياسبورا العربية منذ نشوء هذه الأنظمة الاستبدادية لتخطت الخمسة ملايين أي ما يعادل سكان إسرائيل الحاليين): أي إسرائيل تجلب اليهود وغير اليهود الى كيانها، والأنظمة العربية تهجر ناسها من أرضهم. يا للمفارقة. و"عجبي"! كما يقول الشاعر المصري صلاح جاهين. عجبي! واللافت أن أنظمتنا هذه أنجبت فصائل وأحزاباً وميليشيات و"مقاومات" (يمينية، يسارية قومية، مسيحية، إسلامية، فلسطينية، لبنانية، سورية، عراقية...) مقولبة على شاكلتها، عقلاً وإجراماً وعمالة وفساداً: "ميني" أنظمة، تماهت بمدارس القتل والكذب والعنف التي أسسها الديكتاتوريون والاستبداديون، وتعرضت، ارتباطاً للصراعات بينها، للانقسامات ذاتها: تحت شعارات تافهة، تبرّر ارتباطاتها، وترسخ ابتعادها عن معتقداتها أو عن قضاياها، أو المسألة المركزية، أي فلسطين، واسترداد الأراضي التي احتلها العدو: من الجنوب اللبناني (وقد تحرر بفضل المقاومة الوطنية والإسلامية والشعب اللبناني) الى الجولان، وصولاً الى فلسطين. ورأينا أن تحرير الأرض بالنسبة لهؤلاء صار كأنه أشبه بالمقايضة على بقاء هذه الأنظمة واستمرارها، وورقة، مجرد ورقة لتجميد الصراع العربي الإسرائيلي لقاء هدنة معلنة وسلم غير معلن، أو اتفاقات سرية، أو معروفة. وكبديل من تهيئة الجيوش العربية لاسترداد الأراضي المحتلة، فقد حُولت الجيوش (وقد يكون هذا جزءاً من المقايضة مع إسرائيل)، من دورها القتالي وحماية الديار والحدود، الى أدوات للدفاع عن هذه الأنظمة، وقمع الشعوب، والسقوط في الفساد: فالجيوش انتقلت من عقيدة قتالية تحريرية ضد العدو الى عقيدة قتل المواطنين. لم تعد مرتبطة لا بدولة ولا بأعراف ولا بدستور، بقدر ما باتت تحت أمرة مجموعات مذهبية أو عائلية أو حزبية أو مناطقية، تختزل الشعب والمجتمع والتاريخ. لهذا ربما قامت جيوش من هنا أو هناك بالتواطؤ مع العدو الصهيوني لإدامة احتلاله لبعض الأراضي العربية بمنطق "شيّلني وأشيّلك"؛ ولكي يتم ذلك، من باب "حرف" الأنظار عن توسع التهديد الإسرائيلي وترسيخ احتلاله، نقل المعارك من معارك مفترضة بين هذه الأنظمة وإسرائيل الى معارك حقيقية بين الأنظمة العربية نفسها، بين سوريا والعراق (مدرسة بعثية واحدة)، وبين مصر واليمن، وبين العراق والخليج (وصولاً الى غزو الكويت)، وبين سوريا والأردن... وبين منظمة التحرير (عرفات) وسوريا... وهذه الانقسامات انعكست على الأحزاب والفصائل الفلسطينية والعقائدية والحزبية، وحدث بينها ما يشبه الصراعات الأهلية؛ فصائل فلسطينية موالية لعرفات، وأخرى للجبهة الشعبية (حبش)، وأخرى الانشقاقية (جبريل) موالية لسوريا، وأنشئت "مقاومات" من قبيل الصاعقة (سوريا)، و"العاصفة" وفتح... من دون أن ننسى حصة صدام حسين والقذافي في هذه الارتباطات. وأخيراً حصة إيران عبر حماس (خالد مشعل) التي أضيفت الى الحصة السورية، وكان من نتائجها تقسيم التقسيم في فلسطين: "غزة" لحماس و"الضفة" للسلطة: سلطتان متناحرتان أدى نزاعهما الى حروب ومعارك وقتلى وضحايا شبيهة بالنزاعات المسلحة في بيروت السبعينات بين "الصاعقة" (سوريا) وفتح (عرفات). كل هذه الانقسامات بدّدت توحيد الجهود لمواجهة إسرائيل، فاستبدلت بحروب هامشية بين الأحزاب البعثية والشيوعية واليمينية واليسارية، وأدت كلها الى ألوف الضحايا! في هذا الوقت كانت إسرائيل (بفضل هذه الأنظمة) تعزز احتلالها، وترسخ كيانها، وتوسع حركاتها الاستيطانية، وتؤكد تهويدها للجولان والقدس ومناطق أخرى! إذاً تلك الشعارات التي شهدتها الأنظمة الطغيانية كمثل "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" و"الصمود والتصدي" و"دول الطوق"... كانت غباراً، مجرد غبار لحرف الأنظار عما ترتكبه إسرائيل، التي تنعّمت بالسلام سواء في الجولان أو من خلال الاتفاقات والمعاهدات (مصر، الأردن) منذ أربعة عقود، ما عدا الجنوب اللبناني، الذي دأب بعض الأنظمة المتهادنة المتفاوضة مع المحتل، على جعله بديلاً من المواجهة فيها: نمانع في لبنان الذي حرر أرضه، ونهادن على الجبهات الأخرى! والواقع أن الراحة التي تنعّمت بها إسرائيل على حدودها (ما عدا لبنان)، رافقتها راحة تنعّمت بها الأنظمة أمنتها لها إسرائيل أولاً، ومن ثم أميركا وأوروبا... "لحكمتها" وواقعيتها أو لعزوفها عن المواجهة. راحة الاحتلال مقابل راحة المحتل. أمن الاحتلال مقابل أمن المحتل. معادلة أراحت أميركا، فدعمت هذه الأنظمة وحمتها وسكتت عن جرائمها وفسادها بحق الشعوب (أوليس هذا ما فعلته الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية عندما دعمت الدكتاتوريات في قمعها للحريات والأحزاب المناهضة لها؟ وهل ننسى مثلاً بينوشيه؟).


هذا الاسترخاء المتفق عليه بين بعض هذه الأنظمة وإسرائيل، على الحدود، وكأنه نوع من قبول الأمر الواقع، وفي ظل مفاوضات شكلية ترسخ أكثر فأكثر الاحتلال، استدارت هذه الأنظمة على شعوبها، ففرضت قوانين الطوارئ لضرب الحريات، وعززت المخابرات، ووسعت السجون، وعاثت فساداً، وصادرت الحقوق المدنية والحريات، ونهبت البلدان، وتحوّلت "اللادولة" عصابات عائلية متوارثة ومتعاقبة، وأرست معادلة 99,99% التافهة، وألغت دور البرلمان، والحكومة، (وكذلك الجيش)، وبنت جيوشاً شبه عائلية مدربة للقمع، ولحماية الامتيازات، تحت مظلات عائلية حزبية، عائلية مذهبية، عائلية سياسية! واستمر كل ذلك حتى اندلعت الثورات العربية من لبنان "ثورة الأرز" الى تونس فإلى مصر فإلى ليبيا، فإلى اليمن، فإلى سوريا! وكانت هذه اللحظة التاريخية الفاصلة؛ كانت الظاهرة الكبرى منذ قرن. إنتهى عصر الأنظمة الانقلابية بمسميات ثورية، وانتهت هيمنة سلالات التوريث ونزل الناس وحرروا الميادين والشوارع التي كانت محرّمة عليهم. رائع! تهاوى الطاغية الأول في تونس، ثم الطاغية الثاني في مصر، وها هو الطاغية الثالث في اليمن في الطريق الى السقوط، ليتبعه أو ليسبقه الرابع في ليبيا... ورائعة لعبة الدومينو إذا استمرت ونظنها ستستمر.


لكن الغريب أن هؤلاء الطغاة لم يتعلموا شيئاً من عهود طغيانهم. مارسوا لعبة القتل إياها. ولغة المجازر. والتخوين. والتشويه. واستخدام الجيوش والأمن في قمع الثوار، تماماً كما فعلوا سابقاً. لكن هناك عصراً جديداً لم يفقهه هؤلاء: عصر الشعوب التي حطمت جدران الخوف، والرعب، والأصنام، لتتحول جيوش الطغاة وفرق الموت التي أفلتوها كالوحوش على الناس، مجرد خردة. ولو جمعنا في حصيلة تقريبية أعداد الشهداء والضحايا في صفوف الثوار العرب في الأقطار المنتفضة لتجاوزت منذ بدايتها الألوف، وتجاوز عدد المعتقلين عشرات الألوف، والجرحى عشرات الألوف، وتجاوزت أهوال الدمار الذي نتج عن قصف الطائرات والدبابات والمدافع والقنص... وتجاوز عدد النازحين الألوف. إذاً اللعبة ذاتها هذه المرة: نيران الطغاة التي حيّدت العدو نحو أربعة عقود (مثل السمن والعسل)، تفتك بالأطفال والنساء والشباب والشيوخ والمدن والبلدات. لكن المفارقة أيضاً أن اللعبة القديمة التي ترافق عبرها قمع الطغاة لشعوبهم واقتراف المجازر في حقهم، وقمع إسرائيل المماثل للمقاومات العربية والناس، في لبنان وفلسطين... (وبوجود اخلاط الوصايات)، يجعل من الشعب العربي، اليوم، كأنه فريسة نارين: النار الصهيونية في الجنوب اللبناني وفي الجولان (منذ أربعين سنة تعشش الزغاليل في من كثرة الهدوء والطمأنينة والدعة)، ونار الطغاة في ليبيا واليمن وقبلهما في مصر وتونس... وصولاً الى ما يجري في سوريا! والغريب، وكما كان يحدث دائماً، أن بعض الأنظمة تستخدم الناس وقوداً، أو رسائل دموية، وفي الوقت الذي تطلق فيه الناس لاختراق الحدود (وهذا من حقها الطبيعي) الإسرائيلية أو الأراضي المحتلة، تقف جيوشها مكتوفة الأيدي، غير معنية بالدفاع عن هؤلاء، باعتبار أنها مشغولة بقمع انتفاضاتها: ناس يرسلون الى الموت المحتوم كسلع أو كرسائل، وجيوش تتفرج! ونظن أن حركة الاحتجاج التي قامت في مخيم اليرموك الفلسطيني خير دليل على وعي الفلسطينيين الذين ذاقوا نيران إسرائيل كما ذاقوا نيران بعض هذه الأنظمة وتنظيماتها، وعلى رفضهم أن يستمروا وقوداً وفرائس وقرابين تزهق من أجل الغير، بعيداً عن قضيتهم وعن نضالهم. أوليس هذا ما حدث مع اللبنانيين، والفلسطينيين، ومن صفّى المقاومة الوطنية والمقاومة الفلسطينية، غير نيران وجهت إليهما من العدو الإسرائيلي وعبر الصراع على من يحوز ورقتهم بحيث تحولوا ورقة في جيب هذا النظام، أو رسالة في بريد ذلك النظام. والمعروف أن مسلحي أحمد جبريل قتلوا قرابة 11 فلسطينياً بالطرق التي قتل الإسرائيليون الفلسطينيين عندما سمح لهم (بعد أربعين عاماً) من اختراق الأسلاك الإسرائيلية الشائكة!


واللافت أن الاتهامات التي ساقتها إسرائيل ضد الثوار الفلسطينيين كالإرهاب، والسلفيين، والأصوليين، هي ذاتها التي اتهمت بها الأنظمة العربية ثوارها: اللغة ذاتها، والعنف ذاته، والاحتقار ذاته.. والدم ذاته.


مع هذا نظن أن أنظمة الطغاة عندنا التي "رعت" تنامي السرطان الصهيوني على امتداد ستة عقود، والتي أمّنت له البيئة المناسبة لاستفحاله، غير قادرة لا على مواجهة هذا الكيان ولا على الاستمرار في قمع ناسها. الثوار من مشرق العرب الى مغربهم، هم مستقبل هذه الأمة. ونظن أنهم، بمواقعهم الديموقراطية، وبممارستهم للحرية، ولاحترامهم لناسهم، قادرون على تسلّم الدفة، سواء في مواجهة العدو أو في تطوير الأنظمة، لتكون فعلاً مؤهلة لقيادة بلدانها. ونظن أن معادلة "الممانعة" تساوي قمع الشعوب والاستبداد وقوانين الطوارئ سقطت لتقوم مقامها معادلة ضرورة الجمع بين الديموقراطية والتحرير، بين الحرية والاستقلال، بين الكرامة والنضال.



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
تقرير لوزارة الخارجية الأميركية يؤكد حصول «تغييرات طائفية وعرقية» في سوريا
انقسام طلابي بعد قرار جامعة إدلب منع «اختلاط الجنسين»
نصف مليون قتيل خلال أكثر من 10 سنوات في الحرب السورية
واشنطن تسعى مع موسكو لتفاهم جديد شرق الفرات
دمشق تنفي صدور رخصة جديدة للهاتف الجوال
مقالات ذات صلة
سوريا ما بعد الانتخابات - فايز سارة
آل الأسد: صراع الإخوة - فايز سارة
نعوات على الجدران العربية - حسام عيتاني
الوطنية السورية في ذكرى الجلاء! - اكرم البني
الثورة السورية وسؤال الهزيمة! - اكرم البني
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة