|
تتحول عمليات مواجهة التطبيع مع إسرائيل في الأردن إلى عقوبات للذات وحرمان من الفرص الناشئة عن معاهدة السلام مع إسرائيل وتحولها إلى أضرار بلا منافع، وتسلك سلوكاً مزدوجاً غريباً، ففي الوقت الذي يستقبل الشيخ رائد صلاح على سبيل المثال باعتباره مناضلاً ضد الاحتلال (وهو كذلك بالفعل) لا يلتفت أحد إلى أنه يحمل الجنسية الإسرائيلية ويرأس مجلساً بلدياً في ظل النظام السياسي والانتخابي الإسرائيلي، بل إن قدرته على النضال والعمل والتحرك في إسرائيل وفلسطين ناشئة عن الحقوق والفرص التي تمنحها له مواطنته الإسرائيلية، وفي الوقت الذي تشن هجمة إعلامية على جامعة أردنية لحرمانها من فرص تطوير تقنيات المياه في بلد هو الأفقر مائياً في العالم وهو أحوج ما يكون الى مثل هذه التقنيات لا يريد أحد أن يلتفت إلى أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية إنما هي مشروعات ينفذها فلسطينيون وأن نسبة مساهمتهم في العمل والتنفيذ فيها تساوي مئة في المئة وأنه من دون هذه المشاركة الفلسطينية يستحيل بناء بيت واحد في الضفة الغربية. هذه الحملات الإعلامية والشعبية ضد المشروعات والبرامج المشتركة مع المؤسسات والجامعات الإسرائيلية تضر كثيراً بالمصالح الوطنية والفرص المتأتية من العلاقة مع إسرائيل، وتحولها إلى عبء وخسائر صافية بدلاً من أن تكون مزيجاً من المكاسب والمخاسر، فهناك كما يبدو برامج ومنح دولية للجامعات والمؤسسات تضيع بسبب الخوف من المشاركة مع مؤسسات إسرائيلية، أو أنها تتم في السرّ، وفي ذلك غطاء (محتمل) لكثير من الفساد والتجاوزات، وهذا لا يضر الاحتلال الإسرائيلي في شيء، بل يجعل الجامعات والمؤسسات الإسرائيلية تحصل على الفرصة كاملة من غير شراكة أردنية.
ومعلوم أيضاً أن الجامعات ومراكز البحوث الإسرائيلة تحرز تقدماً كبيراً وموقعاً مهماً اكاديميا وبحثيا وتقنيا في العالم، ويمكن أن تمنح العلاقات الإسرائيلية - الأردنية فرصاً ممتازة للطلاب والباحثين والجامعات والمراكز البحثية للحصول على مكتسبات جديدة وتطور عملها وتستفيد من هذه التجارب المتقدمة. وبالطبع، فإن المشاركة في الأعمال والمشروعات الاقتصادية والعلمية لا تعني الموافقة على الاحتلال والتجاوزات الإسرائيلية، ولا تعني أيضاً أنه لا توجد خلافات كبيرة وجذرية مع إسرائيل، ولكنها دولة مثل كثير من الدول التي نقيم معها علاقات ونختلف معها اختلافاً كبيراً، الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وسائر دول أوروبا، ولا يمكن مواصلة الموقف الرافض جذرياً وبخاصة مع توقيع معاهدة سلام وما تبع ذلك من متوالية من الأعمال والعلاقات، كما أن أحداً لا يريد ولا يدعو اليوم إلى الحرب ضد إسرائيل، ولن يكون الحال السلبي (لا سلم ولا حرب) أفضل حالاً، وعلى أية حال فإنها حالة لم تعد قائمة في ظل معاهدة السلام التي أقرت وأخذت وضعها القانوني والتطبيقي، وإذا كانت ثمة جهات لا ترى في إقرار المعاهدة مع إسرائيل سبباً كافياً ووجيهاً لتطبيقها، فلا يمكن دعوة الآخرين وبخاصة المؤسسات والجامعات الحكومية، فكيف توقع الحكومة معاهدة ويوافق عليها البرلمان، ثم تمتنع عن تطبيقها، وتحرم نفسها وبلدها ومجتمعاتها من الاستفادة منها.
العلاقات الأردنية - الإسرائيلة في المجالات الاقتصادية والعلمية وغيرها تجري بموجب معاهدة قانونية أقرها البرلمان الأردني، وإذا كانت مؤسسات حكومية أو شعبية أو اقتصادية ترى ذلك سبباً كافياً للمشاركة في اعمال وبرامج مشتركة، فلا يحق لأحد اتهامها او منعها... وإذا عادت هذه المشروعات بفوائد اقتصادية وعلمية على البلد أو المواطنين، فهذا مكسب كبير ومهم يجب تقديره، بل هو إنجاز وطني نعتز به، ولا يدعو إلى الخجل ولا إلى الإسرار، وأكرر القول بأن تحويل الأعمال والمشروعات إلى سرية سيكون مدخلاً محتملاً للفساد والتجاوزات، فتكون خسائرنا مضاعفة، وتصبح برامج ومواقف «مقاومة التطبيع» في الحقيقة سبباً في الفساد، بل وموقفاً يطلبه ويتمناه المستفيدون شخصياً من التطبيع.
* كاتب أردني
|