|
أخطر ما تتجاهله القوى السياسية والشخصيات الوطنية المحترمة التي تتبنى الآن الدعوة إلى "الدستور أولا" هو الانطباعات شديدة السلبية التي تتركها دعوتهم في نفوس المواطنين المصريين بشأن القيمة الفعلية للممارسة الديموقراطية. فكيف لمن طالب المواطنين بالمشاركة الفعالة في بناء الديموقراطية والتصويت في استفتاء التعديلات وتشجيع آخرين على التصويت والامتناع عن المقاطعة أن يقترح عليهم تجاهل نتيجة الاستفتاء دون الاستناد إلى تجاوزات وخروقات فعلية تبطل الاستفتاء قانونا (وهي لم تحدث)؟ قطاع عريض من المواطنات والمواطنين يرى في هذا استخفافا بهم وبمشاركتهم وعودة إلى عقود "صوتك يا مواطنة لا قيمة له" أو ربما بصيغة معدلة "صوتك يا مواطنة لا قيمة له إلا حين تصوتين تماشيا مع قناعاتي".
كيف لمن يريد تحولا ديموقراطيا أن يشكك المواطنين في القيمة السياسية لمشاركتهم في الممارسة الديموقراطية بتجاوز ما وافقوا عليه في استفتاء التعديلات؟ وكيف يقتنع المواطنون في ما بعد، في اختبارات ديموقراطية مقبلة، بأن مشاركتهم وأصواتهم سيتم احترامها وسيعتد بها؟ هل يمكن، وبعد عقود من الاستبداد رسخت لدى المواطنين الشك في السياسة والساسة والأحزاب ونستدعي ذاكرتها الأليمة بتجاهل نتيجة الاستفتاء، إقناع المواطنين بمغزى المشاركة الواعية في الانتخابات البرلمانية وبقيمة الصوت الانتخابى إن كانوا يعلمون أن بعضا ممن سيشارك بالانتخابات قد لا يقبل النتائج ويجرد العملية الانتخابية من الشرعية؟ بالقطع لن ننجح في إقناع المواطنين بالمغزى الديموقراطي وسنتركهم مجددا فريسة للعزوف عن السياسة وعن نخبها المتعالية.
والمؤكد أن من يتحرك خارج دوائر النخب السياسية يستطيع أن يدرك جيدا الشعور بالمرارة لدى الكثير من المواطنين لتجاهل تفضيلاتهم من قبل نخب تناقش قضايا الوطن في العاصمة وكأنها امتلكت الوطن أو لديها توكيل عام بالوصاية عليه. بغض النظر عن أسباب ومرتكزات تفضيلات واختيارات المواطنين والتي دفعت غالبية منهم للتصويت بنعم في استفتاء التعديلات، لا يجوز ديموقراطيا التعامل مع التفضيلات والاختيارات هذه باستعلاء وصلف. كتبت أكثر من مرة، وأصدق القراء القول بأنني بت أشعر بألم شديد من الحاجة لتكرار هذا بين الحين والآخر، إن من صوتوا بنعم هم أيضا مواطنون كاملو الأهلية ويتمتعون بحس وطني وضمير يقظ يبتغي مصلحة الوطن العامة أن إرادتهم لا بد وأن تحترم. حديث بعض ممثلي النخب عن هؤلاء بصلف على أنهم جهلاء لا يدركون مصلحة الوطن سبَّب وما زال إحباطا شديدا لدى مواطنين باتوا يبتعدون تدريجيا عن السياسة وعن نخب لا يشعرون فقط أنها لا تمثلهم، بل وتتعالى عليهم.
لا تملك القوى السياسية حق احتكار الحديث باسم الضمير الوطني ولا حق التعامل باستخفاف مع أصوات المواطنين بادعاء أنها تدرك طبيعة الخيارات الأفضل للوطن. فمثل هذه التوجهات لا تعدو إلا أن تكون صيغا معدلة من مقولات الاستبداد التقليدية على شاكلة "نحن ندرك مصلحة الوطن والمواطنين" والتي لا تترك للمواطن سوى مساحات الفعل التابع والأخير نقيض للممارسة الديمقراطية التي تبني المواطن الحر الواعي المسؤول. أرجو القوى السياسية الداعية إلى الدستور أولا من تيارات ليبرالية ومدنية، وأنا منهم، إعادة النظر في موقفها والتدبّر في تداعياته السلبية على انفتاح المواطنات والمواطنين المصريين على المساهمة في بناء الديموقراطية والمشاركة في اختباراتها.
"الشروق" المصرية
|