الجمعه ١ - ٥ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: حزيران ٢٣, ٢٠١١
المصدر: جريدة الحياة
لبنان وفلسطين بعد تعطيل خيار الائتلاف الوطني - رغيد الصلح

انطوى إعلان إيقاف المفاوضات بين حركتي «حماس» و «فتح»، ومن ثم فشل مساعي تشكيل حكومة وحدة وطنية، على انتكاسة أليمة للقضية الفلسطينية، كما انطوى عجز القيادات اللبنانية، قيادات ا8 و14 آذار، عن تشكيل حكومة وحدة وطنية، على انتكاسة موجعة للمصالح الوطنية اللبنانية. ان القيادات الفلسطينية واللبنانية تتصرف وكأنها تمارس العمل السياسي والقيادي في بلدين يمران بظروف عادية، ولكن هذا الاعتقاد هو في غير محله.


البَلَدان، شئنا أم أبينا، يتحملان عبء مواجهة التوسعية الاسرائيلية والقوى الدولية التي تدعم اسرائيل. إن البُلْدان التي قادها التاريخ او الجغرافيا، او الاثنان معاً، الى ما يشابه اوضاع لبنان وفلسطين، كانت تسارع الى تشكيل حكومات وحدة وطنية، وهذا ما فعله البريطانيون على ابواب الحرب العالمية الثانية، فعندما ادرك تشمبرلن، رئيس الحكومة البريطانية، أن هتلر الذي وقّع معه معاهدة سلام خدعه، ولم يكن يرغب حقاً في السلام، دعا زعماء بلاده الى تشكيل حكومة وطنية، لأنه «من دونها لن تتمكن بريطانيا من مواجهة الهتلرية». ومن أجل تحقيق هذه الغاية، لم يشكل الزعماء البريطانيون مثل هذه الحكومة فحسب، بل ذهبوا الى ابعد من ذلك بكثير، فعندما هُزمت فرنسا في الحرب، عرض الزعماء البريطانيون على الحكومة الفرنسية اعلان الاتحاد فوراً بين البلدين لمواصلة الكفاح المشترك ضد الهتلرية والفاشية.


في تلك المرحلة من التاريخ، ولما شكّل الجنرال ديغول «اللجنة الفرنسية للتحرير الوطني»، حرص على ان تضم الأحزابَ الفرنسيةَ المناهضةَ للنازية والفاشية من اقصى اليمين الى اقصى اليسار. وسواء في تلك اللجنة او في البرلمان البريطاني، لم يكن اشتراك الاحزاب في سلطة واحدة تملك صلاحيات واسعة، سبباً لتعطيل اساليب العمل الديموقراطي بين البريطانيين او الفرنسيين. بالعكس، ترك للعملية الديموقراطية ان تأخذ مجراها حتى في أشد القضايا حرجاً ودقة. وهكذا، على سبيل المثال، عندما عرضت قضية استقلال لبنان على اللجنة الفرنسية، صوّت ديغول ومعه اثنان من اعضاء اللجنة، ضد إعطاء اللبنانيين استقلالهم الناجز، ولكن الاقتراح باستقلال لبنان مرَّ بنجاح، لأن اكثرية اللجنة صوتت، بعد نقاش طويل، الى جانبه وضد ارادة زعيمها.


إن مواجهة التوسعية الاسرائيلية تمثِّل وحدها سبباً كافياً لتشكيل حكومات وحدة وطنية، او حكومات ائتلاف موسَّع. وفضلاً عن هذا السبب، هناك اسباب اخرى تحث على تشكيل مثل هكذا حكومات في لبنان وفلسطين، تتمثل في مصاعب اقتصادية واجتماعية وسياسية متفاقمة يتعرض لها البَلَدان، يعود أكثرها الى الصراع على السلطة، وإلى الأزمات المتراكمة التي خلّفها هذا الصراع. ولقد شهدت شعوب ودول اخرى مثلَ هذه الأعراض، حتى اذا استفحلت وباتت تهدد مستقبل هذه الدول والشعوب، كما هو الامر في لبنان وفلسطين، عمدت احزابها الى تشكيل حكومات اتحاد وطني.


واجهت النمسا مثل هذه الاوضاع في منتصف الاربعينات، فانقسمت البلاد، كما هو الامر في فلسطين، وضُرب اقتصادها كما ضرب اقتصاد البلدين. وإزاء المأساة العميقة التي عاشتها بلادهم، اتجهت الاحزاب النمساوية الرئيسة الى تشكيل حكومة الائتلاف الكبير، التي عاشت قرابة عشرين عاماً تقريباً. خلال تلك الفترة، طبقت الحكومة النمساوية سياسات لم تكن لتنجح لولا الطابع الائتلافي للحكومة، وتمكنت من تأميم بعض المرافق الرئيسة - مثل الصناعات الثقيلة - بيسر، لأن مشاركة المحافظين في الحكومة ضمنت تأييد رجال الأعمال لمثل هذه القرارات، وتمكنت الحكومة بفضل مشاركة الاشتراكيين فيها، من ضبط الغلاء، بعد التفاهم مع النقابات العمالية على سلم الاجور واستقرار الاسعار. وهكذا، أمكن خلال سنوات الحكم الائتلافي إعادةُ بناء الاقتصاد وتوحيد البلد وإخراج القوات الاجنبية من أراضيه وإعادة النمسا الى الخريطة الدولية.


بديهي ان الحديث عن ضرورات حكومات الوحدة الوطنية هو حديث متأخر في لبنان، فالحكومة الجديدة هي امر واقع، وهناك قسم كبير من اللبنانيين يفضل أي حكومة على الفراغ السياسي، وهناك قسم آخر يرحب بالحكومة، اذ ينظر إليها من منظار الانقسام السياسي/ الطائفي القائم في البلاد. الاكثرية الحاكمة تظن ان الحكومة الجديدة سوف تفسح المجال امام الاصلاح الذي تَعِد به، وسوف تحمي ظهر المقاومة التي - برأيهم - كانت الحكومات السابقة تترصدها. الاقلية المعارضة تعتبر أنها خسرت تكتيكياً ولكنها سوف تربح على المدى البعيد، فعمّا قريب سوف تتحول الحكومة، بأحزابها وتكتلاتها، الى هدف مكشوف للعقوبات والضغوط الدولية.


قد تكون المعارضة اقرب الى الصواب في توقعاتها، ذلك ان التطورات المرتقبة لمعركة الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة قد تدفع باتجاه تصعيد الضغط على العرب، خاصة على لبنان وفلسطين، لصلتهما المباشرة بالصراع مع اسرائيل. وهناك دلائل على ان عودة اوباما الى البيت الابيض لن تكون سهلة. ترجح هذه الإشارات ان يدخل حاكم ولاية تكساس ريك بيري، الصراعَ الرئاسي. وحيث إن بيري يحظى بشعبية كبيرة خارج حزبه وولايته، فإنه سوف يشكل منافساً قوياً لأوباما، وسوف يضطره الى تقديم المزيد من التنازلات لجماعات الضغط، وفي مقدمها اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، من اجل كسب تأييد مناصري اسرائيل. ومن المؤكد ان العديد من هذه التنازلات سوف يكون على حساب لبنان وفلسطين، وسوف يتبلور في تصعيد الضغط على حكومتي بيروت وغزة.
هل يفيد هذا المعارضةَ اللبنانيةَ؟ نعم، يفيدها اذا كان هدفها الرئيسي هو ان «تقتل الناطور» وان تدخل لعبة صفرية مع الاكثرية الحاكمة. ما عدا ذلك، فإن لبنان قد ينزلق نتيجة السياسات المتشددة، او ربما المتشنجة والمتبادلة على الصعيد الداخلي والصراعات المحلية، الى انقسام هو اشبه ما يكون بالانقسام القائم بين رام الله وغزة.


فمن اجل الحفاظ على الوحدة الترابية للبنان، ومن اجل إنهاضه من جديد، لا بد من ابقاء الباب مفتوحاً امام خيار حكومة وحدة وطنية لبنانية.
مؤكد أنه من الصعب ان يأمل المرء ان يقوم اي من فريقي الصراع الرئيسيَّيْن في لبنان بهذه المهمة، ولكن خارج هذا الاطار، هل هناك من امل في ان تعتمد الهيئات الاقتصادية هذا الخيار؟ هل هناك احتمال في ان تعتمده الاتحادات النقابية التي طالبت بالإصلاح في مذكرة رفعتها الى الحكومة الجديدة؟ إن اعتماد هذا الخيار يعني ان البديل من الحكومة الحالية، حتى ولو بعد سنوات، لن يكون حكومة فئوية، بل وطنية.


هذا الخيار هو بالتحديد ما تحتاج اليه حكومة غزة والسلطة الفلسطينية في رام الله. إن الفريقين يتصارعان على رئاسة الحكومة وكأنها حكومة حقيقية في دولة فلسطينية جدية. ان الكيان الفلسطيني في الضفة والقطاع لا يزال كياناً افتراضياً بأحسن الأحوال، واذا استمر الصراع بين «فتح» و «حماس»، فإن الاعتراف بدولة فلسطين قد يتحول مع الزمن الى ما يشبه جائزة الترضية، التي تعطى لمن خسر كل شيء، بما في ذلك الأوهام. واذا استمر الصراع بين الفريقين، فإن الوضع الراهن في الاراضي المحتلة سوف يكتسب مع الوقت - إن لم يكن قد اكتسب فعلاً - شرعية الامر الواقع. إنها شرعية العصبوية التنظيمية والمحلوية ضد الولاء الوطني. أما بالمنظار الاسرائيلي، فإنها لن تزيد عما اقترحه نتانياهو يومَ دخل الحكم: «بورتوريكو فلسطينية».


حكومة الوحدة الوطنية في فلسطين ولبنان ليست خياراً، إنها ضرورة. المشاركون في هذه الحكومات ليسوا في حاجة الى ان يحب بعضهم بعضاً، ولكن إلى أن يقتنعوا بأنه ليس هناك من بديل سويّ لهذه الحكومات في الظروف الراهنة. البديل من ذلك ليس حكومات تمثل فريق عمل منسجماً ومتماسكاً، فلو كان الامر كذلك لتشكلت الحكومة اللبنانية منذ اربعة اشهر. البديل من ذلك ليس «أكثرية تحكم وأقلية تعارض»، كما تقول أرقى النظم «الديموقراطية». البديل من ذلك هو حروب استنزاف تخوضها أطراف الصراع الداخلي ويدفع ثمنها الشعب.
إن الحكومة الوطنية الفلسطينية ليست خياراً. إنها ضرورة. إنها الفرق بين الاستمرار في الكفاح ضد الاحتلال والصهيونية، وبين الاكتفاء بقطعة ارض صغيرة تقوم عليها حكومات افتراضية. تشكيل هذه الحكومة لن يحرر شبراً من أرض الوطن، ولن يُخرج جندياً إسرائيلياً من سهول فلسطين وجبالها.


* كاتب لبناني

 



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
ماكرون يتوقع الأسوأ... والحريري يدرس الاعتذار
الفاتيكان يدعو البطاركة إلى «لقاء تاريخي» لحماية لبنان
البنك الدولي: لبنان يشهد إحدى أسوأ الأزمات الاقتصادية العالمية منذ منتصف القرن 19
عون: الحريري عاجز عن تأليف حكومة
اشتباكات متنقلة في لبنان على خلفيّة رفع صور وشعارات مؤيدة للأسد
مقالات ذات صلة
نوّاف سلام في «لبنان بين الأمس والغد»: عن سُبل الإصلاح وبعض قضاياه
حروب فلسطين في... لبنان - حازم صاغية
حين يردّ الممانعون على البطريركيّة المارونيّة...- حازم صاغية
عن الحياد وتاريخه وأفقه لبنانياً
جمهوريّة مزارع شبعا! - حازم صاغية
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة