|
روبسبير ظلّ طاغية حتى بعد إعدامه شنقاً، وكان الملمح الأسود في الثورة الفرنسية، والمفتتِح الرحب لقتل كل من يُعارضه، أو يخالفه الرأي، ولو كان من محبذي الثورة، ومن رموزها (دانتون) وغاليغولا ظل غاليغولا. و"الملك هو الملك" (عنوان مسرحية سعدالله ونوس). ويعني ذلك الشعور بالاستثناء "الثوري بين الثوار" و"الاستعلائي" على الجميع، ليلتبس الاستثنائي "الانساني" بما هو "الهي" (أو ديني). أي ثنائي. هو من جهة والعالم من جهة. هو من جهة والإرادة المطلقة من جهة اخرى.
هو "المقدس" من جهة، والمعصوم والقاضي والفيصل والآخر هو المستباح. إنها اللعنة الموروثة تناقلت عدواها على مر التواريخ، من ستالين إلى هتلر إلى موسوليني إلى بول بوت وماوتسي تونغ.. وصولاً إلى ما أفرزته الوقائع العربية. فروبسبير الفرنسي له المعادل عندنا. المعادل "الموضوعي" بامتياز: له كل شيء وليس للآخرين شيء. وكل مطالبة بـ"شيء" (بالنسبة إلى الطاغية) هو اعتداء على كل شيء: على الممتلكات الخاصة به.
وعلى امتداد العقود الستة التي عاشها العرب وجدنا مثل هؤلاء كتعبير واضح لمثل هذه الظواهر "الثورية" وغير الثورية. وعندما يتعلق الأمر "بالثورة" تتضاعف "الظاهرة" وتشتّد العدوى، وتستفحل "المُلكية" وتتفاقم العلاقة بين "الأنا" الشخصانية للمستبد وبين الناس، و"الآلهة" والمجتمع. لا شيء يربط بين "الأعلى" و"الأسفل" بين السماء والأرض. بين الجنة والنار. كل شيء على انفصال. ذلك ان عالم الطغاة هو عالم الانفصالات. عالم التفككات. عالم المنفيات. هو "الرابط" بين الأمور لأنه الفاصل: لا تجتمع الدولة والدولة. ولا الشعب مع الشعب. ولا الدستور مع الدستور. ولا الحقيقة مع الواقع. ولا الموت مع الحياة. فكل شيء "ميت" "عدم"، نافل، عطب، بالنسبة إلى "الكائن" الأوحد: الطاغية.
ولكل محاولة "اثبات" العكس، تهديد لهذه الانفصالات؛ فالمطلق يعني المُغلَق، والمُغلق يعني السر. والسر يعني المقدس. والمقدس يعني المحظور. ووحدة الأشياء هي موت الأشياء ومصطلح الشعوب يعني القتل. كل ما هو موجود تعبير احادي عن السلطة. السلطة وحدها موجودة تحاور وحدها في عالم من الحقائق الدامغة. السحر يحاور السحر. والقدر يحاور القدر. والمعجزة تحاور المعجزة. لا مكان لاختراق. أو لمحاجّة. أو لمصاوتة. أو حتى لمواهنة: فالرأي هو رأي. والفكرة هي "فكرة" والحُكم هو حُكم. ولهذا عندما نتابع متواليات الطغاة عندنا، منذ الخمسينات وحتى الآن، نجد ما يتواءم وما يتماثل وما يتماهى بين طاغية وطاغية، وتالياً بين ناس وناس: القالب الاستبدادي واحد و"القالب" الشعبي واحد. والعلاقة واحدة. هذا ما وجدناه في عهود الطغاة "الزاهرة" وهذا ما نجده اليوم في خريفهم الذليل الطويل: حتى في سقوطهم المدّوي، يبقى التماثل قائماً. وحتى في طريقة مواجهتهم للثوار يبقى التماثل قائماً: رفض الواقع والمكابرة والاستمرار في التمسك بالعوالم الخرافية، و"بالحقائق" المجردة، وبالمطلقات التي تحتسب لهم الاستثناء. فهم "الآلهة" ما زالوا "الآلهة": والمتجرئون عليهم من الاحتجاجيين، والصارخين والمتظاهرين والثوار ليسوا أكثر من جرذان (كما كانوا دائماً بالنسبة إليهم) وكلاب ضالة، وعملاء للخارج، ومرضى ومهووسين وجراثيم وخارجين على القوانين و"كفار" ولصوص ومجرمين: انها الصفات الخالدة التي يلصقها الطغاة بالشعوب. وهذا ما يعطيهم الحق بتشييئهم الناس وتنزيههم عن "العنصر" البشري، لاستباحتهم وقتلهم والتمثيل بجثثهم وارتكاب المجازر بهم. ولا فارق هنا بين طفل ومراهق ومفكر وشيخ وامرأة وأعزل وهارب ومواجه: الكل على مرمى واحد هو القتل بلا تمييز من قبل "المتميز" الوحيد. القذافي خلط بين الناس والأمكنة: قتل الاثنين معاً: قصف العزل ودمر المنازل والدور والمحال والمدن والشوارع. علي عبدالله صالح افلت بلاطجته على المتظاهرين وقتل من قتل. مبارك لم يتسع له الوقت سوى إلى ارسال البلطجية والحمير والجمال إلى الميادين ليقتلوا ويعتدوا على المعتصمين. النظام السوري لم يشذ عن أقرانه وقد فاقهم. وهذا يعني ان هذا الجنون في مواجهة الواقع، ليس إلاّ حكمة الطغاة. انه عقلهم "المقتلع" والذي من شدة "اقتلاعه" يستأصل كل شيء. وعقول الطغاة ممسوسة بحكمة الإلغاء وبعبقرية النفي. فالتفكير هو تكفير. والعبرة هي بالنار. حسابات العواقب هي العقاب الفردي والجماعي، كأنها اللحظة الأولى والأخيرة معاً. المونولوغ الأول والأخير. البداية هي النهاية. الرصاصة هي الباب الوحيد. والبندقية هي المنفذ الوحيد. والدم هو الطريق الوحيد. وهذا ما يقرب الطاغية من كل ضحية محتمل: يقتل وكأنه "يُقتل". ينحر الأعزل وكأنه ينتحر. يستأصل الشعب ليستأصل نفسه. يدمر المنازل والمدن وكأنه يدمر قصوره. انها اللعبة التي لا يعيها الطغاة إلاّ بعد فوات الأوان، عندما يجدون انفسهم يرتجلون الهاوية. الهاوية امامهم ووراءَهم وفوقهم. الطغاة العرب اليوم، وما يتبقى منهم، يمسرحون هاويتهم الأخيرة في هذه السورة من الجنون، والاقتلاع والهيستيريا والحمى واللاتوازن والتدركب والترنح.
يُعيدون تمثيل موتهم كل لحظة. انه دورهم الأخير ينتقل من المنصة الأمامية إلى الكواليس. ومن الدور الأول إلى الكومبارس. ومن المخرج إلى الديكور. اليس غريباً أن تنتحر الديكورات. فهؤلاء الذين حولوا كل ما في بلدانهم إلى ديكورات لمونودراهم صاروا ديكورات بلا مونودراما. او دراما بلا ممثل. أو ممثل احتفظ بملابسه دون دوره. أهي الكوميديا، اكثر. كوميديا "الاخطاء" (بحسب شكسبير). أو اخطاء الكوميديا عندما يعتلي النظارة والمتفرجون والمصفقون الخشبة ويرتجلون أدوارهم الأولى. الأدوار الجماعية. التأليف الجماعي. الاخراج الجماعي. الديكورات الجماعية. يُصبح المسرح هو الحياة. وقد كان "مسرح دمى" ، أو "مسرح" دمية" الهية يؤديها الطاغية بلا رحمة. هذه هي الميادين اليوم. والساحات في مصر وتونس واليمن وليبيا وسوريا: الحقائق الحية احتلت الواقع والوقائع والتاريخ والجغرافيا، والطغاة في كواليسهم "المخفية" في "الأقبية" والقصور والعزلة والنفي: يبصقون نهاياتهم على ما تبقى من ملابسهم وأبدانهم يتقيأون موتهم على طاولاتهم وأسرتهم وخزائنهم. يزفرون لعناتهم على أيديهم ومآدبهم وعسكرهم. ها هم الطغاة وكم يتشابهون، بلا رحمة. وكيف يمكن أن يتشابه الطغاة برحمة. أو بذرة ضوء. أو بنظرة موحشة. اعتلوا طويلاً القمة. وقممهم متشابهة: مرفوعة على القتل. الموت. الغضب. الكراهية. الاحتقار. وها هم ينزلون إلى الحضيض: وحضيضهم متشابه مفروش بالنفايات والدم والقذارة، فهم "فوق" جثث مُطيبَة. وهم "تحت " هياكل ورميم وقرقعة عدم. لكن في الحالين، لم يتخلوا عما الفوا في سرائرهم، وفي مظاهرهم وفي نياشينهم. وفي جبروتهم... وفي جحيمهم: ان كل ما فقدوه ما زال لهم. وكل ما سيفقدونه سيكون لهم. وان السلطة التي اغتصبوها هي سلطة من متاعهم الأول والأخير. وهنا، بالذات تظهر أكثر اعراض الفصام، وشقاق النفوس، وصداع العقول: ظهرت عريضاَ ورحباً ايام "ملكهم" وأيام "عصرهم" فكانوا في كل شيء "مجانين". مجانين "انفسهم" (عبادة الذات) مجانين تقديرهم لأنفسهم (ميغالومانيا، جنون العظمة) مجانين التملك (كل ما للآخرين هو ملكهم)، مجانين الدم (كل دم مستباح لهم)، مجانين الطمع والفجعنة (لا يشبعهم شيء)، مجانين الفساد (لصوص، حرامية) مجانين التزوير (يكفي التذكير بـ 99,99 % من مبايعتهم المزيفة)، مجانين الكذب (البروباغندا الملفقة)...
هذا بعض اعراض جنونهم في "عزهم". والغريب، ان هذا "الجنون" بعلاماته وأوصافه ظل ملازماً اياهم في مراحل سقوطهم: فيأسهم عَمَّق فيهم "غريزة" الجريمة، وثقافة التدمير والالغاء، والمكابرة (عظمة الجنون) والجبن (قتل المدنيين) والتشبت بفكرة انهم الوحيدون الذين ما زالوا "موجودين" والوحيدون "الأذكياء" والوحيدون المنقذون؛ ما زالت فكرة المنقذ التي لفقوها عن أنفسهم ليتمكنوا من شعوبهم، وليزرعوا الخوف في قلوبهم، عالية (أعلى من نفاياتهم). وأكثر: ازدادت عندهم "ملكات" الالغاء، و"سياسات" "المسخ" والتشويه؛ ويكفي ان نرى كيف يتعامل هؤلاء مع الثوار وبأي احتقار وبأي ازدراء، وبأي محو، لنتأكد ان نظرتهم القديمة عن "عبيدهم" في الماضي لم تتغير حتى عندما كان للثوار ان يهزموهم. وحتى فكرة الهزيمة هذه ما زالت اياها: فعلينا ان نتذكر ان هؤلاء الطغاة جلبوا "العار" على شعوبهم وعندما هزموا في كل الحروب التي خاضوها، وتخلوا عن الأرض تخليهم عن اوطانهم وسيادتهم، ومع هذا فالهزيمة المدوية في 1967 و1973 (عند بعضهم) كانت انتصاراً بالنسبة اليهم. واذا قلت العكس فانت عميل وخائن. واليوم، وبعد كل الهزائم التي الحقها بهم الثوار ما زالوا يرفضون فكرة الهزيمة: وكما انتصروا على اسرائيل على امتداد الخمسين عاماً الفائتة، ها هم ينتصرون اليوم على الثوار، وبمشاعر عارمة من القتل والأعراس الدموية، يحتفلون في "عزلاتهم" منتشين "بظفر" مرضي (قصورهم صارت مصحات لهم) ينفض دماً: يتراجعون ويقولون انهم تقدموا. لكن شيء واحد لم يستطيعوا "لا نكرانه" ولا تجاوزه: الخلخلة التي اصابت "مخيلاتهم" المعلبة، والصدع الذي شق "سكينتهم" والشروخ التي مزقت "كبرياءهم" وهي فجاءات احدثتها الثورات التي "هبطت" على رؤوسهم المحشوة بالتفاهات. لكن بعضهم استدرك وانحنى عندما شعر بالنهاية كمبارك وبن علي وبعضهم الآخر، وبغرائز الموروث السلطوي (والسلطة تصبح غريزية وطبيعة عائلية موروثة كالكوليسترول وضغط الدم وامراض القلب) حاول "ابتلاع" المفاجأة، وتعالى على الواقع، وقرر ان ما ورثه من بلدان وشعوب هو ملكه الشرعي، وكل مساس به هو مساس بالحقوق، والمكتسبات.
واذا كانت "الثروات" الخيالية المسروقة من الناس، يمكن تهريبها، فكيف يهرب هؤلاء "السلطة" و"الملك" والعسكر والمخابرات، اذا، فلتكن حرباً مصيرية، وها هي اليوم حرب اعلنها الطغاة على شعوبهم وثوارهم: ما لكم هو لي، ولن يعود اليكم. البلاد "هدية" من الآباء، ولن تنزعوها منا. ارواحكم لي ولن تستردوها. مصائركم في يدي ولن تسترجعوها. منازلكم اذا لم تعد ملكي فستدمر على رؤوسكم. مدنكم لي واذا لم تنسحبوا منها اقصفها واحرقها... واهجركم منها كالكلاب والمشردين. اولادكم "ليسوا لكم" هم لي، واذا لم يكونوا لي، اقتلهم، اقطع أعضاءهم التناسلية، وأجدع أنوفهم، واحرق اجسامهم، واشوه ملامحهم ولو كانوا أطفالاً...! فنحن لا نميز في اعدائنا بين طفل وعجوز ومقعد وشاب وامرأة وهر وكلب وحمار وشجرة: كلهم أسواء عندكم على مرمى رصاصنا ومدافعنا وشبيحتنا وعسكرنا "ومحاكمتنا" الميدانية وسجوننا التي فاضت إلى الملاعب والمدارس والساحات! يعني كل ذلك، ان هؤلاء "مرضى التملك" لا امل في محاورتهم، فهم قد يلعبون لعبة "القبول" وقد ينشرون أكذوبة الاصلاح، وقد يعممون عبر أجهزتهم استعدادهم للحوار والأخذ والرد، وقد يتظاهرون بتلبية "مطالب" او "تنازلات" أو يتداعون باعتبار الحرية "مطلب" حق وكذلك الديموقراطية وكذلك التعددية... لكنهم كالذئاب الجريحة، التي تقلد "الثعالب": انهم يلعبون على الوقت (ولو صار ضدهم) ويلعبون لعبة "التحايل" على المطالب الاساسية، ويمارسون دور "الضحية" (تأملوا ان هؤلاء القتلة يقدمون انفسهم كضحايا... أي يحولون ضحاياهم جلادين) تغطية لجرائهم.. ولاستمرارهم في محاولتهم قمع الثورة: فكل اشكال قبولهم حوارات وطنية بينهم وبين المعارضة من الثوار هي خديعة والدليل انه كلما نطقوا باستعدادهم لمحاورة المعارضة ازدادت وحشيتهم في الإبادة وفي عمليات التطهير وحصار المدن، وتهجير الناس، وقصف القرى والبلدات. فالمنطق يقول انه لا يستقيم حوار مع من يشهر مدفعه عليك وهذا طبيعي. ولهذا، لا نظن ان "لعبة" الطغاة (المهزومين) قد تنطلي على الثوار والمعارضين (فالمؤمن لا يلدغ من الجحور مرتين فما لك اذا هذه الجحور لدغت المؤمنين على امتداد أكثر من نصف قرن وما زالت). فالطاغية لا يحاور لأنه بكل بساطة طاغية. والطاغية لا يعطي لأنه بكل بساطة طاغية. والطاغية لا يقبل انصاف الحلول لأنه بكل بساطة طاغية. والطاغية لا يغير اساليبه القمعية والعنفية الى حوار لأنه بكل بساطة طاغية! والطاغية لا يقبل حلفاء له بل عبيد، ولا يقبل شركاء بل تابعون لأنه بكل بساطة طاغية، فما الذي يبقى للطاغية إذا تخلى عن طغيانه. وعن ادوات طغيانه وعن سلوك طغيانه. وعن ايمانه بطغيانه!
ولهذا، من المستحيل ان نتوقع "آمالاً" او نتائج مُرْضية من خلال اللقاءات وطاولات الحوار بين الطغاة.. والمعارضة! لا شيء يؤمل من كل ذلك سوى ان هؤلاء القتلة سيحاولون شق صفوف المعارضة واستيعاب ثوراتهم وتشويه سمعتهم وضرب وحدتهم وتفريقهم ومحاولة استعادة زمام "المبادرة" لتعود "حليمة" الى عاداتها القديمة... يعود الطغاة إلى استبدادهم وكأن ما جرى غيمة صيف عابرة! هذا ما يخطط له الطغاة.. لكن الثوار صاروا في أمكنة اخرى، او صار من الصعب أن يتحاور المستقبل والزمن الجديد مع ديناصورات الماضي، البائد. المستقبل هو الذي يحاور المستقبل والماضي البشع الأسود يغرق في سواده وفي هاوياته السحيقة! فيا ايها الثوار لا تحاوروا هؤلاء الطغاة! ولا تتركوا الساحات والميادين والشوارع والطرق والسطوح... استمروا! لأنها الفرصة التاريخية التي لن تعوض إطلاقاً!
|