الخميس ٧ - ٥ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: أيار ٢٧, ٢٠١٧
المصدر : جريدة الحياة
مصر
«عروس الصعيد» بؤرة للتطرف ... واستهداف الأقباط
القاهرة – أحمد مصطفى 
سلط حادث الهجوم المسلح على حافلة يستقلها أقباط أمس الضوء على محافظة المنيا (صعيد مصر) التي تمثل متحفاً وسجلاً قديماً للعصور التاريخية التي مرت على مصر، إذ تنتشر في ربوعها الآثار الفرعونية والقبطية والإسلامية، لكنها تحولت إلى بؤرة للتطرف والتكفير مع سيطرة الجماعات الإسلامية الأصولية في تسعينات القرن الماضي.

المنيا التي توصف بـ «عروس الصعيد» ليست من بين محافظات صعيد مصر التي تعاني الفقر وتراجع الخدمات، بل تتميز بمزيج من النشاط الزراعي والصناعي، بالإضافة إلى السياحي، ما يدحض اعتقاداً بأن انتشار التكفير مرتبط بالضرورة بالحالة الاقتصادية، كما أن تمدد العمليات الإرهابية من سيناء إلى الدلتا ومن ثم إلى قلب الصعيد، يؤكد أن الحل الأمني لن يأتي بالنتيجة المرجوة سريعاً، ويشير إلى أن التحدي الأكبر في تنفيذ مقاربات تشمل أيضاً تعزيز دور الثقافة والثورة على الخطاب الديني.

حادث أمس ليس الأول الذي تجري وقائعه في المحافظة التي تبعد من القاهرة مسافة 241 كيلومتراً، وينتمي إليها ١٣ قبطياً من بين ٢٠ كان تنظيم «داعش» الإرهابي أقدم على ذبحهم مطلع عام 2015. في أعقاب فض اعتصامي جماعة «الإخوان المسلمين» في رابعة والنهضة، شهدت المنيا وحدها تدمير عشرات الكنائس والمباني والبيوت القبطية التي أعادت الدولة ترميمها خلال العامين الماضيين. وخلال السنوات الأخيرة، جرت في قرى المنيا اشتباكات طائفية على خلفية خلافات على بناء كنائس أو علاقة بين شاب مسلم وفتاة قبطية. وكانت أجهزة الأمن المصرية كشفت أن خلية تابعة لـ «داعش»، غالبية عناصرها من المنيا، نفذت تفجيرات الكنائس: البطرسية نهاية العام الماضي، وطنطا والإسكندرية في نيسان (أبريل) الماضي. وإضافة إلى حوادث استهداف الأقباط، شهدت المحافظة هجمات عدة استهدفت مكامن الشرطة، ما يعزز توقعات بأن «داعش» وجد لنفسه موطئ قدم في المنيا.

وأكد لـ «الحياة» الخبير في شؤون الجماعات الأصولية ماهر فرغلي أن المنيا تمثل «بؤرة للتطرف في صعيد مصر، إضافة إلى محافظة بني سويف (جنوب القاهرة)»، مشيراً إلى أن «هناك قرى بأكملها يسيطر عليها السلفيون وهي تمثل حواضن للتطرف والتكفير... وهناك خلايا لداعش في الصعيد غالبية عناصرها من المنيا والأمن يلاحقهم، لكنه تمكن من توقيف خمسة فقط من عناصرها».

وأوضح أن المنيا «لديها ظهير صحراوي واسع، ما يمثل معضلة للأمن... كما أنها مرتبطة بالطريق الصحراوي الغربي الذي يصل إلى ليبيا... وبالتالي من الممكن للمسلحين التسلل من ليبيا وتنفيذ عمليات داخل المحافظة قبل الفرار والعودة إلى ليبيا مجدداً».

وأكد فرغلي أن منفذي عملية أمس «منخرطون في داعش ولديهم اتصالات وروابط مع التنظيم الإرهابي في ليبيا... المعضلة الأمنية في مصر باتت تحتاج إلى حل إقليمي... المسلحون في مصر باتت لديهم امتدادات إقليمية، سواء في ليبيا الجارة أو حتى سورية».

واتفق الباحث في شؤون الإسلام السياسي أحمد بان مع ما طرحه فرغلي كون المنيا أحد معاقل الجماعات الأصولية، موجهاً أسهم الاتهامات إلى تنظيم «داعش» بارتكاب مذبحة أمس.

وأوضح لـ «الحياة» أن «داعش لم يخف نياته في استهداف الأقباط... هذه المنطقة (المنيا) تعج بالأقباط وبالتالي هم هدف... والمنيا تحتفظ بظهير صحراوي ومدقات جبلية تصل إلى الحدود الغربية والجنوبية، وبالتالي هناك سهولة في انسياب هذه العناصر من الحدود وإليها»، مشيراً إلى إمكانية كبيرة في أن يكون منفذو هجوم الحافلة قادمين من ليبيا.

وأشار بان إلى أن «مثلث (محافظات) الفيوم والمنيا وبني سويف يعج بالجهاديين وأعضاء الجماعات الإسلامية السابقين وجماعة الإخوان... في ظل السيولة التي تجري في أوساط الحركات الأصولية، ما يؤهل لارتباط بعض العناصر من تلك الحركات بعضها بعضاً وتشكيل خلايا تبايع داعش». ورجح بان «أن المجموعة التي نفذت هجوم أمس إما مرتبطة بخلية الكنائس وتسعى إلى الانتقام لتوقيف بعض عناصرها... أو مجموعة جديدة لداعش تم تشكيلها، ومن ثم تنفيذ العملية ضمن خطتها لإعلان ولاية الصعيد، أو أنها مجموعة جديدة مرتبطة بتشكيلة من العناصر الإخوانية والسلفية».

تنديد واسع... ودعوات إلى محاسبة «رعاة الإرهاب»

صدرت ردود أفعال محلية وإقليمية ودولية منددة بالهجوم الذي استهدف حافلتين للمسيحيين في منطقة متاخمة للطريق الصحراوي الغربي قبالة محافظة المنيا جنوب القاهرة، ما أسفر عن مقتل عشرات المسيحيين وجرح آخرين كانوا متوجهين إلى دير الأنبا صموئيل.

وفي ردود الفعل المحلية، قالت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في بيان: «تلقينا بكل الألم والحزن أنباء الاعتداء الآثم الذي تعرض له مصريون أقباط أثناء ذهابهم لنوال بركة أحد الأديرة، وأسفر عن عدد من الشهداء والجرحى». وأضافت: «إذ نواسي كل هذه الأسر المجروحة ونتألم مع كل الوطن لهذا العنف والشر الذي يستهدف قلب مصر ووحدتنا الوطنية التي هي أثمن ما نملكه ونحفظه ونحميه، وإذ نقدر سرعة استجابة المسؤولين والتعامل مع الحادث، فإننا نأمل باتخاذ الإجراءات اللازمة نحو تفادي خطر هذه الحوادث التي تشوه صورة مصر، وتتسبب في آلام العديد من المصريين».

واتصل رئيس الوزراء شريف اسماعيل بالبابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية معزياً، وأكد له العمل على سرعة كشف ملابسات الهجوم وتعقب الجناة لينالوا الجزاء الرادع، مشدداً على أن تلك المحاولات الجبانة لن تنال من وحدة الشعب المصري ونسيجه.

ودان اسماعيل في بيان الهجوم الإرهابي الغادر، مؤكداً أن الإرهابيين لن ينجحوا في شق النسيج الوطني. وأكد جبن تلك الأعمال الإرهابية وخستها، مشدداً على عزم الدولة حكومة وشعباً على التصدي بكل قوة لتلك الأفكار والأعمال الإرهابية والقضاء عليها.

وألقى الهجوم بظلاله على نشاط شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب في ألمانيا، إذ طلب في مستهل كلمته خلال احتفال تقيمه الكنيسة البروتستانتية في ألمانيا لمناسبة مرور 500 عام على تأسيسها، الوقوف دقيقة حداداً على أرواح ضحايا الهجوم الإرهابي. وقال إن هذا الاعتداء «لا يرضى عنه مسلم ولا مسيحي، ويستهدف ضرب الاستقرار في مصر»، مطالباً المصريين بالاتحاد جميعاً في مواجهة هذا الإرهاب الغاشم.

كما دان مفتي الجمهورية شوقي علام بشدة «العملية الإرهابية الخسيسة»، وأكد أن «الخونة خالفوا القيم الدينية والأعراف الإنسانية بسفكهم الدماء وإرهابهم الآمنين». كما دان وزير الأوقاف محمد مختار جمعة الهجوم «الجبان»، وقال إنه «يدمي قلوبنا قبل قلوب أشقائنا ويستهدف وحدتنا الوطنية»، مطالباً بـ «تحرك دولي لمحاسبة الدول الراعية الإرهاب والممولة له».

وفي ردود الفعل الإقليمية والدولية، دانت المملكة العربية السعودية الهجوم. ونقلت وكالة الأنباء السعودية «واس» عن مسؤول في وزارة الخارجية إدانة المملكة بأشد العبارات الهجوم المسلح في المنيا. وجدد تضامن المملكة ووقوفها إلى جانب مصر، مشدداً على ضرورة تعزيز الجهود وتوثيق التعاون الدولي للقضاء على آفة الإرهاب والتطرف. وختم بتقديم العزاء لذوي الضحايا ولمصر حكومة وشعباً، والتمنيات للمصابين بسرعة الشفاء.

ودان الرئيس محمود عباس (أبو مازن) الهجوم الإرهابي، مؤكداً وقوف الشعب الفلسطيني إلى جانب مصر وقيادتها في حربهم ضد الإرهاب وضد من يحاول خلق الفتنة والمس بالنسيج الاجتماعي. وعبر عن ثقته في أن هذه الهجمات الإرهابية لن تزعزع عزيمة مصر في مكافحة الإرهاب ومحاربته بكل الوسائل المتاحة، وأن هذا البلد سينتصر في النهاية، مؤكداً أن الإرهاب يستهدف الأمة جمعاء، ما يتطلب الوقوف بحزم لإفشال هذه المخططات التدميرية.

وقدم وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش العزاء في شهداء الهجوم الإرهابي، مؤكداً وقوف بلاده مع مصر ضد التطرف والإرهاب. وكتب عبر حسابه في موقع «تويتر»: «الهجوم الإرهابي في المنيا جريمة إرهابية جديدة تسعى إلى الفتنة، نقف مع مصر الدولة والشعب ضد التطرف والإرهاب. المساحة الرمادية والتبرير مرفوضان».

ودانت وزارة الخارجية العراقية بشدة «العمل الإرهابي البشع»، وأكد الناطق باسمها في بيان وقوف العراق إلى جانب الشعب المصري الشقيق وحكومته ضد كل جماعات التطرف والإرهاب التي تستهدف وحدة الشعب المصري وتلاحمه الوطني. ودعا إلى ضرورة الضرب بمزيد من القوة على أوكار التشدد والتكفير في المنطقة، وتجفيف منابع دعمه وتمويله ومنابر الإعلام المروجة لخطابه.

ودانت وزارة الخارجية الروسية الهجوم، وقالت في بيان إنه يظهر «الطبيعة اللاإنسانية للإرهابيين الدوليين» الذين لم يستنكفوا أي وسائل لتحقيق أهدافهم الدنيئة المتمثلة في زرع الذعر وانعدام الأمن في قلوب المصريين ونشر الكراهية بين الأديان. وأكد موقف موسكو المبدئي المتمثل في رفض وإدانة جميع أعمال الإرهاب بغض النظر عن الدوافع، مشيراً إلى تضامن روسيا مع مصر قيادة وشعباً، في محاربة الإرهاب والتطرف.

ودان السفير البريطاني جون كاسن الهجوم، وكتب عبر حسابه في موقع «تويتر»: «أحتقر وأدين جرائم القتل في المنيا، أرجو أن يفشل الإرهابيون في نشر الكراهية، كل الدعم والتضامن مع جميع من يعانون».


 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
منظمة حقوقية مصرية تنتقد مشروع قانون لفصل الموظفين
مصر: النيابة العامة تحسم مصير «قضية فيرمونت»
تباينات «الإخوان» تتزايد مع قرب زيارة وفد تركي لمصر
الأمن المصري يرفض «ادعاءات» بشأن الاعتداء على مسجونين
السيسي يوجه بدعم المرأة وتسريع «منع زواج الأطفال»
مقالات ذات صلة
البرلمان المصري يناقش اليوم لائحة «الشيوخ» تمهيداً لإقرارها
العمران وجغرافيا الديني والسياسي - مأمون فندي
دلالات التحاق الضباط السابقين بالتنظيمات الإرهابية المصرية - بشير عبدالفتاح
مئوية ثورة 1919 في مصر.. دروس ممتدة عبر الأجيال - محمد شومان
تحليل: هل تتخلّى تركيا عن "الإخوان المسلمين"؟
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة