الأحد ١٤ - ٦ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: تشرين الأول ١٠, ٢٠١٣
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
الربـيع العربي مر من هنا - أمين المشاقبة
يبتعد الربيع العربي عن الساحة الأردنية شيئاً فشيئاً رغم تأثر الاردن الكبير بمخرّجات هذا الربيع من التدفقات البشرية المهاجرة خوفاً على العرض والأرواح. فالواقع الجيوسياسي للدولة متأثر الى درجة كبيرة بنتائج الأحداث في محيطه الإقليمي اقتصادياً واجتماعياً وديموغرافياً وسياسياً، ناهيك عن أثر التطور الإعلامي، المرئي والمسموع من الفضائيات والانترنت إلى ما غير ذلك.
 
الأردن الدولة تأثرت في المجال الاقتصادي لدرجة عالية وأثر ذلك على المواطن ومستوى معيشته. إذ يتحمل العبء الأكبر من تدفقات اللاجئين السوريين، والعراقيين وغيرهم، وأقصد بذلك الهجرة الناعمة من الضفة والقطاع نتيجة للضغوط السياسية والاقتصادية التي تمارسها دولة الاحتلال، إسرائيل، ورغم ذلك فإن الموجة الديموقراطية الثالثة دخلت الأردن منذ بداية التسعينات من القرن المنصرم وقد استطاع أن يواكبها من خلال درجة التكيف في النظام السياسي بالقدرة على مواكبة المتغيرات المتسارعة عبر عقدين ونصف من الزمن.

وهذا التكيف السياسي أعطى مرونة للنظام والدولة في احتواء كل الحراكات السياسية والاجتماعية والاقتصادية بشكل لافت للعيان. وذلك في الاستجابة المرنة للمطالب والتوقعات من خلال سلسلة من الاصلاحات السياسية الدقيقة والواقعية والمعتدلة ليكون الوطن الدولة انموذجاً إقليمياً في عملية إصلاح سياسي متدرج وحقيقي يلمسه الجميع، ولم تكتمل خطوطه، ولكنه يسير في الطريق الصحيح، والمسار السلمي الأسلم، والحلول العملية السياسية الواقعية في طريق الإصلاح الشامل في جميع أبعاده ليقول الجميع بعدها إن الربيع العربي قد مر من هنا دون إراقة للدماء، ودون استخدام لوسائل العنف المادي، وكل المعالجات تمت بأمن ناعم دون المساس بسيادة الدولة، إذ أن هناك خطوطا حمراء تم المحافظة على عدم المساس بها من خلال الدور الذي قامت به الأجهزة والمؤسسات ذات العلاقة بمنتهى المسؤولية والاقتدار.

وقد يتساءل البعض كيف تم ذلك؟ الإجابة عن هذا السؤال تطرح لنا جملة من العوامل السياسية والاجتماعية التي ساهمت وبقدر كبير للحفاظ على أمن الوطن الدولة واستقراره السياسي.

أول هذه العوامل هو حالة الوعي السياسي لدى أبناء الشعب الأردني بكل مكوناته وفئاته، فالإنسان الأردني على درجة عالية من الوعي السياسي بأهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار والتعايش في إطار منظومة سلمية ضمن إطار حاضنة الدولة الوطن، ومرد ذلك يعود إلى ارتفاع مستويات التعليم، ودرجة الإدراك السياسي العالية لمعنى الانهيار والانزلاق في العنف، والعنف المضاد والمشاهد عديدة أمامه.

إن وعي أهمية التعايش بين المكونات الاجتماعية يشكل عاملاً آخر، فالتجارب التاريخية أعطت دروسا واضحة للعيان يدركها الجميع لأهمية استمرار هذا التعايش التاريخي ضمن إطار مفهوم المواطنة للدولة الوطن الأم والتي يسعى الكل منا إلى الإحساس بدفء العاطفة والحنو لها، بل أحياناً احتضانها والركوع تحت أقدامها.

والعامل الثالث هو حالة الوعي لرفض العنف والتطرف في معالجة القضايا الرابطة على الساحة وأوجه الاختلاف، فالاعتدال والحكمة يسودان في معالجة التحديات والاختلافات. فالحوار هو عنوان من عناوين التعامل مع كل الملفات في المؤسسات الدستورية أو خارجها، والدور الذي تلعبه مؤسسات المجتمع المدني في المعالجات السلمية للقضايا هو الأساس. ودور المؤسسات الوطنية واضح في التعامل مع القضايا الملحة للمحافظة على حالة من التوازن.

أما العامل الرابع فيتمثل بالوعي والإدراك السياسيين لدى القيادة والأمل بالسير إلى الأمام وعدم النظر إلى الوراء أو النكوص إلى الخلف والإدراك السياسي لدى القيادة الهاشمية بضرورة التدرج في عملية الإصلاح السياسي والسير قدماً في تحقيق المشاركة السياسية والتمثيل السياسي لدى كل المكونات الاجتماعية للدولة، ناهيك عن السعي لتحقيق العدالة والمساواة والحرية المسؤولة للجميع دون تفريق أو تحيز. وتتسم القيادة أيضاً بالحكمة والاعتدال والتوازن والواقعية السياسية. وهذه كلها تشكل سمات مهمة تساهم في تقدم عجلة الإصلاح إلى الأمام للوصول الى الانموذج الفريد المتميز في المنطقة، وعامل آخر مرتبط بهذا هو حالة التلاحم الفريدة بين القيادة والشعب، وهذه المعادلة تميز الدولة الأردنية عن غيرها من الدول وساهمت عبر تسعة عقود من عمر الدولة الأردنية بتحقيق معادلة النجاح + الاستقرار = الاستمرار.

ويضاف إلى ذلك عامل خامس يتمثل بجدية الإصلاح وواقعيته على أرض الواقع من خلال تحديث جميع التشريعات الناظمة للعملية الديموقراطية والخطوات على أرض الواقع، بدءا من تعديل ثلث مواد الدستور، وإنشاء المحكمة الدستورية، والهيئة المستقلة للانتخاب، وهيئة مكافحة الفساد، ودورية الانتخابات على كل المستويات المحلية والوطنية.

إن هذا العامل يشكل نقطة الانطلاق العملية في تطبيق الإصلاحات في مختلف مجالاتها على أرض الواقع، وهذا بحد ذاته يعطي الصدقية والموثوقية بجدية الدولة الأردنية في التقدم إلى الأمام.

والعامل السادس يتمثل بالدور الذي تقوم به المؤسسات العسكرية والأمنية في الدفاع عن الأمنين الخارجي والداخلي ما يشكل العمود الفقري لعملية الاستقرار دون إراقة الدماء، ودون سلطوية أو ديكتاتورية في التعامل مع الملفات التي تهدد أمن الدولة الداخلي والخارجي. فجميع هذه المؤسسات من القوات المسلحة والأمن العام والمخابرات العامة والدرك والدفاع المدني تقوم بعملها بكل كفاءة واقتدار واحتراف ومهنية عالية المستوى على الصعيدين الأمني والتنموي والخدمي، كل ذلك من أجل أن ينعم المواطن بالطمأنينة والسكينة والأمن في كل الأوقات ضمن قواعد المواطنة والقواعد القانونية الناظمة للحياة العامة للحفاظ على النظام العام بمفهومه القانوني.

أما العامل السابع فهو يتمثل بأهمية احترام مراكز القوى العالمية والدولية أمن واستقرار الأردن والوطن والدولة وذلك لاقتناعها بأهمية الدور الريادي الذي يلعبه الأردن في الأحداث الجارية في الإقليم والعالم انطلاقاً من إيمانه بالسلام العالمي على كل المستويات.

جميع هذه العوامل تشكل إطاراً عملياً لكون الربيع العربي قد مرّ بالوطن دون إراقة للدماء وبعيداً عن كل أشكال العنف المادي أو ما جرى في العديد من الدول العربية أو غيرها. ورغم كل ذلك فإن التحديات، والإشكالات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الدولة يجب الاعتناء بها من خلال رفع مستوى المسؤولية الاجتماعية للحكومات وتخفيف الضغط على المواطن ومحاولة رفع مستوى معيشته، والابتعاد عن الوعود ومعالجة التحديات والإشكالات بعملية وواقعية يلمسها المواطن لتخفيف الاحتقانات والإحباطات التي تعيشها الطبقتان الوسطى والدنيا، وكل ذلك من أجل الحفاظ على معادلة الأمن والاستقرار للدولة الوطن.
 
كاتب اردني "الدستور" الأردنية



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
العاهل الأردني يكلف لجنة للإصلاح... ويتعهد تبني توصياتها ومنع التدخلات
الأردن: 18 موقوفاً بتهمة محاولة زعزعة استقرار البلاد في قضية «الفتنة»
مجلس النواب الأردني يقر موازنة البلاد بالأغلبية
العاهل الأردني: ليس مقبولاً خسارة أي مواطن نتيجة الإهمال
الأردن: توقيف 5 مسؤولين بعد وفاة مرضى بكورونا جراء انقطاع الأكسجين
مقالات ذات صلة
مئوية الشيخ المناضل كايد مفلح عبيدات
الأزمة اللبنانية والتجربة الأردنية - مروان المعشر
انتفاضة نيسان 1989: أين كنا وكيف أصبحنا ؟
حقوق المراة الاردنية 2019 - سليمان صويص
يوميات حياة تشهق أنفاسها في البحر الميت - موسى برهومة
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة