أصبح للشهر العاشر طعم خاص في تونس، متراوح بين فسحات الأمل ومرارة الخيبات. ففي تشرين الأول (أكتوبر) 2005، تأسّس ائتلاف واسع بين أطياف المعارضة، إسلاميّين ويساريّين وقوميّين وليبراليّين، أصدر مجموعة من الإعلانات توحّد تلك المعارضة حول مجموعة مبادئ كحقوق الإنسان والديموقراطية والفصل بين الدين والسياسة والتمسك بمساواة الجنسين وبمجلة الأحوال الشخصية. الائتلاف المعروف بـ «18 أكتوبر» فتح باب الأمل آنذاك لتغييرات في الوضع السياسي، ولئن لم تكن الثورة نتيجة مباشرة له، فأهميته تمثلت في إسقاط أكبر فزّاعة كان الرئيس السابق بن علي يستعملها في الداخل والخارج، وهي الإنذار بأنّه لا بديل عن حكمه إلاّ الفوضى والتطرّف الديني والإرهاب. كما رفع الائتلاف الحصار عن حركة «النهضة» التي أعلنت آنذاك التزامها غير المشروط بتلك الإعلانات. بدا حينذاك أنّ تلك الأطياف إذا توحّدت في المعارضة أمكن أن تتوحّد لحكم البلاد وتكون بديلاً جدّياً عن السلطة، وأنّ قضية التطرّف الديني لم تعد تهديداً حقيقيّاً.
في تشرين الأول 2011، سنحت الفرصة لاختبار تلك الفرضية. كانت آمال التونسيين عريضة في أن تضع الانتخابات حدّاً للعهد السابق ولأوجه الانفلات المترتبة على الثورة. فما حصل حتى ذلك الوقت من مشاكل أمنية واقتصادية بدا حالة موقتة ستنتهي بالدخول في عملية انتقال ديموقراطي منظمة ومقننة. كانت الانتخابات التي نظمت يوم 23 من الشهر ذاك حدثاً استثنائياً ورائعاً، لأنّها كانت أوّل انتخابات حقيقية منذ أكثر من خمسين سنة، وكانت آمال التونسيين رحبة فتحمّلوا ساعات الانتظار الطويلة تحت أشعة الشمس ليدلوا بأصواتهم. كان يحدوهم تخوّف كبير من عودة حزب «التجمّع» الحاكم سابقاً والمنحلّ بعد الثورة، تحت تسميات أخرى، فكانت حركة «النهضة» أكبر المستفيدين من هذا الشعور القويّ، وكان عسيراً على تجربة انتخابية أولى أن تنتبه إلى أنّ نتائج غير متوازنة يمكن أن تخلق «تجمّعاً» جديداً بوجوه وخطابات مختلفة، ما قد يعيد تفعيل آليات الاستبداد، أو بعضها على الأقلّ. لكنّ الأدهى أنّه اتضح أنّ النخبة السياسية الجديدة التي أتت من «ائتلاف 18 أكتوبر» لم تتسم بالنضج المأمول ولم تستطع المحافظة على حدّ أدنى من الوفاق بينها لتسيير البلاد، ولم تلتزم كلها الإعلانات التي قدمتها سابقاً حول حقوق الإنسان والمرأة وغيرها.
وفي أكتوبر الماضي (2012)، انتهت السنة التي كانت مقرّرة لكتابة الدستور من دون أن يكتب، وحدث كثير من الأحداث المنذرة بالأخطار، لكنّ الآمال ظلت قائمة، وكان يقال إنّ التأخر بسيط وسوف يُتدارك بسرعة، وإنّ الانتخابات إذا لم تحصل في آخر 2012 فلن تتأخر عن ربيع 2013، وإنّ كل شيء على ما يرام.
آنذاك نشرنا على هذه الصفحات مقالاً عنوانه «2013: سنة كلّ المخاطر»، نبهنا فيه إلى ما كان يومض تحت الرماد، وتوقّعنا أن يكون 2013 عام العنف والإرهاب والانهيار الاقتصادي ما لم يُتدارك الوضع بخطة واضحة ومجمع عليها وبحكومة كفاءات ذات استقلالية عن الأحزاب السياسية تعالج المشاكل العاجلة من دون خضوع للتجاذبات الحزبية. ولكن، حتى ذلك الوقت لم يكن هناك شعور قويّ بالخوف أو الشكّ على مستقبل المسار الديموقراطي، إلى أن جاءت حادثة اغتيال السياسي المعارض شكري بلعيد، وهي الجريمة التي لم يحاكم مقترفوها حتى الآن، ففتحت الباب على مصراعيه للعنف السياسي (اغتيالات وإرهاب) الذي لم تتراجع وتيرته إلى الآن، بل أصبح هيكلياً في بلاد لم تعرف على مدى تاريخها مثل هذه الظاهرة.
في تشرين الأول الحالي، تحديداً يوم الذكرى الثانية للانتخابات، كانت هناك فرصة لتدارك الوضع. السيناريو المتفائل كان مطروحاً على الشكل الآتي: في الساعة الحادية عشرة صباحاً يعلن رئيس الحكومة بوضوح عن تعهده استقالة حكومته بعد ثلاثة أسابيع، لتشكيل حكومة محايدة، بمقتضى مبادرة الحوار الوطني التي طرحتها المنظمات الوطنية الأربع (اتحاد العمّال، اتحاد الصناعيين والتجار، الهيئة الوطنية للمحامين والرابطة التونسية للدفاع على حقوق الإنسان)، ثم في الثالثة بعد الظهر تبدأ رسمياً أعمال المؤتمر الوطني للحوار لتنفيذ روزنامة عمل تقضي بالانتهاء من صياغة الدستور والقانون الانتخابي وبعث الهيئة المشرفة على تنظيم الانتخابات في ظرف وجيز، كي تمرّ البلاد من الفترة الانتقالية إلى انتخابات رئاسية وتشريعية عادية وتستقرّ أوضاعها ومؤسساتها.
اليوم الذي كان يبشّر بالأمل انقلب إلى مأتم سياسي شاركت في تأجيج ناره الأطراف الثلاثة الفاعلة. فأولها معارضة ذات طبيعة مراهقة تريد أن تسقط الحكومة وتدفع رئيس الوزراء إلى الاستقالة في ظروف مذلّة، مع أنها معارضة افتراضية حضورها في الإعلام والشبكات الاجتماعية أكبر بكثير من قدرتها على حشد المتظاهرين في الشوارع وتشكيل عامل ضغط حقيقي على الحكومة. وثانيها حركة «النهضة» الحاكمة التي لا تحسن غير المناورة والمكر، وليس لها أي تصوّر واضح للحكم ولإخراج البلاد من المأزق، وهي تستفيد من غباء المعارضة لمطّ حكمها وتمديده، بما يعنيه ذلك من تمديد ومطّ لأزمات البلاد الاقتصادية والأمنية. وثالثها الإرهاب الذي تدّعي الحكومة محاربته، لكن الأكيد أنه لا يحاربها بل يساعدها على التهرّب من التزاماتها، وهو لم يضرب حتى الآن إلاّ المعارضين والأمنيين «غير المضموني الولاء للحكومة»، وفق عبارة مشهورة. وحتى لو افترضنا جديّة محاربتها إياه، فإنّه لم يفتأ يستفحل في عهدها، بما يجعلها مسؤولة عن الإخفاق في إيجاد السبل الكفيلة بمقاومته. وقد بلغ التلاعب بالرأي العام أنّ المفتي الذي عيّنته تلك الحكومة زعم أخيراً أن المسؤول عن ظهور الإرهاب هو الزعيم بو رقيبة عندما حرّر المرأة!
كان عام 2013 عام كلّ الأخطار، وهي لم تكتمل بعد. وسيكون الآتي أتعس إذا لم تحسم حالاً قضيّة الحوار الوطني ولم تلتزم كلّ الأطراف التزاماً جدياً بإنجاحه، فتكفّ المعارضة عن محاولة حشر «النهضة» في زاوية مغلقة والحنين إلى الأطروحات الاستئصالية، وتكفّ «النهضة» عن المكر والمناورة بما لا يضرّ بالمعارضة بمقدار ما يضرّ بالبلاد.
فشهور تشرين الأول، بل كلّ شهور السنة، تتعاقب من سيء إلى أسوأ وتعصف بآمال التونسيين من دون أن يربح أي طرف سياسي ربحاً حقيقياً من أوضاع يحيق سوءها بالجميع.
|