الخميس ٢١ - ٥ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: تشرين الثاني ١٤, ٢٠١٣
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
في نقد الوعي الوطني الميثاقي - صلاح أبو جوده
"لا شرعيّة لأيِّ سلطة تناقض
ميثاق العيش المشترك"
(وثيقة الوفاق الوطنيّ)

يذكر ميشال شبلي في كتابه بعنوان "تاريخ لبنان في زمن الأمراء" (بالفرنسيّة، 1955)، أنّ الأمير بشير الثاني حاول التهرّب في آنٍ واحد من دعم إبرهيم باشا الذي كان يقترب من عكّا، ومساندة عبدالله باشا والي عكّا الذي سأله الدعم. ولكنّ الأمير لم يوفّق في سياسة "النأي بالنفس"، إذ أرسل محمّد علي يعلمه أنّه إن كان ينتظر نتيجة معركة عكّا ليتّخذ موقفًا، فإنّ جيش ابنه إبرهيم سيجتاح إمارته.

لم تكن مشكلة الأمير مقتصرة على سياسته الخارجيّة التي جعلته في موضع حرج بين خصمين إقليميَّين قويّيَن فحسب، بل داخليّة أيضًا. فانقسام مجتمع الإمارة حينذاك بين الدروز والموارنة انعكس تناقضًا في تعامل مرجعيّات كلٍّ من المجموعتَين مع القوى الخارجيّة المتخاصمة، وجعل من "النأي بالنفس" مشكلة داخليّة بقدر ما هي خارجيّة.

وإزاء هذا الواقع، لا يكفي البحث عن أخطاء الأمير في سياسته الخارجيّة، ولا عن الصيغ البراغماتيّة التي كان يمكن أن تنقذ الإمارة من فتنة داخليّة أو احتلال خارجيّ، بل عن الأسباب التي حالت دون انصهار مكوّنات مجتمع الإمارة في جسد واحد. ولا شكّ في أنّ السؤال نفسه لا يزال مطروحًا إلى اليوم، إذ لا يكفي أن يجري البحث عن مخرج براغماتيّ يمنع احتراق الفسيفساء اللبنانيّة أو تفكّكها، بل يجب الغوص في عمق الأسباب التي تحول دون تحوّل الفسيفساء اللبنانيّة إلى لوحة منصهرة متماسكة.

إنّ تحاشي طرح هذا السؤال القديم الجديد على حدّته وخطورته لا ينفكّ يُقحم البلاد في حالة عبثيّة حقيقيّة خلاصتُها أنّ اللبنانيّين تعوّدوا بحكم الأمر الواقع تحمّلَ نظامٍ متأزِّم لا مخرج له، ليس بسبب لاعقلانيّته البنيويّة التي يمكن بحسب بعضهم معالجتها انطلاقًا من مبادئ الحكم الديموقراطيّ التوافقيّ، وليس بسبب سيادة سلوك في التعاطي السياسيّ متأصِّل في الشرق عمومًا، يُغلِّب المصالح الشخصيّة والعائليّة والمذهبيّة على الخير العامّ، ويُؤْثِر الزبائنيّة والمحاصصة والفساد - وهذا واقع يمكن تجاوزه في نظر بعضهم من طريق تنشئة مدنيّة ووطنيّة سليمة وعمل المنظّمات الرقابيّة المستقلّة - بل بسبب وجود أزمة كيانيّة ليست مخارجها إلى الآن غير صيغ توافقيّة ملتبسة تؤمن استمرار دولة واهنة، إمّا بحكمٍ وسطيّ يدير الأزمة وإمّا بوصاية وصيّ يزيد في تفتيت الداخل، وإمّا بتقاطع مصالح إقليميّة ودوليّة ظرفيّة.

وما النزعة المألوفة في تاريخ لبنان الحديث والمعاصر إلى إيجاد تعريف يبقى شبه مستحيل لحيادٍ (أو نأي بالنفس) منشودٍ يُنقذ البلاد، تارةً من مخاطر خارجيّة، وتارة أخرى من تناحر داخليّ له امتداداته الخارجيّة، إلاّ دليل على انغلاق الأزمة الكيانيّة على نفسها ضمن النظام المأزوم الذي أنتجته ويضمن بآليّته الذاتيّة استمرارها.

لقد قامت دولة لبنان على قاعدة الحلّ الطائفيّ التي سبق أن اعتُمدت لحلّ الأزمات التي عرفها جبل لبنان في ظلّ الحكم العثمانيّ، وترافقت مع مأسسة تركيبة النظام المذهبيّة وغموض الهويّة الوطنيّة، فضلاً عن الذهنيّة الاقطاعيّة السياسيّة والفساد. فما ميثاق "العيش المشترك" الذي بات شرعيّة أيّ سلطة، بل علّة وجود لبنان نفسه، غير امتداد لهذا الواقع الذي غُلِّف بغلاف ديموقراطيّ في إطارٍ تداخلت فيه العناصر الطائفيّة المحليّة والإقليميّة المتأصّلة في الشرق بعناصر المفاهيم السياسيّة والقوميّة التي تطوّرت في الغرب، وبوجه خاصّ في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وهذه الخلفيّة غذّت الوعي الوطنيّ اللبنانيّ المعاصر الذي لا يعي ذاته إلاّ من خلال النظام القائم المأزوم، والذي لا يمكن صيغة العيش المشترك (أو الميثاق) إلاّ أن تنتجه.

تنطوي هذه الصيغة حكمًا على فكرة التمييز بين "الأنا" و"الأنت" على أساس طائفيّ في إطار المجتمع الواحد، والحفاظ عليها. ولا عجب بالتالي أن تُعطِّل هذه الصيغةُ نفسُها كلَّ مسعى دستوريّ أو قانونيّ أو مدنيّ يهدف إلى تجاوزها. فمراعاة الطائفيّة "مؤقّتًا" بحسب ما نصّ عليه الدستور قبل تعديله في العام 1990 لم يتمّ تخطيها، ولا إلغاء الطائفيّة السياسيّة بعد التعديل صار العمل به، ولا محاولات فتح ثغرة في النظام الطائفيّ من طريق الزواج المدنيّ أفلحت، ولا تجارب الأحزاب العلمانيّة اللبنانيّة أتت بنتائج مؤثّرة.

وبكلّ تأكيد، لا تقع مسؤوليّة هذه الإخفاقات على المستفيدين محليًّا من النظام الطائفيّ فقط، ولا على امتدادت الطوائف دينيًّا وثقافيًّا وسياسيًّا خارج الحدود اللبنانيّة وحدها، بل أيضًا على الوعي الوطنيّ المجبول بالطائفيّة مع ما يرافقه من خوف دائم – أحيانًا ظاهريّ وأحيانًا مستتر - من "الآخر" الشريك في تكوين المجتمع نفسه، وتمسّك بالطائفيّة بل وبالمذهبيّة (وبالتالي بمرجعيّاتها الأقوى) بصفتها توفّر ضمانةَ الوجود بكلّ أبعاده. ولا يزال لبنان يسير في هذا الاتّجاه بتفاقمٍ بسبب عجز النظام من أساسه في تكوين وعي وطنيّ مشترك، باستثناء التسليم بميثاق "العيش المشترك" أمرًا واقعًا قابلاً لتفاسير متعدّدة ومتناقضة تبعًا لخلفيّات الطوائف والمذاهب الدينيّة والثقافيّة، والظروف ومصالح الأفرقاء.

إذا كان الكلام على انتهاء لبنان ميشال شيحا صائباً منذ اتّفاق الطائف، فهذا ينطبق بشكل أساسيّ على أمرين: الأوّل، تراجع دور المسيحيّين في السلطة وتحديدًا الموارنة، دلالةً على تغيير في لبنان كما فهمه الوعي الوطنيّ المسيحيّ والمارونيّ خصوصًا؛ وثانيًا، تكريس الطائفيّة نهائيًّا، أي إزالة كلّ إمكانيّة للتخلّص منها. لقد سلّم شيحا بتركيبة لبنان الطائفيّة، ولكنّه كان على يقين بأنّ استفحال الروح الطائفيّة سيؤدّي إلى خراب البلاد. لذا، حرص على إبقاء نافذة دستوريّة يمكن أن تمهّد إلى تجاوز الطائفيّة، ورأى أنّ النظام البرلمانيّ المعتمد يلطِّف النزعة الطائفيّة ويخلق تعدديّة سياسيّة عابرة الطوائف يمكن مع الوقت أن ترسي قواعد ثقافة وطنيّة واحدة في إطار عوامل الجغرافيا والتاريخ التي أعطت لبنان خصوصيّته، وتُلخّص بالحريّة والتعدديّة والوصل بين الشرق والغرب.

ولكن بقدر ما أنّ فلسفة شيحا اتّسمت بالبراغماتيّة، فإنّ نقطة ضعفها تكمن في الربط بين تجاوز الطائفيّة وبلوغ وطنيّة مترسّخة في تلك الخصوصيّة كما تطوّرت في وعي المسيحيّين. وقد أدرك بعضهم هذه الصعوبة التي تجعل من التسوية الطائفيّة السبيل الوحيد لاستمرار كيان لبنان، وحاولوا إيجاد أسس فلسفيّة لها. ولعلّ كمال يوسف الحاجّ هو خير معبِّر عن هذا المسعى. ففي نظره، يكتسب الميثاق صفة نهائيّة لأنّ المسيحيّين والمسلمين أرادوه كذلك، ولأنّه مرتبط بالقوميّة اللبنانيّة، والقوميّة قيمة إنسانيّة نهائيّة. وبما أنّ القوميّة دعوة سياسيّة فهي تتجسّد في كيان سياسيّ. فما من قوميّة من دون دولة وما من دولة من دون قوميّة. ولبنان أصبح دولة في التاريخ الذي أُعلن فيه الميثاق. لذا، فالقوميّة اللبنانيّة التي يُعبِّر عنها الميثاق مزيج فريد من نوعه من الإسلام والمسيحيّة.

ولكن لا يمكن قوميّة لبنانيّة طائفيّة في صميمها أن تخلق وعيًا وطنيًّا واحدًا، لأنّ الشعور بالانتماء الذي تولِّده لا يتخطّى عتبة ميثاق توافقيّ ملتبس. لذا، لم يكن من مخرج منطقيّ إلاّ التسليم بالنظام القائم حلاًّ وحيدًا مع تمنّي إصلاحه. وفي هذا الصدد يقول الإمام محمّد مهدي شمس الدين: "تبيّن لي أنّ إلغاء الطائفيّة السياسيّة في لبنان، أنّ إلغاء نظام الطائفيّة السياسيّة في لبنان، يحمل مغامرة كبرى قد تهدّد مصير لبنان، أو على الأقلّ ستهدّد استقرار لبنان، تخلق ظروفًا للاستقواء بالخارج من هنا ومن هناك، ولتدخّل القوى الأجنبيّة من هنا ومن هناك... أدعو إلى سحب هذا الموضوع من التداول... فالمطلوب هو إصلاح نظام الطائفيّة السياسيّة، وليس إلغاء نظام الطائفيّة السياسيّة" (الوصايا، 2002).

وخلاصة القول إنّ الوعي الوطنيّ الميثاقيّ لا يمكن أن يتجاوز الحالة الطائفيّة وبالأصحّ المذهبيّة، بل يقف على حدود "الأنا" و"الأنت" ضمن إطار النظام القائم، ولا يعبر إلى الـــ "نحن". لذا، يبقى التحدّي الكبير قدرة اللبنانيّين على خلق أسس وعي وطنيّ "غير ميثاقيّ". ويمكن حقوق الإنسان أن تكون نقطة انطلاق متينة لهذه الورشة الخلاصيّة.

أستاذ في جامعة القدّيس يوسف



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
ماكرون يتوقع الأسوأ... والحريري يدرس الاعتذار
الفاتيكان يدعو البطاركة إلى «لقاء تاريخي» لحماية لبنان
البنك الدولي: لبنان يشهد إحدى أسوأ الأزمات الاقتصادية العالمية منذ منتصف القرن 19
عون: الحريري عاجز عن تأليف حكومة
اشتباكات متنقلة في لبنان على خلفيّة رفع صور وشعارات مؤيدة للأسد
مقالات ذات صلة
نوّاف سلام في «لبنان بين الأمس والغد»: عن سُبل الإصلاح وبعض قضاياه
حروب فلسطين في... لبنان - حازم صاغية
حين يردّ الممانعون على البطريركيّة المارونيّة...- حازم صاغية
عن الحياد وتاريخه وأفقه لبنانياً
جمهوريّة مزارع شبعا! - حازم صاغية
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة