أعلنت في الأيام الأخيرة توافقات في حدودها الدنيا بين مكونات الائتلاف الوطني السوري. وكانت في مجملها تصب في قضية الحسم في مسائل مهمة نظريا أو فعليا أو مبدئيا. فشهدت اسطنبول اجتماعات ماراتونية لإعلان حكومة مؤقتة تقوم بتفعيل دور المجالس المحلية الموجودة في المناطق غير الخاضعة لسلطة النظام السوري ووضع تصورات حول عملية إعادة الإعمار التي يتحدث عنها السوريون وكأنها خشبة الخلاص من جرعات التشاؤم اليومية. وكذلك تبدّى من عملية التصويت على أسماء الوزراء الجدد بأن السعي للتوافق بلغ أقصى درجاته من خلال التصويت على أسماء كل مرشح على حدة، وهو مما لم يجر التعارف عليه، حيث يجري عادة منح أو حجب الثقة لمجمل الوزارة. وقد احتوت على أسماء تقنيين مشهود لهم بالخبرة وحسن الأداء، وأخرى لممثلين عن بعض الكتل في الائتلاف.
وحفلت الصحافة الإلكترونية البيضاء والصفراء بالتعليقات والتحليلات المتسرعة. وفات الجميع، وخصوصا من لم ترد أسماؤهم، بأنها وزارة مؤقتة ليست لديها أية سيطرة إدارية أو قانونية على مناطق محددة لا تقوم فيها سلطة النظام بإدارة الأمور. وكذلك، فحتى ما هو خارج على إطار هذه السيطرة، فهناك سلطات أمر واقع مشتتة التبعيات في أفضل الحالات، أو أنها خاضعة لسلطة احتلال من قبل قوى ظلامية.
المهم، مبدئيا، هو أن هذه الحكومة قد تشكلت بسلبياتها وبإيجابياتها. وكذلك، فقد نجح الائتلاف في ضم أحد المكونات الكردية الأساسية إلى صفوفه لتعزيز موقعه التمثيلي للسوريين. وعلى الرغم من وجود القوة الأساسية عسكريا للأكراد تحت سيطرة مجموعة تعادي الائتلاف من جهة وتتوافق في مواقفها وممارساتها مع النظام من جهة أخرى، مع إصرارها على ادعاء العكس، فإن إدماج المكون الكردي يعتبر إنجازا سياسيا على الأقل بالنسبة للمعارضة السورية في مرحلة صعبة للغاية تطرح فيها مشاريع حكم ذاتي ويغازل النموذج الكردي في العراق مخيلة الكثيرين منهم في سوريا.
إضافة إلى هاتين الخطوتين المتقدمتين في نظر البعض، فقد جرى تحديد موقف واضح من المشاركة في "جنيف 2" من دون لبس ميز المرحلة السابقة. وسعى المتحدثون باسم الائتلاف إلى طرح موقف موحد يذهب بهم إلى هذا المؤتمر الموعود، والذي لم تظهر بشائر انعقاده بعد، مع ربط هذا الموقف بما سبق من وثائق صادرة عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة أو عن لقاءات دولية مؤثرة أوصلت إلى ما يسمى وثيقة "جنيف 1" في العام المنصرم بنقاطها الست، وانتهاء ببيان من يسمون أنفسهم بأصدقاء سوريا في لندن في الشهر الماضي.
والمرحلة القريبة المقبلة ستعتمد أساسا على وضع مرجعية تفاوضية مستندة إلى مهارات يمكن اكتسابها من خلال الاصغاء والقراءة والتمرين، ولا يمكن احداً ادعاء تملكها مسبقا. التفاوض على مصير وطن لا علاقة له بالمماحكات الشخصانية أو المفاوضات البازارية أو لعب طاولة النرد. السياسيون السوريون المحنكون داخل مكونات الائتلاف المتعددة ليسوا منزلين وعليهم أن يدركوا بأن التفاوض على أمر بهذه الأهمية لا علاقة له البتة فيما سبق وخبروه حول توحيد أو تفريق مجموعات حزبية أو تآلفات مرحلية بعيدا عن رؤية سياسية واضحة.
في انتظار أن تتآلف القوى الإيجابية لدى السوريين بعيدا عن المهاترات الصبيانية أو الأنوات الشخصية أو العقد النفسية، تجد الثورة السورية نفسها بين فكي كماشة: النظام بممارساته التي لم تعد بحاجة للتعريف، وقوى ظلامية دخيلة وهجينة ولا علاقة لها بتطلعات السوريين.
استاذ جامعي في باريس "الشروق" المصرية
|