الأربعاء ٢٠ - ٥ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: تشرين الثاني ٢٤, ٢٠١٣
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
"الصفقة" إذا حصلت تتضمّن حتماً خروج إيران من الصراع مع إسرائيل - جهاد الزين
بسبب صعوباته وتعقيداته البالغة وخصوصا أنه يعني، إذا حصل، تغييرا نوعيا في البيئة السياسية لمنطقة الشرق الأوسط فإن "الاتفاق" بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران لن يكون "مكتوباً" سوى في بعض بنوده. فهو من ذلك النوع من الاتفاقات التي إذا حصلت يكون المعلَن فيها أقل من غيرالمعلن. هنا محاولة لفهم "منطق" غير المعلن...

البند المكتوب الاستراتيجي هو طبعا الاتفاق المتعلّق بطبيعة الطاقة النووية التي تملكها إيران. لكن "البنود" الأخرى غير المكتوبة هي التفاهمات الفعلية على المكاسب والتنازلات بين الطرفين وهي، كي نتذكّر دائما حدود "الاتفاق"، مكاسب وتنازلات بين القوة الدولية العظمى الأولى وبين قوة إقليمية سياسية ونفطية نافذة في بعض أقاليم الشرق الأوسط.

لهذا فإن "الاتفاق" الإيراني الأميركي إذا حصل فسيكون عبارة عن "صفقة" غير المكتوب فيها كثيفٌ جدا وفقا لحساب كلٍّ من الطرفين لمصالحه ومستقبلها ولذلك لها على الأرجح السمات التالية:

1 - سمة تدرّجية أي لن تعتمد فقط على وقائع قائمة بل على تغيير وقائع قائمة أيضا في المنطقة الجغراسية التي تتعلّق بها. هذا يجعلها، إذا حصلت، من الاتفاقات التي ستقرّر وتغيّر أدوارا لقوى أصغر.

2 - سمة غير ثنائية بمعنى أنها باتت لا تتعلّق بتوازن طرفين متفاوضين فقط بل أساسا، ويجب أن لا ننسى ذلك مطلقا، تتعلق بثلاثة أطراف أساسية هي إلى طهران وواشنطن، طرف دولي- إقليمي هو روسيا. فروسيا بحكم تطوّرِ معطيات المنطقة بعد موجات "الربيع العربي" وتحديدا بعد الانفجار السوري، هي طرف داخلي في الاتفاق وليس خارجيا لأنه بات هناك تحالف حقيقي بين موسكو وطهران.

3 - سمة استراتيجية. فالاتفاقات الجزئية البراغماتية بين طهران وواشنطن تمّت في العراق وأفغانستان بعد العام 2001 وقد ظهرت مؤخّرا مقالات معلوماتية هامة منها في مجلة "نيويوركر" لديكستر فيلكينز و صحيفة "النيويورك تايمز" للسفير الأميركي السابق ريان كروكر حول طبيعة التفاوض السري وتفاهماته الجزئية وانهياراته السابقة لكن العلاقة الصراعية الحادة بقيت بينهما أيديولوجيا وسياسيا وأمنيا.

في رصد المعاني الجوهرية لـ السمة الاستراتيجية في "صفقة" من هذا النوع يمكن القول أنها لا يمكن أن تحصل، إذا حصلت، بدون أن تعني "انسحابا" إيرانيا تدريجيّا وإنما عميق من الصراع مع إسرائيل. هذا الصراع الذي أقحم النظام الإيراني نفسه فيه منذ لحظة ولادته عام 1979 وتحوّل ليس فقط إلى "إقحام ذاتي" بل إلى اقتحام ناجح للصراع العربي الإسرائيلي ولاسيما عبر الاستثمار الأمني والسياسي الذي مثّله "حزب الله"، إلى حد أن الوافد وهو إيران، ولو عبر تحالفات مع أطراف عربية، حلّ بصورة ما مكان الأصيل وهو العرب في هذا الصراع؟! لقد انطبع الصعود الإيراني في العالم العربي بهذا الدور الإيراني الذي كان النظام السوري قاعدته الجغراسية الكبرى.

إذا كان لـ"الصفقة" أن تحصل فسيجري تأريخُها ( الهمزة على الألف الأولى) مستقبلاً، على الأرجح، من يوم تسليم السلاح الكيميائي السوري. ولهذا تنشأ حاليا مفارقة هي أن الطرف الكبير القلق والمتوجّس من احتمال "الصفقة"، أي إسرائيل، هو أول المستفيدين منها، بينما الطرف الكبير الآخر المتوجّس بل الخائف، وهو السعودية، يتحسّس احتمال خسائره في سوريا. فالتنازل الروسي الإيراني السوري يكون مع تسليم السلاح الكيميائي قُدِّم إلى إسرائيل! و حول هذا الملف يجب أن نصدّق الرئيس بشار الأسد حين قال لمدير "قناة الميادين" غسان بن جدّو قبل فترة أن هذا السلاح الكيميائي كان الوسيلة الوحيدة المتاحة لقدر من التوازن مع السلاح النووي الإسرائيلي.

إذا كانت هذه هي البداية فهل يعقل أن لا تكون "فلسفة" أي صفقة شاملة مع إيران هي من وجهة نظر واشنطن إنهاء الدور الإيراني في الصراع مع إسرائيل؟

الطريف أن أول من أثار هذا الموضوع حول انعكاس الاتفاق بين طهران وواشنطن على الصراع مع إسرائيل كان حسن نصرالله أمين عام "حزب الله". فعلى طريقته في تأكيد النفي أو في نفي التأكيد قال بما معناه أن هناك من باتوا ينتظرون الاتفاق الإيراني الأميركي لكي يشهدوا نهاية "حزب الله". وفي تصدّيه لفكرة تسليم إيران لورقة "حزب الله" في أي اتفاق مع واشنطن، قال نصرالله في انفعال يتقنه أن "حزب الله" سيصبح أقوى بعد هذا الاتفاق.

هذا صحيح. ولكن أقوى أين؟

أقوى في السياسة اللبنانية وفي النظام السياسي اللبناني ولكن سيزول دوره الذي بات تقليديا عل الجبهة مع إسرائيل... إذا حصلت "الصفقة". فإذا كان "حزب الله" الآن يكابر في موضوع نفي معنى انسحاب إيران من الصراع مع إسرائيل في "الصفقة" فإن أخصام "حزب الله" لاسيما اللبنانيين منهم عليهم أن يفهموا أن التخلي الإيراني عن دور "حزب الله" العسكري حيال إسرائيل ليس تخلّيا عن دوره في المعادلة الداخلية اللبنانية. بل إن الثمن التعويضي عن انتهاء دور "المقاومة ضد إسرائيل" ( أيّاً يكن شكل الانتهاء) "يُقبض" في بيروت. فالأميركيون و الإسرائيليون لا يعترضون على دوره في الحياة السياسية اللبنانية الداخلية خصوصا أنه بات قوة شعبية تسيطر على البيئة الشيعية اللبنانية وتقيم بالتحالف مع حركة "أمل" نوعا من "نظام حكم" في مناطق الطائفة تعرف الطائفيّات اللبنانية كيف تقيمه بأشكال مختلفة مثلما كان الأمر خلال الحرب الأهلية في المناطق المسيحية ومثلما هو حاليا في مناطق الدروز ( الحزب الجنبلاطي) وبعض مناطق السُنّة ( الحزب الحريري).

تنخرط القوى الأساسية في الطائفتين الشيعية والسنية انخراطا عسكريا مباشرا و خدماتيا في الحرب الأهلية السورية. ومع أن الانخراط السُنّي اللبناني المعلن سبق الانخراط الشيعي اللبناني، فقد كانت لإعلان "حزب الله" المشاركة في القتال في سوريا دلالة قد تصبح هائلة مستقبلاً: إنها تاريخ تحوّل الدور العملي لـ"الحزب" من الجبهة الجنوبية مع إسرائيل إلى دور جديد على الجبهة الشمالية هو الدور داخل سوريا.

... إنها الكيمياء السياسية التي تعيد إنتاج دلالات الماضي من المستقبل. شيء ما عميق حصل في هذا الانتقال من الجنوب إلى الشمال بدون "الصفقة"... فكيف إذا حصلت؟ ستكون بدايتها عندها في هذا الانتقال!



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
من "ثورة الياسمين" إلى "الخلافة الإسلامية"... محطّات بارزة من الربيع العربي
لودريان: حرب فرنسا ليست مع الإسلام بل ضد الإرهاب والآيديولوجيات المتطرفة
نظرة سوداوية من صندوق النقد لاقتصادات الشرق الأوسط: الخليج الأكثر ضغوطاً... ولبنان ‏الأعلى خطراً
دراسة للإسكوا: 31 مليارديرًا عربيًا يملكون ما يعادل ثروة النصف الأفقر من سكان المنطقة
الوباء يهدد بحرمان 15 مليون طفل شرق أوسطي من الحصول على لقاحات
مقالات ذات صلة
المشرق العربي المتروك من أوباما إلى بايدن - سام منسى
جبهات إيران الأربع والتفاوض مع الأمريكيين
إردوغان بوصفه هديّة ثمينة للقضيّة الأرمنيّة
إيران أو تحويل القضيّة فخّاً لصاحبها - حازم صاغية
عن تسامح الأوروبيين ودساتيرهم العلمانية الضامنة للحريات - عمرو حمزاوي
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة