الأثنين ٣٠ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: نيسان ١٦, ٢٠١٦
المصدر: جريدة الحياة
أكراد سوريون عالقون على طرفي الحدود مع العراق - رستم محمود
«ولاط» شاب كُردي سوري، يعمل في الخليج مُنذ ثلاث سنوات، لكن زوجته، تُقيم في بلدة ديريك/ المالكية في أقصى شمال شرقي سورية، لذا فإنه استخرج بطاقة إقامة موقتة لنفسه في إقليم كُردستان العراق، للمجيء مرة واحدة إلى الإقليم أثناء إجازته السنوية، وليُغادر من هُناك إلى مناطق الإدارة الذاتية الكُردية في شمال شرقي سورية، لزيارة عائلته، عابراً معبر «سيمالكا» الوحيد. لكنه في كل مرة يخضع لدورة من الإجراءات الإدارية والسياسية المُعقدة التي تطيح أكثر من نصف أيام إجازته السنوية. هو «لا يملك أي حل» كما يقول، فهذا المعبر الصغير، هو المنفذ الوحيد لبلدته الحدودية مع باقي «الكُرة الأرضية».

منذ أكثر من عام، بات معبر «سيمالكا» على الحدود بين كُردستان العراق ومناطق «الإدارة الذاتية» الكُردية في شمال شرقي سورية، المنفذ الوحيد الذي يُمكن المُسافرين على طرفي الحدود أن يعبروه بأقل خطورة مُمكنة. حدث ذلك بعدما أغلقت السُلطات التُركية حدودها تماماً، وحصنت منطقة الألغام التي تفصلها عن الشمال السوري، ولاحقت شبكات التهريب والثغرات الحدودية التي كانت تستغلها، وفرضت تأشيرة دخول مُسبقة على السوريين الراغبين في الدخول إليها.

المُسافرون عبر هذا المنفذ الحدودي بغالبيتهم أكراد سوريون، منهم مئات الآلاف من اللاجئين المُقيمين في كُردستان العراق، وما لا يقل عنهم من المُغتربين من الأكراد السوريين المُقيمين في دول الخليج وأوروبا، وبالذات في ألمانيا. لكن الخلافات السياسية العميقة بين الحزب الديموقراطي الكُردستاني المُســيطر على ضفة كُردستان العراق من المعبر، وحزب الاتحاد الديموقراطي الكُردي السوري المُسيطر على الضفة السورية من المعبر، تحول دون تسهيل عبور المسافرين الأكراد على الطرفين.

ففي حين يُطالب الديموقراطي الكُردستاني بأن تكون الإدارة والعوائد مُشتركة بين الأحزاب الكُردية السورية، يصر الاتحاد الديموقراطي على احتكار الإدارة والعوائد المُتأتية منه، وهو ما يحوّل المعبر إلى بؤرة توتر دائمة بين الطرفين.

على جانب الإدارة الذاتية العراقية، على أي مُسافر أن يتقدم بطلب للسفر خارج الحدود، وأن يُقدم ضمانة مالية قُرابة الألف دولار، وكفيلاً شخصياً، حيث يخسر المُسافر ضمانته المالية في حال عدم عودته من كُردستان العراق في الوقت المُقرر، فيما يتعرض كفيله الشخصي لعقوبة السجن لمُدة ثلاثة أشهر، حيث تقول الآلة الإعلامية للإدارة الذاتية، أن هذه الإجراءات القاسية إنما تُطبق للحيلولة دون حدوث هجرة من المناطق الكُردية السورية!

في المقابل، يفرض الطرف الكُردي العراقي عدداً مُحدداً من المقبلين، بما لا يتناسب مع أعداد المُتقدمين لطلب المُغادرة من الطرف السوري، وهو ما يُراكم طلباتهم في طرف الإدارة الذاتية. حيث يُمكن أن يطول الأمر بمُقدم الطلب لأشهر عدة. وهو أيضاً ما يفتح باباً لشبكات الزبائنية والاستثناء والاستجداء، التي يجب أن يدخلها عشرات الآلاف من الأكراد السوريين في علاقتهم مع حزب الاتحاد الديموقراطي وبعض الأحزاب الكُردية السورية الصغيرة الموالية له. طبعاً، في وقت لا يخضع موالو هذه الأحزاب ونافذوها لتلك الإجراءات، وتُقدم لهم تسهيلات استثنائية تماماً.

على الدفة الأخرى، على المُقيمين أن يتقدموا بطلبات لزيارة مناطق الإدارة الذاتية، وأن ينتظروا حتى تصلهم قائمة المقبولين على جداول الزيارات. فقد كانت الأعداد اليومية تُقدر بحوالى خمسين مُسافراً في اليوم الواحد، بينما يبلغ عدد المُتقدمين السنويين عشرات الآلاف، وهو ما يعني أن بعض العائلات يجب أن تنتظر أكثر من عام كامل حتى تدخل أسماؤها في الجدول اليومي للمغادرين المقبولين.

الإدراة الكُردستانية للمعبر سمحت لأحزاب المجلس الوطني الكُردي السوري بأن يستخرجوا أمر دخول استثنائياً لأنصارهم، خارج قوائم الانتظار الاعتيادية، بأعداد تتناسب مع أحجام هذه الأحزاب الكُردية السورية.

وهو بالضبط ما كان يخلق شبكة من الولاءات والاستجداءات التي تربط مئات الآلاف من هؤلاء المُقيمين مع هذه الأحزاب الكُردية السورية ومُمثلياتها في كُردستان العراق.

وإذا لم يخضع الزائر الكُردي السوري لهذه الشروط، وأراد المغادرة إلى سورية، فعليه أن يتخلى عن بطاقة إقامته الموقتة في إقليم كُردستان العراق، وأن يوقع على ورقة تمنعه من دخول كُردستان العراق لخمس سنوات. وهذه الحال تزيد من مأساة المُضطرين للزيارة لأسباب طارئة جداً، فهم فعلياً يقرون ببقائهم في مناطق الإدارة الذاتية من دون عودة، بالتالي الخضوع لشروط الحياة السياسية والاقتصادية كافة التي يُمكن أن تُفرض عليهم في تلك المناطق.

تدفع تلك الإجراءات الإدارية/ السياسية إلى تكوين شبكات تهريب على طرفي الحدود بين المنطقتين، يلجأ إليها ذوو الحالات الخاصة، وغير القابلين للخضوع لتلك الدورة الطويلة. فإلى الجنوب من ذلك المعبر النهري، تُسيطر قوات حماية الشعب على المناطق الحدودية في الطرف السوري، ويمتد نفوذها إلى بعض البؤر على الجانب العراقي، خصوصاً في منطقة شنكال ذات الغالبية السُكانية الإيزيدية.

بذلك، فإن هذه السيطرة تدفعهم لتسهيل عبور مناصريهم الذين لا يريدون الخضوع لإجراءات إدارة إقليم كُردستان العراق، وبالذات لسياسيي الإدارة الذاتية، من الذين يسعون للسفر إلى الخارج عبر إقليم كُردستان، فيتم تهريبهم عبر تلك المناطق، ليغادروا براً إلى مدينة السُليمانية، ومن ثم المُغادرة عبر مطار السُليمانية، والعودة بالطريقة نفسها.

شيء مشابه لهذا يحصل في ما يخص قادة المجلس الوطني الكُردي السوري وسياسييه، من الذين يخضعون لمضايقات شديدة من جانب الإدارة الذاتية، لدفعهم نحو عدم العودة إلى سورية، فتخلو الساحة من طبقة السياسيين الكُرد المُناهضين لمشاريع الإدارة الذاتية الكُردية وحزب الاتحاد الديموقراطي ورؤيتهما، حيث يتم تهريبهم عبر ممرات تهريب خاصة، لا سيما أن الكثيرين من سُكان القرى الحدودية هناك من المُتعاطفين مع المجلس الوطني الكُردي، ومن الموالين التقليديين للحزب الديموقراطي الكُردستاني والعائلة البارزانية.

ليـــس ثــمة أي إجراء رسمي واضح المعالم مُتفق عليه، يُجبر الطرفين على الخضوع الواضح لهذه الإجراءات. فالأمر هو مُجرد تعليمات عُليا تُصدرها الإدارة السياسية في كِلا الطرفين، تتغير باستمرار ومن دون أي وضوح وإعلان، وتخضع على الدوام لطبيعة تحولات العلاقة السياسية بينهما. لكن مجموع ذلك يعني فقط أن مئات الآلاف من البُسطاء الأكراد يدفعون أثمان ذلك، مُتنازعين بين رغبتهم بزيارات هادئة لمُدنــهم وقُراهم، أو المغادرة للحصول على فُرصة للعمل والحياة الكريمة في الطرف الآخر من الحدود. فمثة عائلات لم تجتمع منذ أربع سنوات، وثمة طلاب ومهنيون وعاطلون من العمل ولا يستطيعون العبور للحصول على فرصة عمل، وثمة من غادر لزيارة خاصة وبقي مُحتجزاً لأعوام.


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
تقرير لوزارة الخارجية الأميركية يؤكد حصول «تغييرات طائفية وعرقية» في سوريا
انقسام طلابي بعد قرار جامعة إدلب منع «اختلاط الجنسين»
نصف مليون قتيل خلال أكثر من 10 سنوات في الحرب السورية
واشنطن تسعى مع موسكو لتفاهم جديد شرق الفرات
دمشق تنفي صدور رخصة جديدة للهاتف الجوال
مقالات ذات صلة
سوريا ما بعد الانتخابات - فايز سارة
آل الأسد: صراع الإخوة - فايز سارة
نعوات على الجدران العربية - حسام عيتاني
الوطنية السورية في ذكرى الجلاء! - اكرم البني
الثورة السورية وسؤال الهزيمة! - اكرم البني
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة