الثلثاء ٣١ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: نيسان ١٧, ٢٠١٦
المصدر: جريدة الحياة
في ربيع التيارات الإسلاميّة وخريفها - ماجد كيالي
لم يثبت أننا إزاء «ربيع» إسلامي، بل إن هذا تمخّض عن ادعاء سياسي متسرّع، بغض النظر عن توظيفاته المتعاكسة، من الإسلاميين أو خصومهم، وقد تبيّن الوضع عن خريف قاسٍ ومكفهرّ، إذ الصعود المستعجل والساذج والاحتفالي والإقصائي، أعقبه هبوط شديد ومأسوي على مختلف الأصعدة، أي الخطابات والبنى وطرائق العمل، لا سيما ما يخصّ العلاقة بالمجتمعات.

اللافت، أن هذا الانحسار يحصل بالضبط مع صعود تيارات الإسلام السياسي العسكرية («سنّية» و«شيعية») وحيازتها مناطق نفوذ إقليمية، في العراق وسورية وليبيا وسيناء ولبنان وفلسطين وبعض مناطق أفريقيا، أي أنه يحصل، للمفارقة، بسبب قوة هذه التيارات بالقياس الى تيارات الإسلام السياسي المدنية والمعتدلة. كما يلفت الانتباه أن هذا الأمر يحصل ليس بسبب مناهضة التيارات العلمانية أو القومية أو اليسارية أو الليبرالية للتيارات الإسلامية، إذ إن التيارات المذكورة أضحت من الضعف والتآكل بحيث لم تعد تستطيع شيئاً، ولا حتى على صعيد تجديد ذاتها.

هكذا نحن إزاء مفارقة مفادها أن التيارات الإسلامية، الجهادية والمدنية، المتطرفة والمعتدلة، الدعوية والحركية، قوّضت ذاتها بذاتها، أولاً لاتكائها على الدين، أو المقدس فقط، أي لضعف إدراكها القضايا السياسية والمجتمعية والاقتصادية، وضعف خبراتها في إدارة السياسات والمجتمعات، وعدم اعترافها بالآخر وعدم قبولها بالتعددية والتنوّع، على نحو ما يحصل في تجارب الإسلام السياسي، التركية والإندونيسية والماليزية والتونسية والمغربية. وثانياً، بحكم ضعف فهمها التوفيق بين شؤون الدنيا وشؤون الدين، أو شؤون الأرض وشؤون السماء، واتكائها على المقدّس لفرض سلطتها وهيمنتها وخطاباتها وسلوكياتها، بدعوى أن «الإسلام هو الحل»، وهو الشعار الذي فنّده الشيخ عبدالفتاح مورو (نائب رئيس حركة النهضة) باعتباره مجرد شعار للتلاعب والتورية وفرض الذات، وبتأكيده أن العدالة والحرية والمساواة والتنمية هي الحل. وثالثاً، وهذا الأهم، لأن كل واحد من هذه التيارات خاصم الآخر، بل شكّك في شرعيته، بل قاتله، وهذا يشمل «داعش» و «جبهة النصرة» و «أحرار الشام» و «جيش الإسلام» و «حزب الله» وأخواته، وحتى أكناف بيت المقدس (المقرّبة من حماس) قاتلت أو تقاتلت مع «النصرة» و «داعش» (في مخيم اليرموك).

فعدم اعتراف التيارات الإسلامية بالتيارات العلمانية والقومية واليسارية يشمل، أيضاً، عدم اعترافها بالتعددية في التيار الإسلامي ذاته.

رابعاً، ما فاقم الأمر أن التيارات الإسلامية المدنية والمعتدلة (نســبياً) غابت عن النقاش، حتى أنها لم توجّه نقداً حــقيقياً للتيارات الإسلامية الجهادية والمتطرفة والإرهابية، وبقي النقد عند الحدود الشـكلية، التي تتعلق بانتقاد هذه العملية أو تلك، وليس نقد أسسها ومنطلقاتها النظرية أو «العقدية»، باعتبار أن الجميع «إخوة» في المنهج، وبظن أن هذه التيارات تكمّل أو تخدم بعضها. حتى الإخوان المسلمون السوريون، المتضرّر الأكبر، غابوا عن نقاش كهذا، على رغم تغوّل الجماعات المسلّحة في «المناطق المحررة»، وإضرارها بمكانة الدين وصورته، وهيمنتها بالقوة على السوريين، بل إنهم نكصوا عن وثيقة «العهد والميثاق» التي أصدروها مطلع 2012، والتي كانت تعد بمصالحة الواقع والعصر والعالم، وبانفتاح الإخوان على التيارات الأخرى، وهضمهم قيم الحرية والديموقراطية والمساواة والمواطنة والدولة المدنية.

في النتيجة، أزاحت التيارات الإسلامية المتطرفة والعسكرية (داعش والنصرة وجيش الإسلام وأحرار الشام وحماس وحزب الله وكل تفريعاته في العراق وســورية ولبنان) كل التيارات الأخرى، لأنها قدمت نفسها بصراحة وبلا مواربة، ومن دون أي نقد من التيارات الإسلامية الأخرى المدنية والمعتدلة، علماً أن هذه الإزاحة لم تنجم عنها تقوية تيارات الإسلام السياسي (بكل تنوعاتها)، كما هو متوقع، وإنما ما حصل إضعاف لشرعية هذه التيارات، من الناحيتين السياسية والأخلاقية، وانحسار قبولها في مجتمعاتها، بالقياس إلى الماضي، بعدمـــا وجدت هذه المجتمعات نفسها إزاء إسلام عنيف وإكراهي ومتخلّف، وليست له صلة بمفهوم الإسلام كدين رحمة وتوادد ومساواة وعدل، وهذا لم يكن ليحدث لولا وضع هذه التيارات إزاء مجتمعاتها في اختبارات السياسة والسلطة.

فالمجتمعات المعنية لم تجد ما يميز التيارات المتطرفة عن المعتدلة، أو التيارات الجهادية عن المدنية، بسبب سكوت التيارات الإسلامية المعتدلة والمدنية، ونأيها بذاتها عن نقد التيارات الإسلامية المتطرفة والجهادية. وبصراحة، لا شيء يفسّر سكوت التيارات الإسلامية عن «داعش» و «القاعدة» إلا وجود مشتركات كثيرة في المنطلقات والمعتقدات المتعلقة بالسياسة والمجتمع، والمتعلقة بقضايا الحاكمية والحدود والخلافة ونبذ الديموقراطية، ما يشي بأن الفرق بين التيارات الإسلامية المعتدلة والمتطرفة هو في الشكل وليس في النوع.

والحال، فقد أثبتت التجربة وبثمن باهظ أنه لا يمكن تيارات الإسلام السياسي أن تشتغل إذا لم توائم نفسها أو تتصالح مع الواقع والعصر والعالم، إذ يتعذر قبولها كقوة ماضوية وعنفية وتكفيرية وقسرية وإقصائية، لأن هذه وصفة للحروب الأهلية والعبث والضياع. كما لا يمكن التيارات الإسلامية حيازة شرعية سياسية من دون أن تقر بقيم الحرية والمساواة والعدالة والمواطنة، والاعتراف بالآخر والقبول بالتعددية، ونقد أفكارها عن الحاكمية والحدود والخلافة، أو القطع معها، وتفهم أنها مجرد أحزاب سياسية مثلها مثل غيرها، من دون الاتكاء على المقدس.

وإذا كان الراحل جورج طرابيشي تحدّث عن المشـكلة المتعلّقة بالانتقال إلى إسلام الحديث، فقد بتنا اليوم إزاء مشكلات أثقل وأكثر اســـتعـصاءً، تتمثل بأننا إزاء إسلامات أخرى، من إسلام «ولاية الفقيه»، إلى إسلام الخليفة الداعشي مروراً بإسلام أبو محمد الجولاني، أمير جبهة النصرة، وأبو محمد المقدسي، منظّر السلفية الجــهادية، وأيمن الظواهري، زعيم القاعدة... الخ، وطبعاً ففي حال استمرار هذا المسار لن تجد التيارات الإسلامية المعتدلة والمدنية مكاناً لها.


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
من "ثورة الياسمين" إلى "الخلافة الإسلامية"... محطّات بارزة من الربيع العربي
لودريان: حرب فرنسا ليست مع الإسلام بل ضد الإرهاب والآيديولوجيات المتطرفة
نظرة سوداوية من صندوق النقد لاقتصادات الشرق الأوسط: الخليج الأكثر ضغوطاً... ولبنان ‏الأعلى خطراً
دراسة للإسكوا: 31 مليارديرًا عربيًا يملكون ما يعادل ثروة النصف الأفقر من سكان المنطقة
الوباء يهدد بحرمان 15 مليون طفل شرق أوسطي من الحصول على لقاحات
مقالات ذات صلة
المشرق العربي المتروك من أوباما إلى بايدن - سام منسى
جبهات إيران الأربع والتفاوض مع الأمريكيين
إردوغان بوصفه هديّة ثمينة للقضيّة الأرمنيّة
إيران أو تحويل القضيّة فخّاً لصاحبها - حازم صاغية
عن تسامح الأوروبيين ودساتيرهم العلمانية الضامنة للحريات - عمرو حمزاوي
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة