Date: Aug 24, 2013
Source: جريدة النهار اللبنانية
لبنان: طرابلس بعد الضاحية: رعب الفتنة والاستباحة الإرهابية
بأسرع من كل المخاوف والتحذيرات والانذارات الامنية والعسكرية التي اطلقت بعد تفجير الرويس من الموجات الارهابية التي تتربص بلبنان، لم تشأ يد الارهاب الا ان تخص طرابلس بالكلفة الاجرامية الافدح التي قفزت معها اعداد الشهداء والجرحى الى رقم قياسي فاق حصيلة تفجير الضاحية الجنوبية وحتى أي حصيلة تفجير دموي مماثل منذ انتهاء الحرب في لبنان بما فيه التفجير الذي اودى بالرئيس رفيق الحريري مع 22 ضحية عام 2005.

35 قتيلا الى 500 جريح كانت الحصيلة المفجعة لتفجيرين مروعين متعاقبين زلزلا عاصمة الشمال في اشد الاستهدافات الارهابية دموية بعد تفجير الرويس راسمين بدماء الضحايا واشلاء الكثير من الجثث المتفحمة اشد الصور قتامة وخطورة عما يدبر للبنان من مخطط لتعميم الرعب وايقاع الفتنة واشاعة الفوضى وظواهر الامن الذاتي. وبدت معالم هذا المخطط مكشوفة اولا من خلال توقيت التفجيرين ومكانهما باستهدافهما اكبر عدد ممكن من المصلين امام مسجدين بعد صلاة الجمعة. كما ان التفجيرين استهدفا طرابلس المدينة التي تضم اكبر تجمع سكاني سني بعد ثمانية ايام تماما من تفجير الرويس في الضاحية التي تضم احد اكبر التجمعات السكانية الشيعية. وهو الامر الذي رسم بوضوح معالم المخطط الارهابي لاثارة فتنة مذهبية لم تغب خطورته عن مجمل ردود الفعل الداخلية التي ابرزت مرة اخرى توحد جميع القوى على التنبيه من الفتنة الزاحفة ولكن مع تكريس العجز السياسي عن تجاوز هذا الاجماع الى ما يترجمه في عمل انقاذي استثنائي.

اما البعد الآخر الاوسع من طرابلس المستهدفة، فبرز في الخشية التي عبر عنها اكثر من طرف ومعني ان يكون هدف توازن الرعب الارهابي على "طراز" العرقنة وضرب طرابلس تحديدا امس بأقسى استهدافاته مرتبطا بإشعال الحريق اللبناني لحرف الانظار الدولية والاقليمية عن مجزرة الغوطة الشرقية في سوريا وتداعياتها الواسعة.

في اي حال، حل الحداد الوطني العام في لبنان مرة ثانية في اسبوع وسط مشهد دراماتيكي لم تعرف طرابلس مثيلا له في كل جولات القتال والمحن التي عرفتها منذ 2008 وحتى في الحرب الاهلية. ذلك ان التفجيرين حصلا بفارق دقائق قليلة اذ انفجرت سيارة مفخخة اولا امام مسجد التقوى في محلة دوار ابو علي، ثم اعقبها انفجار سيارة مفخخة اخرى قرب مسجد السلام في آخر طريق الميناء. واحدث الانفجاران ما يشبه موجة مريعة من الحرائق حاصدين عشرات القتلى والجرحى وتطايرت جثث العديد من الضحايا اشلاء متفحمة. وفي المعلومات التي توافرت لـ"النهار" ان السيارة التي انفجرت قرب مسجد السلام والتي يقع قبالتها منزل اللواء اشرف ريفي كانت الاكبر من حيث حمولتها المتفجرة وهي من نوع فورد زيتية رباعية الدفع وكانت مفخخة بما يعادل 175 كيلوغراما من مادة "تي ان تي"، فيما يجري العمل على كشف السيارة التي استهدفت الدوار، علما ان مسجد التقوى يقع ايضا على مقربة من منزل رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي الذي كان خارج البلاد وقطع زيارته وعاد الى لبنان. وقال اللواء ريفي الذي اصيب منزله بأضرار واسعة: "ما اراه هو الفتنة. اهلنا في الضاحية دفعوا الثمن واليوم اهلنا في طرابلس والآتي اعظم". وذكّر بأنه حذر قبل سبعة اشهر من امتداد الحريق من سوريا الى لبنان مجددا الدعوة الى "اقفال الحدود حتى لا يمتد اللهيب الى الداخل اللبناني".

موجة تنديد
ووسط موجة تنديد واسعة بالتفجيرين، قطع كل من رئيس الجمهورية ميشال سليمان والرئيس ميقاتي والرئيس المكلف تمام سلام اجازات خاصة كانوا يمضونها في الخارج وعادوا الى بيروت واعلن اليوم يوم حداد وطني. كما من المقرر ان يعقد الرئيس سليمان اليوم سلسلة اجتماعات سياسية وامنية، ثم يعقد اجتماع موسع في حضور الرئيس ميقاتي.

وفي ما اعتبر رداً سياسياً شاملا من طرابلس وممثليها على اهداف المفجرين، اصدر وزراء المدينة ونوابها وعدد من المشايخ بيانا مساء امس اهابوا فيه بأبناء طرابلس "التحلي بالصبر والمحافظة على رباطة الجأش والتعاون مع القوى الامنية من جيش وقوى امن داخلي والاجهزة كافة من اجل ضمان امن المدينة والناس". وحذروا من ان "يد الغدر تعمل على استدراج الناس الى ردود فعل من خلال ترويج مشاريع الامن الذاتي"، داعين الى "الالتفاف حول الدولة والقوى الامنية".

وقال مصدر في "تيار المستقبل" لـ"النهار" ان لبنان "أصبح في وضع شديد التعقيد بسبب مشاركة حزب الله في القتال في سوريا، وهذه المشاركة شرّعت لبنان على أدهى المخاطر". ورأى "ان ما يجري هو للتغطية على مجزرة الغوطة في ريف دمشق فكانت اولا عملية اطلاق الصواريخ في الجنوب ثم انفجارا طرابلس". واعتبر من اهداف "جريمتيّ التفجير بطرابلس دفع الطرابلسيين الى الخروج عن طورهم وركوب مركب التطرف، لكن قرار قيادات المدينة وتيار المستقبل هو عدم الانجرار في هذا المخطط والثبات في التمسك بخيار الدولة".

مجلس الأمن
الى ذلك، افاد مراسل "النهار" في نيويورك ان المجتمع الدولي وجه أمس رسالة دعم قوية وحازمة للبنان في مواجهة محاولات زعزعة استقراره، إذ أجمع أعضاء مجلس الأمن على وصف ما حصل في طرابلس بأنه "عمل إرهابي"، لاقى تنديداً شديداً أيضاً من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي – مون ورئيسة مجلس الأمن القومي الأميركي سوزان رايس.

وكتبت رايس في حسابها بموقع "تويتر" أن "الولايات المتحدة تندد بشدة بتفجيري طرابلس في لبنان"، موجهة تعازيها "للخسارة في أرواح الأبرياء".

وأصدر مجلس الأمن بالإجماع بياناً صحافياً كانت اقترحته فرنسا. وندد أعضاء المجلس "بشدة بالتفجيرين الإرهابين" اللذين استهدفا طرابلس وإذ قدموا "تعازيهم الى الضحايا وذويهم وعبروا عن تعاطفهم مع جرحى هذين العملين الشائنين ومع الشعب اللبناني وحكومته"، كرر أعضاء المجلس أن "الإرهاب بكل أشكاله ومظاهره يشكل أحد أخطر التهديدات للسلم والأمن الدوليين، وأن أي أعمال ارهابية اجرامية لا يمكن تبريرها، بصرف النظر عن دوافعها وحيثما ومتى ارتكبت وكائناً من كان وراءها". وأبرزوا "ضرورة محاربة الإرهاب، طبقاً لميثاق الأمم المتحدة وكل الواجبات المرعية في القانون الدولي، وتحديداً القانون الإنساني الخاص باللاجئين وحقوق الإنسان الدولية". وطالبوا بـ"جلب المتورطين الى العدالة ومحاكمتهم"، مناشدين "كل اللبنانيين المحافظة على وحدتهم الوطنية في وجه محاولات تقويض استقرار بلدهم". ولفتوا كل الأطراف اللبنانيين الى "أهمية احترام سياسة النأي بالنفس والامتناع عن أي تورط في الأزمة السورية، مع التزامهم بيان بعبدا".

وأصدر بان كي – مون بياناً جاء فيه أنه "يندد بشدة" بالتفجيرين اللذين حصلا "بعيد صلاة الجمعة خارج مسجدين" في مدينة طرابلس. وبعدما عبر عن تعازيه لذوي القتلى ولحكومة لبنان، دعا "جميع اللبنانيين الى ممارسة ضبط النفس والبقاء موحدين" على أن "يدعموا مؤسسات الدولة، وخصوصاً القوى الأمنية، في المحافظة على الهدوء والنظام في طرابلس وكل البلاد، وفي الحيلولة دون تكرار أعمال مدمرة كهذه".

وبدورها نددت الخارجية الفرنسية بالتفجيرين في طرابلس ودعت السلطات اللبنانية الى ملاحقة المسؤولين عن هذه الجرائم. كما نددت بكل المحاولات لزعزعة استقرار لبنان، مشددة على اهمية احترام كل الاطراف لسياسة النأي بالنفس اللبنانية التي يقودها الرئيس سليمان مؤكدة ان على لبنان الا ينزلق الى دوامة العنف التي خلفتها الازمة السورية.

ونددت دولة قطر بشدة بالتفجيرين قائلة ان "مثل هذه الاعمال الاجرامية تستهدف زعزعة الامن والاستقرار وترويع الآمنين". وجددت مواقفها "الثابتة من نبذ العنف بمختلف اشكاله".
ودعت السفارة الاميركية في بيروت، التي استنكرت التفجيرين، رعاياها الى عدم السفر الى لبنان بسبب الاوضاع الامنية.
كما جددت الكويت دعوة مواطنيها الموجودين في لبنان الى مغادرته فورا.