Date: Sep 2, 2013
Source: جريدة النهار اللبنانية
هكذا تملّص أوباما من عبء قرار ضرب سوريا
مستشاروه حذّروه من تبعات خسارة تصويت في الكونغرس
بعد أسبوع من النقاشات في شأن الادلة على استخدام النظام السوري أسلحة كيميائية، اعتقد بعض من أقرب حلفاء الرئيس الاميركي باراك أوباما أن سيد البيت الابيض بات مستعداً لتوجيه ضربة عسكرية الى سوريا، ولكن ما الذي حصل؟
 
عشية ما كان يعتقد أنه عطلة نهاية أسبوع ستندفع فيها الصواريخ الاميركية مجدداً في أجواء الشرق الاوسط، دعا الرئيس الاميركي مستشاريه الكبار، بمن فيه مستشارته للأمن القومي سوزان رايس ونائباها أنطوني بلينكن وبنجامين رودز ورئيس أركان البيت الابيض دنيس ماكدونو ونائبه روب نيبورز وآخرين، الى اجتماع في المكتب البيضوي السابعة مساء الجمعة بتوقيت واشنطن.

وفي الاجتماع الذي استغرق ساعتين وشهد نقاشاً حاميا وحاداً، أعلن أوباما أنه يريد التراجع والسعي الى الحصول على موافقة على خططه المتعلقة بسوريا من كونغرس لم يتوان في السنوات الثلاث الاخيرة عن عرقلة خططه على كل الجبهات. أما حججه في ذلك فكثيرة استنادا الى مراسل "النيويورك تايمس" في البيت الابيض مارك لاندر، منها احساس بالعزلة بعد الانتكاسة القوية في مجلس العموم البريطاني، اضافة الى أن تحركه وحيدا قد يضعفه في السنوات الثلاث المقبلة إذا احتاج فيها الى تفويض من الكونغرس لمواجهة عسكرية في الشرق الاوسط، ربما مع ايران.

وقال مساعد كبير لاوباما إن "الرئيس لا يستطيع اتخاذ هذه القرارات بمعزل عن الشعب الاميركي والكونغرس... من يعرف ما سنواجه في السنوات الثلاث ونصف سنة المقبلة في الشرق الاوسط... إذا قرر ضرب سوريا من دون الكونغرس الان، هل يحصل على (تأييد) الكونغرس عندما يحتاج اليه حقا؟".
لم يكن قرار اللجوء الى الكونغرس ما كان بعض المستشارين، بمن فيهم رايس، يتوقعون سماعه، بعدما أيدوا ضربات صاروخية لمنشآت عسكرية في الايام المقبلة.
 
شكوك... وحجج
عمليا، أنهى اجتماع المكتب البيضوي أحد أكثر الاسابيع غرابة في ادارة أوباما بدا فيه الرئيس الاميركي مضطراً الى التحرك بعدما شهد على "انتهاك" النظام السوري "الخط الاحمر" الذي رسمه له محذرا اياه من استخدام الاسلحة الكيميائية ضد شعبه.

لكن الصحيفة الاميركية نسبت الى مستشارين رئاسيين أنه حتى عندما هيأ أوباما نفسه لهجوم الاسبوع الماضي، كانت تساوره شكوك في المبرر السياسي والقانوني للتحرك، نظرا الى أن مجلس الامن رفض اعطاء الضوء الاخضر للضربة. وزادت مناشدات نواب له لتصويت في الكونغرس شعوره بعزلة محتملة.

وفي بيانه السبت في حديقة الورود بالبيت الابيض والذي عكس استياءه من استخدام السلاح الكيميائي وتردده في التدخل العسكري، أنهى أوباما أسبوعا بدأ السبت الماضي عندما دعا مجلسه للأمن القومي الى الاجتماع. في ذلك الاجتماع، قال أوباما، استنادا الى أحد مساعديه: "لم أتخذ قرارا بعد في شأن عمل عسكري... ولكن عندما كنت أتحدث عن أسلحة كيميائية، هذا ما كنت أقصده"، في اشارة الى "الخط الاحمر" الذي رسمه للنظام السوري. ومذذاك، شرع البيت الابيض في صوغ أقوى الحجج لتدخل عسكري. وعلى هذا الاساس، أصدر البيت الابيض في اليوم التالي بيانا يقلل الحاجة الى انتظار مفتشي الامم المتحدة لان "أدلتهم" شوهت بالقصف المستمر للمواقع التي تعرضت للأسلحة الكيميائية. والاثنين، ألقى وزير الخارجية جون كيري خطابا مدويا اتهم فيه بشار الاسد بـ"وقاحة أخلاقية".

ومنتصف الاسبوع الماضي، نقل صحافيون مراراً عن مسؤولين في الادارة الاميركية أن الادارة لن ترتدع أمام الافتقار الى موافقة من مجلس الامن. ومع ذلك، كان تردد أوباما واضحاً وعلنياً.فبينما قدم كيري الجمعة حججه الاقوى ضد الاسد،بدا أوباما حذراً يزين كلماته بتحذيرات في شأن المستوى المتواضع للعملية واقراره بارهاق الاميركيين من الحرب.
 
تعثر كاميرون
في غضون ذلك، تابع مستشارو البيت الابيض بعصبية المأساة التي حصلت على الضفة المقابلة من الاطلسي. كانوا يعرفون أن محاولة رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون الفوز بتفويض مجلس العموم البريطاني للتدخل صعبة، الا أن سقوط الاقتراح في تصويت أولي شكل انتكاسة كبيرة. ومع أن مساعدين للرئيس قالوا قبل التصويت البريطاني إن أوباما مستعد لشن ضربة من دون انتظار التصويت البريطاني الثاني المقرر غدا الثلثاء، حرم غياب البركة البريطانية واشنطن مستوى آخر من الشرعية.

وأوردت صحف أميركية ان أوباما كان منزعجاً مما اعتبره تعثر كاميرون وسوء ادارته الوضع، لكنه لم يعلق علنا على هذا الامر. الا أن مساعدين نقلوا عنه الجمعة أن شكوكه زادت بعد قرار مجلس العموم، وبات مقتنعاً بوجوب الحصول على موافقة الكونغرس. وقال لهم: "نحن أيضاً لدينا شعب منهك من الحرب".

ويذكر أن دعم أوباما حملة حلف شمال الاطلسي ضد الزعيم الليبي الراحل العقيد معمر القذافي ترك أثرا سلبيا في أوساط كثيرين في الكونغرس. وقد وقع نحو 140 نائبا من الجمهوريين والديموقراطيين رسالة تطالب أوباما بتصويت على ضرب سوريا. وإذ كانت حجة الادارة الاميركية ضرورة التحرك بسرعة في ليبيا لمنع مذبحة في حق الثوار في بنغازي، يقول مساعدون في البيت الابيض إن ذلك الالحاح لا ينطبق على وضع سوريا.

ويوضح أحدهم أن رئيس هيئة الاركان الاميركية المشتركة الجنرال مارتن ديمبسي أبلغ أوباما أن الضربة المحدودة التي يفكر فيها ستكون بالفاعلية نفسها إذا حصلت "في غضون ثلاثة أسابيع أو في غضون ثلاثة أيام".

وفي ما يتعدى مسألة الشرعية السياسية، نقل مساعدون عن أوباما الجمعه أنه منزعج من أن يكون سماحه بعمل عسكري آخر من دون اللجوء الى الكونغرس مناقضاً لروح خطابه الربيع الماضي والذي حاول فيه رسم تحول من حال الحرب الدائمة في الولايات المتحدة منذ هجمات 11 أيلول 2001.

كل هذه الامور كانت بحسب مراسل "النيويورك تايمس" في بال أوباما عندما دعا رئيس أركان البيت الابيض الى نزهة مسائية مبكرة الجمعة في الحديقة الجنوبية للبيت الابيض.في حينه، كان موظفو البيت الابيض في الجناح الغربي يأملون في العودة باكرا الى منازلهم لاعتقادهم أنهم سيمضون عطلة نهاية الاسبوع في العمل. ولكن بعد ذلك بـ45 دقيقة، أي قبل السابعة مساء بوقت قصير، دعا أوباما مستشاريه ليبلغهم أنه قرر شن ضربة عسكرية ولكن بعد اللجوء الى الكونغرس.

كانت معارضة المجتمعين واضحة. أبدى مستشاروه السياسيون قلقهم من امكان خسارته التصويت، على غرار ما حصل مع كاميرون، الامر الذي قد يعقد الاولويات التشريعية الاخرى للبيت الابيض.وجادل فريقه للأمن القومي بأن الدعم الدولي للعملية قد لا يتطور.

التاسعة مساء الجمعة، رفع أوباما الاجتماع واتصل بكيري ووزير الدفاع تشاك هيغل ليبلغهما خططه.