العواصم الأخرى – الوكالات واشنطن - هشام ملحم نيويورك – علي بردى أكدت مهمة تقصي الحقائق في الإدعاءات ذات الصلة باستخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا، أن ثمة "أدلة واضحة ومقنعة" على استخدام غاز السارين المحرم دولياً و"على نطاق واسع نسبياً" في قصف منطقة الغوطتين قرب دمشق في 21 آب الماضي بصواريخ أرض - أرض، مما أدى الى مقتل المئات وإصابة الآلاف، في تطور أرخى بثقله على المشاورات الجارية بين الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن وعلى خطواتها لإصدار قرار تحت الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة، على رغم استمرار التباينات بين الولايات المتحدة وروسيا وخصوصاً على ما إذا كان ينبغي التلويح بالقوة العسكرية ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد. وصدر تقرير المفتشين بعد ساعات من اعلان واشنطن وباريس ولندن تأييدها لصدور قرار عن مجلس الامن تحت الفصل السابع يدعم تنفيذ الاتفاق الاميركي - الروسي لتجريد سوريا من ترسانتها الكيميائية. وفي تطور ميداني خطير، اسقطت مقاتلات تركية طائرة هليكوبتر سورية انتهكت الاجواء التركية من جهة اقليم هاتاي الحدودي.
ومع أن التقرير الذي أعده البروفسور الأسوجي آكي سالستروم والذي يتألف من 41 صفحة لم يشر مباشرة بأصبع الإتهام الى أي طرف، كان واضحاً من المعطيات العلمية التي وفرها أن الرؤوس الحربية الكيميائية وضعت على صواريخ حددت عياراتها بدقة، وهي أنطلقت من أحداثيات مناطق تسيطر عليها الوحدات النظامية للجيش السوري، كما رجح خبراء منظمة "هيومان رايتس واتش" الحقوقية الأميركية ووفقاً للإتهامات التي وجهها المندوبون الدائمون لدى الامم المتحدة الأميركية سامانتا باور والبريطاني السير مارك ليال غرانت والفرنسي جيرار آرو. بيد أن نظيرهم الروسي فيتالي تشوركين رأى أن لا دليل علمياً على أن القوات الحكومية وراء الهجوم وقال: "يجب ألا نقفز الى أي استنتاجات".
وقال غرانت إن حمولة الصواريخ كانت 350 ليتراً، أي أكثر 25 مرة من الكمية التي استخدمت في الهجوم على مترو الأنفاق في اليابان عام 1995، وهي أكبر أيضاً من الكمية التي استخدمها نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين ضد ايران. ولاحظ أن هذا لا يشير الى "صناعة في مزرعة" كما قال تشوركين.
وخلال جلسة عقدت على عجل لمجلس الأمس من أجل تسلم التقرير، بدت الصدمة واضحة على وجوه الأمين العام للأمم المتحدة بان كي – مون والمندوبين الدائمين للدول الـ15 الأعضاء وغيرهم ممن كان ينتظر في الأروقة الجانبية، على رغم الإدراك المسبق للجميع أن الأسلحة الكيميائية تستخدم في الحرب السورية.
وفي رسالة تسليم التقرير الى الأمين العام للأمم المتحدة، كتب سالستروم أن المهمة الأصلية كانت تتضمن توجه المحققين الى كل من مناطق خان العسل والشيخ مقصود وسراقب. ولكن تمّ الإتفاق بين الأمم المتحدة والسلطات السورية على اعطاء الاولوية لحوادث المعضمية في الغوطة، الغربية وعين طرما وزملكا في الغوطة الشرقية. وقال: "على أساس الدليل الذي حصلنا عليه خلال تحقيقنا في حادث الغوطة: الخلاصة هي أن الأسلحة الكيميائية استخدمت في الحرب الدائرة بين الأطراف في سوريا، وأيضاً ضد المدنيين، بما في ذلك الأطفال، على نطاق واسع نسبياً"، موضحاً أن "العينات الطبية والبيئية التي جمعناها توفر دليلاً واضحاً ومقنعاً على أن صواريخ أرض – أرض تحتوي على غاز الأعصاب السارين أستخدمت في عين طرما والمعضمية وزملكا في منطقة الغوطة الدمشقية". وأضاف أن "هذه النتيجة تبعث فينا أعمق القلق". وأفاد أن المختبرات الأربعة التي حللت العينات تقع في فنلندا وألمانيا وأسوج وسويسرا. وحملت الوثيقة تواقيع سالستروم ورئيس الفريق التابع لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية سكوت كيرنس ورئيس الفريق التابع لمنظمة الصحة العالمية موريتزيو باربيشكي.
واستند التقرير الى مقابلات مع ناجين وشهود آخرين وتوثيق للذخائر ومكوناتها الفرعية وعينات بيئية وتقويم لأعراض الناجين ومجموعة عينات من الدماء والشعر والبول. وأعد بناء على قواعد ومعايير دولية محكمة. وشرح أن المهمة تمكنت من جمع "إفادات أولية من أكثر 50 ناجياً بينهم مرضى وعاملون صحيون ومسعفون أوليون" أكدوا بالإضافة الى معلومات أخرى أن "صواريخ أرض – أرض" سقطت على المنطقة "في الساعات الأولى من صبيحة 21 آب". وبعدما عدد الأعراض لدى المصابين، وبينهم مسعفون وأطباء وممرضون، لفت الى أن الأحوال الجوية التي كانت سائدة فجر ذلك اليوم "تضاعف الأثر المحتمل" للسلاح الكيميائي المستخدم. وقال إن "عدداً من صواريخ أرض - أرض قادرة على نقل حمولة كيميائية كبيرة حددت وسجلت"، وأن "العينات أكدت لاحقاً أنها كانت تحتوي على السارين جمعت من غالبية الصواريخ أو شظايا الصواريخ". وأشار الى أن السارين وجد أيضاً في العينات البيئية التي جمعت. كما ظهر أثر غاز الأعصاب في أعراض الناجين.
وأحال الأمين العام للأمم المتحدة التقرير على أعضاء مجلس الأمن وبقية الدول الأعضاء في المنظمة الدولية في رسالة ندد فيها "بأقوى العبارات الممكنة" بما سماه "جريمة الحرب هذه والإنتهاك الخطير لبروتوكول عام 1925 لحظر الإستخدام الحربي للغازات الخانقة والسامة وقواعد الحرب الجرثومية في الحرب والتشريعات الأخرى المرعية في القانون الدولي". ورأى أن على المجتمع الدولي "مسؤولية أخلاقية لمحاسبة المسؤولين ولضمان ألا تعود الأسلحة الكيميائية الى الظهور كأسلوب في الحرب". ووصف انضمام سوريا الى معاهدة حظر تطوير وصنع وتخزين واستخدام الأسلحة الكيميائية وتدميرها بأنه "تطور موضع ترحيب".
وأعلنت منظمة حظر الاسلحة الكيميائية في بيان ان "سوريا انضمت الى معاهدة (حظر الاسلحة الكيميائية) في ظروف استثنائية. ويتوقع اذاً ان يبدأ برنامج ازالة الاسلحة الكيميائية في سوريا خلال ايام". أوباما وفي واشنطن، وصف الرئيس باراك اوباما الاتفاق الذي توصل اليه وزير الخارجية الاميركي جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف قبل ايام بانه "خطوة مهمة نحو وضع اسلحة سوريا الكيميائية تحت اشراف دولي من اجل تدميرها". وبعدما ذكر ان ذلك سيتطلب بعض الوقت، قال: "ولكن اذا تم تطبيق الاتفاق بشكل صحيح، فانه يمكن ان ينهي الخطر الذي تمثله هذه الاسلحة، ليس فقط على الشعب السوري بل على العالم". واستهل خطاباً في ذكرى مرور خمس سنوات على الازمة الاقتصادية العالمية، بأن اهتمام واشنطن اخيراً كان مركزا على الاحداث في سوريا، "والاستخدام الرهيب للاسلحة الكيميائية ضد الناس الابرياء بمن فيهم الاطفال وضرورة وجود رد حازم من المجتمع الدولي". وصرح الناطق باسم البيت الابيض جاي كارني بأن نتائج تقرير المفتشين الدوليين تدعم الاستنتاج الذي توصل اليه العالم، أي ان نظام الاسد هو المسؤول عن استخدام السلاح الكيميائي . إسقاط مروحية سورية وفي تطور ميداني خطير، اسقطت مقاتلات تركية طائرة هليكوبتر سورية انتهكت الاجواء التركية من جهة اقليم هاتاي الحدودي. لكن بيانا للجيش السوري اعتبر ان "رد الفعل التركي المتسرع دليل على النيات الحقيقية لحكومة رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان توتير الاجواء على الحدود بين البلدين". وقال وزير الخارجية التركي أحمد داود اوغلو عقب اجتماع للبحث في القضية السورية مع نظرائه الأميركي جون كيري والبريطاني وليم هيغ والفرنسي لوران فابيوس في باريس: "لن تسمح تركيا أبداً بأي انتهاك لحدودها... سندافع عن حدودنا وعن أمن شعبنا حتى النهاية لن يجرؤ احد على انتهاك حدود تركيا في أي حال مرة أخرى".
لجنة التحقيق الدولية لسوريا تتقصى عن استخدام الكيميائي في 14 موقعاً
صرح رئيس لجنة التحقيق الدولية لسوريا والتابعة للأمم المتحدة القاضي البرازيلي باولو بينيرو بأن اللجنة المعنية بجرائم الحرب تحقق في 14 هجوما مزعوما بأسلحة كيميائية في سوريا منذ أن بدأت تراقب انتهاكات حقوق الانسان هناك في ايلول 2011. وقال في مؤتمر صحافي في جنيف: "نحقق في 14 حالة استخدام مزعوم لأسلحة كيميائية أو مواد كيميائية. لكننا لم نتوصل إلى الجهة المسؤولة أو طبيعة المواد التي استخدمت... لسنا مضطرين الى الافصاح عن المكان أو الزمان. لسنا مضطرين الى الادلاء بمزيد من التفاصيل". وافاد ان الحكومة السورية وجهت دعوة الى عضو اللجنة كارلا ديل بونتي لزيارة سوريا بصفتها الشخصية، إلا أن اللجنة تريد زيارة رسمية.
وقالت ديل بونتي إنه من المعتقد أن الدعوة وجهت اليها لأنها قالت علنا في آيار إن هناك مزاعم ان جماعات المعارضة استخدمت أسلحة كيميائية، لكنها اضافت إنها لا تملك معلومات مؤكدة. واعلن بينيرو ان اللجنة التي شكلها مجلس الامم المتحدة لحقوق الانسان قبل نحو سنتين دعيت لزيارة السعودية التي تدعم المعارضة السورية وإيران التي تدعم الحكومة السورية وانها تعتزم السفر إليهما الشهر المقبل.
وتحدث العضوان الكبيران في اللجنة بعدما قدما أحدث تقرير إلى المجلس في جنيف وقبيل تقديم تقرير مفتشي الأسلحة الكيميائية التابعين للأمم المتحدة إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي - مون في نيويورك.
وفي حين أن مفتشي الأسلحة يمكن أن يؤكدوا استخدام أسلحة كيميائية، تضطلع لجنة التحقيقات بمهمة تحديد المسؤولين وتقديمهم الى العدالة. ولم تتمكن اللجنة من دخول سوريا، لذا فهي تجمع معلومات من شهود وتحاول التحقق من التقارير الواردة من داخل سوريا.
من جهة اخرى، قال بينيرو انه: "في شمال سوريا هناك تصاعد للجرائم وانتهاكات ارتكبتها جماعات مسلحة متطرفة مناهضة للحكومة مع تدفق مقاتلين أجانب. ان ألوية بأكملها مشكلة الآن من مقاتلين عبروا الحدود إلى سوريا والمهاجرين واحد من أنشطتها".
وتحدث ايضا عما يشتبه في انه جرائم حرب ارتكبت منذ 15 تموز، موضحا أن الحكومة السورية واصلت "حملة لا هوادة فيها من الغارات الجوية والقصف المدفعي في أنحاء البلاد".
توافق فرنسي - بريطاني - أميركي على "عواقب" يتحمّلها النظام السوري إذا أخلّ بتعهّداته
باريس - سمير تويني والوكالات يمكن تلخيص نتائج الاجتماع الفرنسي – البريطاني - الأميركي في باريس أمس بوجود توافق على "عواقب" سوف يتحملها النظام السوري اذا أخل بتعهداته تسليم أسلحته الكيميائية. وكان الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند استقبل وزير الخارجية الأميركي جون كيري في حضور وزيري الخارجية الفرنسي لوران فابيوس والبريطاني وليم هيغ. وحضر جانباً من الاجتماع نظيرهما التركي احمد داود أوغلو. وجاء في بيان صادر عن مكتب هولاند أنه لا بد من إصدار قرار "قوي" من الأمم المتحدة يتضمن مهلاً زمنية محددة وملزمة لإزالة الأسلحة الكيميائية السورية.
وتعتزم باريس استخدام تقرير المفتشين الدوليين عن الهجوم الكيميائي في دمشق للحصول على موقف حازم داخل مجلس الأمن. واعتبر فابيوس أن "أحداً لن يفهم عدم استخلاص نتائج من تقرير دامغ. يجب القيام برد فعل والتحرك".
وحذر في مؤتمر صحافي مشترك مع كيري وهيغ دمشق من أنها ستتحمل "عواقب وخيمة" في حال عدم احترام التزاماتها في شأن سلاحها الكيميائي. وقال: "نحن عازمون على الحصول على قرار قوي من مجلس الأمن خلال الأيام المقبلة. سينص القرار على عواقب وخيمة في حال عدم تطبيقه". وشدد على انه ليس أمام النظام السوري سوى خيار "إتلاف" السلاح الكيميائي، وعلى إبقاء "كل الخيارات على الطاولة".
وتحدث فابيوس عن "تنظيم لقاء دولي واسع حول "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية" الأسبوع المقبل في نيويورك" على هامش دورة الجمعية العمومية للأمم المتحدة، بحيث يدرك "النظام السوري أن لا آفاق أمامه سوى طاولة المفاوضات"، وإن يكن أقر بأن ذلك يتطلب "معارضة قوية".
ودعا هيغ إلى مواصلة الضغط على النظام السوري ليفي بالتزاماته، مشيراً إلى أن "خيار التدخل العسكري لا يزال مطروحاً". وقال: "يبقى هدفنا عقد مؤتمر ثان في جنيف لجمع كل الاطراف ليتفقوا على حل سياسي للصراع. وسنعمل مع روسيا على تحقيق ذلك في أقرب وقت ممكن".
أما كيري، فتحدث عن "عواقب" اذا لم يطبق الرئيس السوري بشار الأسد الاتفاق على الأسلحة الكيميائية، مشيراً إلى أن روسيا توافق على ذلك. وأبرز وجوب القيام بـ"مراقبة شديدة لتنفيذ بنود الاتفاق"، متعهداً بذل كل الجهود "لمساعدة الشعب السوري على الخروج من الفوضى والعنف". وإذ رأى أن الأسد "فقَد اي شرعية تخوله أن يحكم بلاده"، أكد ضرورة أن "تأخذ أي حكومة انتقالية في الاعتبار وضع الأقليات في سوريا". وذكَر بأن "الاتفاق يشير إلى إمكان اللجوء الى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة في حال عدم تنفيذ النظام السوري تعهداته أو استمراره في استخدام السلاح الكيميائي".
واتفق الوزراء على العمل معاً للتوصل إلى حل سياسي، وتنظيم لقاء دولي واسع حول "الائتلاف" المعارض في نيويورك. وكان كيري التقى أيضاً نظيره السعودي الأمير سعود الفيصل، وسيلتقي فابيوس اليوم نظيره الروسي سيرغي لافروف ليبحث معه في مشروع القرار الذي سيعرض على مجلس الأمن.
|