Date: Sep 22, 2013
Source: جريدة النهار اللبنانية
الضربة العسكرية الغربية لا تزال على طاولة التفاوض لكن المحاذير والمخاطر تشكل تحديات كبيرة للغرب
باريس - "النهار"  - سمير تويني
هل يمكننا اعتبار ان الخيار العسكري سحب عن طاولة المفاوضات وان الوضع في سوريا انتقل من مرحلة الى أخرى من ضربة عسكرية الى الديبلوماسية الهادئة؟

الفرنسيون والأميركيون يقولون "لا"، فهم يعتبرون ان تعديل الموقف الروسي جاء بعد تهديدهم بضربة عسكرية. ويقول الرئيس بشار الاسد "لا" وهو يطالب بالتخلي عن التهديد بضربة عسكرية مقابل تسليمه سلاحه الكيميائي. وتقول روسيا "لا" ويمكنها ان توافق على إمكان وضع الاتفاق الاميركي - الروسي في جنيف تحت الفصل السابع مع المحافظة على حقها بنقض اي قرار ضد سوريا.

اذا بقي الخيار العسكري كما اكد وزراء خارجية فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة بداية الأسبوع على الطاولة، فهل سيستخدم وكيف؟ فهل يكون بالضغط على النظام السوري لفرض عليه قرار أو لمعاقبته؟ وهل سيكون هناك منطق استراتيجي تناسته الديبلوماسية بعض الوقت ورفعت خيار التدخل العسكري "كحجة ديبلوماسية"، على رغم ان الاستراتيجية تعني "المناورة" للدفاع عن مصالح البلدان. والمصلحة العامة للدول تقتضي وجود رؤية سياسية واضحة للمصالح وللهدف المنشود مع الاخذ في الحسبان اهداف الخصم ومصالحه. وفي السياق استخدام السبل والضغوط الدولية والداخلية ونتائجها المرجوة من جراء اي عمل عسكري.

السؤال هو كيف يمكن استخدام الردع العسكري من اجل "مصالح محدودة"؟ وكيف يمكن لنظام بشار الاسد الرد بشكل مباشر أو غير مباشر على فرضية ضربة عسكرية على سوريا؟ وما هي شكل هذه الضربة العسكرية؟ وهل سيوافق الرأي العام الغربي على أي عملية عسكرية؟

على رغم ان خيار ضربة عسكرية ابتعد بعد المفاوضات الاميركية-الروسية التي وضعت السلاح الكيميائي السوري تحت الرقابة الدولية بانتظار تدميره، لا يمكن الجزم بان الخيار لن يطرح مجددا. وللتذكير فان الضربة العسكرية الغربية على سوريا كانت قيد البحث غربيا منذ أكثر من عام لفرض حظر طيران او ممرات انسانية... وقد تكون محدودة ولكن كيف وأية أهداف ستضرب؟

التوافق بين الأهداف السياسية والعسكرية للضربة يشكل تحديا لان مصالح الدول الغربية ضعيفة ومعقدة وغير واضحة للرأي العام الغربي: فهي استخدام سلاح كيميائي أو جرائم ضد الإنسانية ارتكبها النظام السوري أو دعم للدول العربية الخليجية المناهضة للحلف السوري الإيراني... ان الأسباب الموجبة عدة ولكنها غير واضحة عسكريا، وغير مقنعة للرأي العام الغربي الذي يعارض اي تدخل عسكري.

وهل تعني ضربة محدودة عدم دخول الجيوش في أي معركة ارضية بل القيام بضربات بواسطة الطيران والصواريخ؟ وكم ستستمر هذه الضربة وما هي الأهداف؟

يجب من الناحية العسكرية ان تكون الضربة المحدودة فاعلة ولا تؤدي الى اي تصعيد. وضربات محددة كما حصل في لبنان عام 1983 ستؤدي حتما الى اظهار التردد الغربي وإضعاف تأثير ردع هذه الدول، حتى أنها ستجعل دمشق ترد بشكل غير مباشر عليها. اما ضربة عسكرية قوية ولمدة طويلة لإسقاط النظام فستؤدي حتما الى تصعيد إقليمي. وفي السياق يجب ان تكون الضربات العسكرية اقرب ما يكون الى اهداف عسكرية غير مرتبطة بالأهداف السياسية المرجوة. وهذا الخيار معناه قصف مراكز محددة وتدميرها ليتوافق مع الاهداف السياسية ليضبط خطر التصعيد واضعاف الردع.

ولا يمكن قصف فقط التجمعات العسكرية التابعة للنظام من دون حدوث تعاون وثيق على الأرض مع قوى حليفة. ومساندة المعارضة بشكل غير مباشر وقد يؤدي ذلك الى خطرين خطر التصعيد وخطر الغرق في المستنقع السوري من دون نتائج سريعة. وسيتحول الغرب الى قوة جوية حليفة للراديكاليين.

فالضربات ستكون اذا استراتيجية موجهة ضد اهداف رمزية للنظام لاضعاف قدراته الاستراتيجية مثل السلاح الكيميائي، غير أنها اهداف صعبة ولا يمكن تدميرها بشكل امن، كما حدث في العراق عام 1990 فاحراز نتائج يحتاج الى وقت طويل، وكما تستطيع دمشق إخفاء صواريخها المحملة رؤوس كيميائية.

وتشكل مراكز القيادة والدفاع الجوي والبحري والمطارات ومستودعات الأسلحة اهداف لحملة عسكرية. والى رمزية إصابتهم فان تدميرهم قد يساعد المعارضة السورية لافتقاد النظام سلاحا أساسيا. وقد يشكل ذلك رسالة واضحة للنظام له ولن تتمكن ايران وروسيا من الدفاع عن هذا السلاح خوفا من تصعيد إقليمي. والقضاء على منظومة الرادارات سيضعف النظام امام اي ضربات أخرى. وتبدو هذه الأهداف الخيار الأفضل امام فرضية الضغوطات الدولية والسياسية التي قد تتعرض لها الدول الغربية التي قد تشارك في عملية عسكرية.

وهناك تساؤل لماذا لم تحصل الضربة العسكرية بعد التجيش الذي حصل من اجلها؟

بعد الحرب العراقية والحرب على الإرهاب في افغانستان ان الرأي العام الغربي يرفض العمليات العسكرية غير الحيوية بالنسبة اليه. لذلك كان الطرح لعملية جوية وبصواريخ بالستية ايوضع القوات بعيدا عن الأهداف خشية من رد الصواريخ السورية المضادة للطائرات. وفي حال عدم استخدام السلاح الجوي فان النتائج العسكرية ستكون فاشلة لعدم قدرة الصواريخ الباليستية إصابة السلاح الكيميائي المخزن داخل تحصينات تحت الأرض.

فماذا ستكون النتائج؟ يمكن تصور أضرار جانبية على رغم دقة هذه الصواريخ، وبإمكان النظام استخدام دروع بشرية، واصابتها قد تشكل فشلا ذريعا لأي تحالف عسكري على النطاق السياسي ويتحول النظام الى ضحية.

ويمكن النظام ان يرد على الضربات باستخدامه السلاح الكيميائي على نطاق أوسع. وقد يؤدي ذلك الى إفشال عملية عسكرية هدفها تدميره، والى تصعيد عسكري بعيدا عن الهدف الأولي للضربة العسكرية.

ويمكن لموسكو التي وضعت "فيتو" على اي تدخل خارجي تسليم النظام السوري صواريخ ضد الطيران محمولة قد تفقد إسرائيل سيطرتها الجوية وقد يؤدي ذلك الى تعديل التوازن الاستراتيجي في المنطقة.

فالدخول في حرب خصوصا عندما تكون الأهداف محدودة يشكل خطرا لانه لا يمكن تقدير نتائجها ويجب الأخذ في الاعتبار تتطورها الذي يمكنه ان يغير الواقع الإقليمي والدولي دون ان يقدم اي حل للمشكلة التي أدت الى هذه الحرب.

والتهديد للدفاع عن مبدا فيما النظام السوري يدافع عن وجوده أضعف هذا الردع. فواشنطن وباريس ترفضان اي تدخل عسكري مباشر بجيش لان مدة التدخل ستطول. والحديث عن تدخل عسكري يدوم منذ أكثر من عام دون اية نتيجة اضافية الى المواقف المترددة جعل النظام السوري يتصور ان الخط الأحمر التي وضع غير جدي.

ومن هذا المنطلق كان صعبا على باريس وواشنطن ردع سوريا من استخدام سلاحها الكيميائي غير ان الدول الغربية ارتأت خوفا من تفسير هذا التردد ازاء ايران وكوريا الشمالية وضع صدقيتها على المحك لمنع انتشار السلاح المحظر.

وفي السياق لا يمكن دخول هذه الدول في منطق تغيير نظام لان ذلك سيؤدي الى توقف حوار السلاح لان المحكوم عليه بالإعدام سيستخدم جميع طاقاته العسكرية.