Date: Sep 23, 2013
Source: جريدة النهار اللبنانية
الأردن: النظام يحسّن علاقته بالإسلاميين توجّه إصلاحي أم تكتيك؟
عمّان – عمر عساف 
شهدت الاسابيع الثلاثة الأخيرة تحسناً في مناخ العلاقة بين النظام والحركة الاسلامية في الاردن، بعد تصاعد التوتر بينهما منذ تصريحات الملك عبدالله الثاني بن الحسين الشهيرة في آذار الماضي لمجلة "اتلانتيك" الاميركية، والتي حمل فيها بشدة عليها.
 
هذا التحسن بدا من جملة تصريحات رسمية، تؤكد الا نية لاقصاء الاسلاميين عن الساحة السياسية، بادلها هؤلاء بالترحيب والاستعداد للحوار الجاد.

وكان آخر الردود من الاسلاميين الاسبوع الماضي، عندما وصف الامين العام لحزب جبهة العمل الاسلامي حمزة منصور ونائب المراقب العام لجماعة "الاخوان المسلمين" زكي بني ارشيد التصريحات الرسمية، بانها اشارات ايجابية. لكنهما لفتا الى ان ثمة مؤشرات سلبية لا تزال قائمة، وان الحركة في انتظار اطلاق حوار رسمي جاد يحمل اجندة واضحة برعاية ملكية.

وكان الملك عبد الله الثاني، في مستهل زيارته للصين الاسبوع الماضي، صرح لوكالة الصين الجديدة للابناء "شينخوا": "ارفض احتكار اي طرف الحياة السياسية، كما ارفض اقصاء اي طرف عن الحياة السياسية". واضاف: "كان من الافضل لو شارك حزب جبهة العمل الاسلامي في العملية السياسية... على اي حال، ان الحزب يشكل جزءاً من الطيف السياسي والنسيج الاجتماعي، والاردن لا ينتهج الاقصاء تجاه اي تيار او حركة سياسية".

لكن مراقبين رأوا ان تصريحات الملك لا تعكس توجهاً راسخاً لديه الى اعتماد منهجية محددة للتعامل مع الحركة الاسلامية على نحو ايجابي، كما لا توضح التصريحات ان لديه توجهاً الى اعتماد منهجية محددة لاخراجهم من المشهد السياسي. ورجح بعض المراقبين ان الملك حتى اللحظة لا يملك تصوراً نهائياً لشكل التعامل مع الحركة الاسلامية ومضمونه.

ورأى المحلل السياسي راكان السعايدة ان الملك ربما عكس في تصريحاته ميله الشخصي الى تصور طرف ما داخل مؤسسة الحكم يعتقد ان لا مصلحة للنظام في الاصطدام بـ"الاخوان"، وهذا الطرف يعتبر ان الفرصة مناسبة تماماً لاشراكهم في الحياة السياسية، وهم في حال ضعف بعدما جرى لـ"اخوان مصر".

وهذا التصور، في تقديره، يعاكس تصور طرف آخر يقول إن الفرصة متاحة لاخراج "الاخوان" من المشهد السياسي، والتخلص منهم، وعمل كل ما من شأنه ان يعوق اشراكهم في اللعبة السياسية.

ولفت السعايدة، في تصرح الى "النهار"، الى ان الجدل داخل مؤسسة الحكم "لا يزال قائماً حول كيفية التعامل مع الحركة الاسلامية". واوضح ان هذا الجدل يجري في سياق مراقبة ما تؤول اليه الاوضاع في مصر، وما يمكن ان تنتهي اليه، وكذلك مآلات "الاخوان المسلمين" في سوريا وتونس وليبيا والمغرب، فضلاً عن الخصوصية الاردنية. وهذه كلها، في رأيه، يضعها النظام في اعتباره وهو يدرس خياراته، وما اذا كانت لديه القدرة على تجاوز "الاخوان" أم لا.

ويرحب "الاخوان" بدورهم بما يصدر عن الملك وكبار المسؤولين، ولكن بحذر، فهم بين مصدق ومتشكك، وخصوصاً في ظل استمرار حملة التجييش الاعلامي والتحريض عليهم، والتي تأذوا منها بصورة واضحة الى درجة انسحاب المشهد المصري على الساحة الاردنية.

وأبلغ قيادي بارز في الحركة "النهار"، ان التصريحات الاعلامية للملك في تقدير الجماعة "لا يمكن الاتكاء عليها ووصفها بأنها معبرة عن سياسات حقيقية". ولاحظ القيادي، الذي طلب عدم ذكر اسمه، ان هذه التصريحات "لا تعكس تصورات نهائية وجادة... وحتى لو كانت لديه توجهات ونيات اخرى حيال الحركة، فهو لن يصرح للوكالة الصينية إلا بما قاله".

لذلك فان "الاخوان"، بقدر رغبتهم في فتح حوار مع النظام، يريدون ان يفضي الى نتائج تمنحهم جسراً يحفظ ماء الوجه للعودة عن قرارات مقاطعة الانتخابات والانخراط في الحياة السياسية. وهدفهم المركزي من ذلك، "قطع الطريق على أي محاولات لعزلهم سياسيا وشعبيا".

فعلى رغم ان وزير التنمية السياسية خالد الكلالدة (اليساري القريب من الحراك الاصلاحي) التقى الاسلاميين، ضمن سلسلة لقاءاته مع الاحزاب، يرى "الاخوان" ان لقاءات الوزير ايجابية لكنها غير كافية، وانها فقط تجري في سياق "مجاملات".

لذلك يريد "الاسلاميون"، كما يقول القيادي الاسلامي، أن يكون الحوار "برعاية ملكية لمنحه قدراً من الاهمية والقيمة والتزام مخرجاته". وهم وجهوا سلسلة من الرسائل في الفترة الاخيرة يبدون فيها استعدادهم للحوار. كما تحدثوا علنا عن مراجعات يجرونها على نطاقهم التنظيمي لسياساتهم وتوجهاتهم ومواقفهم من مختلف القضايا، وهو ما حصل الاسبوع الماضي في اجتماعات مجلس الشورى في الحزب (أعلى هيئة تنظيمية). وهي مراجعات اراد الاسلاميون منها ايصال رسالة الى صانع القرار انه يمكنها التوصل مع النظام الى تسويات وتفاهمات تجنبهما التصادم السياسي والامني.

وما يسترعي الانتباه في مواقف الحركة الاسلامية، ويعطي مؤشرات لاستيعابها اخفاقات "الاخوان" في مصر وفي أكثر من مكان، هو تخليها الفعلي، وان بصورة غير معلنة، عن مطلبهما الاصلاحي بادخال تعديلات على الدستور تقيد صلاحيات الملك.

فكل ما يشغلهما الآن هو ادخال تعديلات على قانوني الانتخاب والاحزاب، بمعنى ان "الاخوان" لا يريدون، حاليا على الاقل، المس بصلاحيات الملك الخاصة بتشكيل الحكومات وحل البرلمان. فهم يسعون فقط الى ما يمنحهم مبررات امام قواعدهم وانصارهم للعودة الى المشاركة في الانتخابات النيابية.

في المقابل، وكما يتساءل الباحث الدكتور حسن براري، "الى أي درجة استفاد النظام من الدرس المصري؟ وهل يحتاج الملك الى الانقلاب على النخب الحاكمة حتى تتوافر لديه آليات مناسبة لانتقال ديموقراطي سلمي؟".