تجاوزت كلمة رئيس الجمهورية ميشال سليمان، عشية الذكرى السبعين للاستقلال اليوم، البعد المباشر للذكرى والاخطار التي تتهدد استقلال لبنان، الى الاخطار الاقليمية وعواقب التورط في الصراع السوري، وكذلك الخروج على الدولة ومنطقها، بما بدا معه كأنه يدق ناقوس الخطر الشديد على الجمهورية وهو يودع اللبنانيين والقوى السياسية كلمته الاخيرة في ولايته الرئاسية. ولم يخف الرئيس سليمان خشيته هذه بوضوح، كما لم يتردد في الاشارة الى انها كلمته الاخيرة في ولايته. ذلك ان تحذيره من الفراغ الرئاسي المحتمل في ايار المقبل حضر بقوة في الكلمة إذ أهاب "بأهل السياسة وأصحاب القرار عدم ايصال البلاد الى حال من الفراغ في ظل مجلس نواب ممدد له، وحكومة تصريف أعمال لا تمثل جميع اللبنانيين"، بل قال: "لا يدفعنكم أحد الى المكابرة او المغامرة في الشأن الوطني… نحن شعب لم يعد يتحمل عبء الخسائر المجانية والحروب العبثية والمجازفات". وحذر ايضا من أن "دولة الاستقلال لا يمكن ان تقوم اذا ما قرر أطراف أو جماعات بعينها الاستقلال عن منطق الدولة او اذا ارتضت الخروج عن التوافق الوطني باتخاذ قرارات تسمح بتخطي الحدود والانخراط في نزاع مسلح على أرض دولة شقيقة وتعريض الوحدة الوطنية والسلم الاهلي للخطر". وإذ دعا الى ان "تكون الاشهر الاخيرة التي تفصلنا عن الاستحقاق الرئاسي اشهر حوار وقرار"، مشددا على التزام "اعلان بعبدا"، أضاف: "في كلمتي الاخيرة اليكم في ذكرى الاستقلال أدعو كل فرد وطرف وشريك من شركاء الوطن الى العودة الى الدولة والى منطق الدولة ومرجعية المؤسسات".
ومن المقرر ان يتقدم الرئيس سليمان ومن حوله رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي والرئيس المكلف تمام سلام صباح اليوم الحضور في العرض العسكري الذي سيقام في جادة الرئيس شفيق الوزان بوسط بيروت في ذكرى الاستقلال على ان يليه الاستقبال التقليدي في قصر بعبدا.
مغادرة السعوديين بيد ان الاستعدادات لاحياء الذكرى لم تحجب التداعيات السياسية والديبلوماسية والامنية المتصاعدة للتفجير المزدوج الذي استهدف السفارة الايرانية في بيروت. وتميزت التعازي التي شهدتها السفارة امس بحضور الرئيس سليمان ووفد من "كتلة المستقبل"، بينما برزت المحاذير التي نشأت أجواء اتهامية وتهديدات مضمرة وعلنية للسفارة السعودية بعد التفجيرين مما أدى الى تطور سلبي جديد تمثل في توجيه السفارة السعودية امس دعوة عاجلة الى من تبقى من رعاياها لمغادرة لبنان فورا بسبب "خطورة الوضع" بحسب ما أكد السفير السعودي علي عواض عسيري في تصريحات. وقال السفير الموجود في السعودية ان السفارة "أرسلت رسالة نصية عبر الهاتف الى رعاياها في لبنان تنصحهم فيها بمغادرته نظرا الى خطورة الوضع وحرصا على سلامتهم". وأوضح أن "هذا اجراء روتيني يتخذ في كل ظرف أمني يستدعي الحذر". وجاء في نص الرسالة التي تلقاها المواطنون السعوديون في لبنان: "نظرا الى الظروف الحالية والشحن الاعلامي تنصح السفارة المواطنين بالعودة الى البلاد وتوخي الحذر".
وصرح السفير عسيري مساء لمحطة "المستقبل" بأن "البيان الذي صدر عن السفارة يأتي انطلاقا من حرص المملكة العربية السعودية على سلامة مواطنيها ونحن نثق بقدرات الحكومة اللبنانية وما من شك في أنها مسؤولة عن أمن وسلامة الديبلوماسيين السعوديين". وقال: "نحن لم نتلق أي تهديدات، ولكن حرصا من المملكة على سلامة مواطنيها هي حثتهم على العودة ولم يأت هذا الحض الا على ضوء التطورات الأمنية التي شهدناها في الأيام الأخيرة في لبنان". وأشار الى انه خارج لبنان في مهمة عمل وانه سيعود في وقت قريب. وترافق هذا التطور مع تعزيز اجراءات الحماية للسفارة السعودية في بيروت.
في غضون ذلك كانت زيارة وفد من "كتلة المستقبل" للسفارة الايرانية معزيا، موضع ترحيب لدى الرئيس بري اذ رأى انها تستكمل موقفي الرئيسين سعد الحريري وفؤاد السنيورة من رفضهما التفجير الارهابي الذي حصل وادانته وأن المهم في الزيارة أن الوفد أكد هذا الموقف من أرض السفارة تحديدا. شخص ثالث؟ أما على صعيد التحقيقات الجارية في التفجيرين، فأبلغت مصادر متابعة "النهار" انه تمّ تزويد التحقيق معطيات تخوله المضي قدما في هذا الملف وفي عدادها كاميرات المراقبة من الفندق الذي نزل فيه الانتحاريان في بيروت قبل تنفيذ جريمتهما والبصمات التي رفعت من الغرفة التي أقاما فيها. وعلمت "النهار" ان شخصا ثالثا بالاضافة الى الانتحاريين كان في مكان قريب من مسرح التفجيرين وقد رصد التحقيق مكالمة هاتفية كان يجريها هذا الشخص بعد حصول التفجيرين وهو يخضع للاستجواب سعيا الى كشف كل التفاصيل المترابطة في الجريمة. وتشير هذه المعلومات الى ان التعرف على الانتحاري الاول قد يكون بات وشيكا، خصوصا ان الكاميرات التقطت صوره قبل التفجير وكانت احداها فوق غرفة الحرس في السفارة الايرانية وتظهر ملامحه. أما الانتحاري الثاني، فثمة صعوبة في التعرف عليه لان الكاميرات لم تلتقط صورا تفصيلية له فيما كان يقود السيارة المفخخة كما ان أشلاءه تطايرت بعيدا من مكان التفجير. وجاء في المعلومات ان المواد المتفجرة التي استخدمت في تفجيري الجناح لا تشبه تلك التي استعملت في تفجيري الرويس وبئر العبد سابقا.
وعلمت "النهار" من مصادر مواكبة لملف التفجير ان مخابرات الجيش بأمر من القضاء تتولى وحدها التحقيقات وهي تسلمت بعض أشرطة الكاميرات التي سجلت وقائع التفجير. ورأت ان الانتحاريين اللذين نفذا التفجير هما من "القاعدة" الوافدة وليس من "القاعدة" المقيمة مما يعني ان التنظيم الخارجي لهذه المنظمة بات يعامل لبنان كـ"أرض جهاد" بعدما كان يتعامل معه كـ"أرض نصرة" وذلك بفعل تطور الصراع في سوريا.
|