Date: Jan 23, 2014
Source: جريدة النهار اللبنانية
انطلاقة متوترة للمؤتمر الدولي حول سوريا وتباعُد المواقف من مصير الأسد
المعلّم يرفض النقاش في شرعية النظام والجربا يدعو إلى الإسراع في نقل السلطة
اتسم اللقاء الاول لمسؤولين في النظام السوري ومعارضين له في الخارج في مدينة مونترو السويسرية من اجل وقف دورة العنف في سوريا، بحرب كلامية وخصوصا في شأن مصير الرئيس بشار الاسد الذي يرفض وفده ان يكون هذا الامر مطروحا للنقاش. وشهد المؤتمر بداية صعبة في أجواء متوترة، الى تبادل للتهم بـ"الخيانة" وتلاسنابين الامين العام للامم المتحدة بان كي - مون ووزير الخارجية السوري وليد المعلم.
 
قال الامين العام للامم المتحدة بان كي - مون في خطابه الافتتاحي امام ممثلي نحو 40 دولة ومنظمة بينها وفدا النظام والمعارضة: "بعد نحو ثلاث سنوات طويلة من النزاع والمعاناة في سوريا، اليوم هو يوم أمل". ولفت الى "اننا نواجه تحديات استثنائية"، داعياً المشاركين السوريين تحديدا الى "انطلاقة جديدة". وأضاف: "ان هذا المؤتمر يشكل فرصة لتظهروا وحدتكم... ان جميع السوريين يتجهون بأنظارهم اليكم اليوم... امامكم انتم ممثلي المعارضة والحكومة السورية فرصة هائلة .. وعليكم مسؤولية تجاه الشعب السوري". ورأى ان على القوى الدولية "ان تبذل كل ما في وسعها لمساعدتهم على تحقيق هذه الاهداف". وتساءل: "كم من القتلى سيسقطون في سوريا بعد... اذا اهدرت هذه الفرصة؟" وخلص الى ان "لا بديل من وضع حد للعنف... دعونا نثبت للجميع ان العالم يمكنه ان يوحد صفوفه".

وشدد وزير الخارجية الاميركي جون كيري في كلمته على أن لا مكان للأسد في الحكومة الانتقالية لأنه فقد شرعية القيادة. وقال: "نرى خيارا واحدا فقط... التفاوض على حكومة انتقالية تشكل بتوافق متبادل... هذا يعني أن بشار الأسد لن يكون جزءا من هذه الحكومة الانتقالية. ليست هناك أي طريقة ممكنة لأن يسترد شخص قاد ردا وحشيا على شعبه شرعية الحكم".

بينما حذر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من "محاولات تفسير هذه الوثيقة بشكل او بآخر"، في اشارة الى الدعوة لتأليف حكومة انتقالية في سوريا عبر الاتفاق الذي توصلت اليه القوى الكبرى عام 2012 في ختام مؤتمر جنيف 1. ولاحظ ان تسوية النزاع الجاري في سوريا "لن تكون سهلة ولا سريعة"، مبرزا "المسؤولية التاريخية" التي يتحملها اطراف النزاع. وكرر موقف موسكو عن وجوب عدم تدخل "لاعبين خارجيين" في شؤون سوريا الداخلية، إلا أنه اعتبر أيضا إن إيران التي لا تشارك في مؤتمر جنيف 2 يجب أن تكون جزءاً من الحوار الدولي.
 
المعلم
وفي موقف تحد، وصف وزير الخارجية السوري وليد المعلم في كلمته ممثلي المعارضة السورية الجالسين قبالته بـ"الخونة" و"عملاء لأعداء" سوريا. وقال ان من يريد "التحدث باسم الشعب السوري لا يجب ألا يكون خائنا للشعب وعميلا لاعدائه". وتوجه الى المعارضة السورية المشاركة في المؤتمر قائلاً: "ماذا فعلتم يا من تدعون انكم تتحدثون باسم الشعب السوري؟ أين أفكاركم وبرنامجكم عدا المجموعات الارهابية المسلحة؟... انا على يقين انكم لا تملكون اي شيء وهذا جلي للقاصي والداني".
وأضاف: "من يريد ان يتحدث باسم الشعب السوري فليتفضل إلى سوريا... من يريد أن يتحدث باسم الشعب السوري فليصمد ثلاث سنوات تحت الإرهاب ويقاوم ويقف ثابتا في وجهه... ثم فليتفضل إلى هنا ليتحدث باسم الشعب".

وخاطب وزير الخارجية الاميركي: "لا أحد في العالم، سيد كيري، له الحق في إضفاء الشرعية أو عزلها أو منحها لرئيس أو حكومة أو دستور أو قانون أو أي شيء في سوريا إلا للسوريين أنفسهم".

وفي معرض دفاع المعلم الطويل عن سياسة النظام السوري، تدخل الامين العام للامم المتحدة مقاطعا بحجة انه تجاوز الدقائق العشرين المخصصة له. ورد المعلم بأن بان نفسه تحدث 25 دقيقة وأنه يريد التعبير عن موقف بلاده وواصل كلامه.
 
الجربا
ودعا رئيس "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية" احمد الجربا الوفد الحكومي السوري الى توقيع وثيقة "جنيف1" من اجل "نقل صلاحيات" الاسد الى حكومة انتقالية. وقال: "اننا نوافق بشكل كامل على مقررات جنيف 1... ونريد أن نتأكد ان كان لدينا شريك سوري في هذه القاعة مستعد أن يتحول من وفد بشار إلى وفد سوري وطني مثلنا... انني أدعوه الى التوقيع الفوري على وثيقة جنيف1 بحضوركم جميعاً الآن، لنقم بنقل صلاحيات الأسد كاملة، بما فيها الصلاحيات التنفيذية والأمن والجيش والمخابرات إلى هيئة الحكم الانتقالية التي ستضع اللبنة الأولى في بناء سوريا الجديدة". ثم سأل: "سؤالي واضح ومباشر، هل لدينا هذا الشريك؟"

وأوضح انه "حضرنا إلى جنيف2 استناداً الى موافقتنا الكاملة على نص الدعوة التي وصلتنا من السيد بان كي- مون الأمين العام للأمم المتحدة والتي تنص على تطبيق وثيقة جنيف 1 وإنشاء هيئة الحكم الانتقالية التي هي موضوع مؤتمرنا هذا، وهي موضوعه الوحيد”. واكد ان المعارضة تعتبر هاتين النقطتين “مقدمة لتنحية بشار الأسد ومحاكمته مع كل من أجرم من رموز حكمه، وأي حديث عن بقاء الأسد بأي صورة من الصور في السلطة هو خروج بجنيف 2 عن مساره”.
 
سعود الفيصل
وقال وزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل ان "من الضروري ان نحذر... من اي محاولات لتغيير مسار هذا المؤتمر في محاولة لتحسين صورة النظام وادعاء محاربته للارهاب". وافاد ان "حضور المملكة المؤتمر جاء بناء على الضمانات والتأكيدات التي تضمنتها دعوة الامم المتحدة، وهي ان هدف جنيف 2 تطبيق اتفاق جنيف 1”. واعتبر ان “من البديهي الا يكون لبشار الاسد او من تلطخت ايديهم بدماء السوريين اي دور في هذا الترتيب”. واضاف ان “الامل يحدونا بأن يتم التعامل مع الازمة بعيداً من محاولات الاستقطاب والاسترضاء التي كبلت مجلس الامن” في الملف السوري. ودعا الى ان يتبنى مجلس الامن “ما يتم التوصل اليه من اتفاق” في المؤتمر “وضمان تنفيذه”.

واسترعى الانتباه أن سعود الفيصل خاطب الجربا بلقب “فخامة الرئيس”، ووصف الائتلاف بأنه “الممثل الشرعي للشعب السوري”، وقد خرج وزير الخارجية السوري وليد المعلم من القاعة لدى إلقائه كلمته.
 
فابيوس
وفي كلمات اخرى، قال وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس ان هدف المؤتمر “البحث عن حل سياسي لسوريا يتعلق بهذه السلطة الانتقالية التي تتمتع بكامل الصلاحيات التنفيذية... لا يتعلق الامر باجراء نقاش عام حول سوريا، ولا باطلاق تهجمات وشعارات دعائية ولا كسب الوقت ولا القاء الخطب عبر تكرار كلمة الارهاب”. إلى وقف النار على الفور في سوريا وفتح ممرات انسانية لايصال المساعدات الى المدنيين. ورأى أن حكومة الأسد “تتحمل مسؤولية كبيرة عن هذا الموقف وأيضا عن صعود الارهاب الإجرامي الذي تقول إنها تحاربه لكنها في واقع الأمر متحالفة معه”.

وندد فابيوس لاحقاً امام الصحافيين بـ”المهاترات الطويلة والعدائية” للمعلم في مونترو. وقارن تصريحات المعلم بـ”الموقف المسؤول والديموقراطي لرئيس الائتلاف”.


مونترو جمعت النظام والمعارضة والأسد فرّقهما / الجربا تحدّى المعلّم أن يوقِّع جنيف 1 فوراً
 
مونترو (سويسرا) - موسى عاصي
بدت المعركة الديبلوماسية في القصر الأصفر بمدينة مونترو السويسرية على ضفاف بحيرة ليمان أشد ضراوة من معارك الميدان، وقبل أن يتمكن فريقا الصراع السوري من التحدث بلغة مشتركة ومفهومة بينهما، يحتاج الممثل الخاص المشترك للامم المتحدة وجامعة الدول العربية في سوريا الأخضر الإبرهيمي ربما الى عشرات الجولات التفاوضية. فقد كان الفارق واضحاً والشرخ كبيراً بين حدود الخطين المتوازيين، لا مجال لالتقائهما، النظام ومن خلفه الروس في واد، و"الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية" ومن معه في واد آخر.
 
حمل الفريقان "دشمهما" إلى سويسرا وتمترسا خلفهما، النظام لا يعنيه من المؤتمر سوى العنوان المعروف والمرفوع سلفاً أي "محاربة الإرهاب"، ويتهم الفريق الآخر بأنه جزء من هذا الإرهاب ويعمل لمصلحة إسرائيل، أما "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية" فيشترط جدولاً زمنياً لرحيل الرئيس بشار الأسد ومحاكمته، والبدء فوراً بتطبيق ما اتفق عليه في جنيف 1 (حزيران 2012)، أي نقل السلطة بكامل صلاحياتها التنفيذية وخصوصاً الأجهزة الأمنية والعسكرية والمخابرات إلى الهيئة الانتقالية.
ولم تتضمن كلمة وزير الخارجية السوري وليد المعلم، التي استهلكت أكثر من وقتها المحدد مما أثار حفيظة الأمين العام للأمم المتحد بان كي – مون، اشارة الى أي سبب داخلي للأزمة السورية "الأسباب خارجية، أساسها استخدام البترودولار الذي ساهم في زعزعة استقرار سوريا والذي شجع آلاف الإرهابيين من الشيشان إلى أفغانستان إلى دول أخرى أوروبية وعربية إلى المجيء إلى سوريا بهدف بناء دولة إسلامية وهابية إرهابية، تعود بنا مئات السنين إلى الوراء".
وفي المقابل، كان رئيس الائتلاف السوري أحمد الجربا، ند المعلم في هذه المنازلة الديبلوماسية، على النقيض تماما من خصمه، فالإرهاب يتحمل مسؤوليته الأسد، والإرهاب لا يعني من وجهة نظر الجربا المجموعات الإسلامية المتطرفة التي تحارب في سوريا ("داعش" وغيرها) فقط، إنما وضع "حزب الله" اللبناني "الذي يحاكم في لاهاي الآن لقتله رفيق الحريري" في سلة واحدة مع هذه التنظيمات، والتي "يقوم الجيش السوري الحر بمحاربتها جميعا".
 
مواجهة غير مباشرة
وقد تخاطب الوفدان بطريقة غير مباشرة وبشكل يعمق الانقسام والبعد بينهما، إذ سأل المعلم الموجودين من المعارضة في القاعة ساخراً عن "برنامجهم السياسي لبناء سوريا وعن أدوات التغيير على الأرض غير المجموعات الإرهابية المسلحة"، ليردف ذلك باتهامهم بأنهم مجموعات مرتزقة تقوم بحشد "الخزي والعار جراء التوسل الى الولايات المتحدة لشن عدوان عسكري على سوريا"، وقال: "باختصار لم تترك ثورتكم السورية المجيدة موبقة واحدة على وجه الأرض الا وفعلتها". من جهته دعا الجربا فريق النظام الى التراجع عن "كونه وفداً يمثل الرئيس السوري بشار الأسد والتحول إلى وفد سوري وطني يوقع مباشرة وثيقة جنيف1".
 
لافروف وكيري
وفيما اقتصرت مداخلة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على دعوة الى الحل السياسي "الذي يتضمنه بيان جنيف1"، وخلت من أي إشارة واضحة الى مسار المفاوضات، ومن أي موقف واضح مما اذا كانت بلاده تدعم بقاء الأسد أو رحيله، جاءت مداخلة وزير الخارجية الأميركي جون كيري مطابقة لمداخلة الجربا من حيث المطالبة برحيل الأسد وتطبيق بنود جنيف1. ووضع كيري هيكلاً للهيئة الانتقالية لا يتضمن من "ساهم في قتل الشعب السوري" من الجهتين، "الجهة التي تمثل آلاف الإرهابيين الذين ينشرون إيديولوجيات الحقد ويساهمون في عذاب الشعب السوري"، والجهة التي تمثل النظام الحالي برئاسة الأسد، "لن يكون للأسد مكان في هذه الهيئة لا هو ولا أولئك الذين ساندوه في تعذيب الشعب السوري، لا يمكن أن يكون هذا حتى في الخيال، فالرجل الذي واجه شعبه بوحشية لا يمكن أن يستعيد شرعية الحكم".

وتماشى هذا الموقف مع كلمة وير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل، التي عارضها الوفد السوري بخروجه من القاعة، راداً بذلك على موقف مماثل للوفد السعودي الذي كان ترك بدوره القاعة خلال إلقاء المعلم كلمته.
 
قوي بـ"حزب الله" وإيران
وقالت أوساط الوفد الأميركي المواكب لكيري لـ"النهار"، أن كلمة المعلم كانت قاسية جداً ولم تقدم أي جديد على ما هو معروف سلفاً عن الموقف السوري النظامي، وعزت ذلك إلى "معرفة النظام السوري أنه بات الأقوى في الميدان بفضل داعميه من إيران و"حزب الله" اللبناني، وهو يستفيد من ذلك لتحسين شروطه في المفاوضات ولتضييع الوقت". وأضافت أن الولايات المتحدة متفقة مع الروس على عدم السماح بقيام دولة إسلامية في سوريا. ورداً على سؤال عن وجود اتصالات بين الأميركيين والنظام، أكدت إن هذه الاتصالات لم تنقطع يوماً.

وفي مؤتمر صحافي مع انتهاء اليوم الاول من المؤتمر، اعلن وزير الخارجية الاميركي ان بلاده تنوي زيادة الدعم للمعارضة السورية، في اطار البحث عن "وسائل ضغط" اضافية على النظام. وقال انه على رغم ان التهديد بضربة عسكرية اميركية لدمشق تراجع، فان الرئيس الاميركي باراك اوباما "لم يستبعد نهائيا هذا الخيار". وترك الباب مفتوحا أمام مشاركة إيران في محادثات السلام السورية قائلاً إن طهران يمكن أن تقوم بدور فاعل في انهاء الصراع.

وفي دردشة مع الصحافيين بينهم مراسل "النهار"، قال وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس "أن أهم ما حصل اليوم (أمس) في مونترو هو تمكن الدول الراعية للمؤتمر من الضغط على الطرفين وحملهما على الجلوس الى طاولة المفاوضات".
 
الجعفري
أما المندوب السوري لدى الامم المتحدة السفير بشار الجعفري فسئل خلال مؤتمر صحافي هل ترفض دمشق اتفاق جنيف 1، فأجاب: "من قال اننا نرفض؟ ولكن كيف نبحث في حكومة انتقالية في ظل استمرار العنف؟". واضاف ان الوفد السوري المفاوض يذهب الى جنيف للتفاوض مع وفد المعارضة من أجل "تطبيق جنيف1 كسلة واحدة". واشار الى انه لا يمكن اختيار امر من جنيف 1 دون الامور الاخرى.
 
تحضيرات الجمعة
ومن المقرر ان يعود اليوم الوفدان السوريان إلى مقر إقامتهما في جنيف، وانطلاقاً مما اعتبرته أوساط الأمم المتحدة "الحدة في المواقف بين الطرفين" علمت "النهار" أن ثمة اقتراحاً لفصل الفريقين يوم المفاوضات غداً في جنيف ووضعهما في غرفتين منفصلتين، على أن يقوم الإبرهيمي بجولات مكوكية بين الطرفين. لكن الأوساط الأممية أوضحت أن الإبرهيمي سيلتقي الوفدين اليوم كلاً على حدة في جنيف من أجل جس النبض قبل اتخاذ القرار.